الروائية العراقية شهد الراوي في “ساعة بغداد”: استحضار شظايا الأزمنة الماضية

هاشم شفيق
حجم الخط
0

تستبطن الروائية العراقية الشابة شهد الراوي، عمق زمنها البغدادي، متمثلاً بمحلتها الصغيرة، تلك المحلة التي تختصر تواريخ بغداد القريبة، مستغورة بحكاياتها كل حركات ماضيها القريب، راسمة صورة بانورامية مصغّرة لبغداد كلها، بغداد التاريخ والشعراء والأساطير والمرويات والأحلام، وكذلك بغداد التحوّلات والثورات والطغاة، بغداد المحبوبة والمعشوقة والحبيبة، وأيضاً المجروحة والمغدورة والمحتلة والمنتهكة بأيدي الغرباء، وبأيدي أهلها المتواطئين مع الغريب والوافد عبر المحيطات، ليصوغ لها أياماً سوداء، ويسحب من تحت أقدامها البساط الملوّن الذي نسجه لها الزمان يوماً، فأعطاها السرّ المؤبد والإكسير الخالد، هذا الذي سينكسر ويصبح علقماً على أهلها الذين ذاقوا الهناءة والبساطة في يوم ما، لكن اليد الخفية كانت تلعب بالتاريخ والزمن البغدادي، لتحوِّله دائماً إلى شظايا. لقد تشظى العراق عبر حروب كثيرة، واحتلالات، وعبر النوايا السوداء للديكتاتورية التي قضت على ما تبقى من أزمنة جميلة طفتْ تلمع بين الضفتين .

تتوغل شهد الراوي، الحكاءة البارعة، في تفاصيل زمنها الصغير، منذ أدركت طفولتها الراكضة فوق عشب الحديقة، منذ شبت في بيت يرفل بأيام هانئة، غير مكلومة، تتوغَّل في حياتها، وهي تتدرَّج نحو اليفاع، حيث الطفولة الناعمة بين الأهل والجيران والأقرباء، ومن ثم مراحل الصبا والمراهقة، راسمة عالمها بحرفية عالية، وساردة تواريخها الناهدة بطريقة حالمة، فيها الكثير من الشاعرية والرومانتيكية والأبعاد الفانتازية، وهي تتقدّم في هذا الكون الصغير، حيث العوالم الملمومة، والمكثفة والمكتفية بحدود وعيها، ورؤيتها وهي طفلة تشب وتكبر وتحلم، وتتقدَّم في زمانها، زمانها هي وأزمنة غيرها وهم يحيون بحبوبة الزمن المتلوِّن والشفيف، غير الملوث بعد، زمن فيه نعمة دارجة وواضحة، ويُسْر يمشي، ورخاء يتطاول مع الشجيرات وأسيجة البيوت، ويشمخ مع رائحة الشبوي والجوري، في حدائق الأسر العراقية المتوسطة والوادعة، فهي تقدم صورة طبقتها بكل تحولاتها وتفاصيلها وتمظهراتها، مسلطة نور قلمها الذكي، على كلِّ ما مرّ في محلتها من ظواهر سلبية وإيجابية، مارة بكل تقاسيم الحب والوله والغوى البغدادي للجمال العراقي الأنثوي وهو يخطو نحو المراهقة ونحو التطوّرات اللاحقة للفتاة العراقية وهي تعيش في عالم بسيط، ولكنه معقد ايضاً من ناحية التقاليد الأنثروبولوجية والسوسيولوجية، عالم مأنوس ولكن بحدود، عالم يتدرج نحو البناء، والحلم والطيران في عالم الأحلام والأعاجيب، ولكنه قد ينتكس في رمشة عين، عالم مضطرب، عالم شبابه يحاول أن ينهض به، ويتخطى بعلمه ومداركه ومواهبه المفاهيم التقليدية والرؤى الارتدادية، كيما يقفز بكل ما يمتلكه من إرادة علمية، المصائب اليومية التي يصادفها كل يوم في طريقه، فالطرق حين يكبر المرء ويسير فيها، لم تكن دوماً آمنة، وعالم الكبار هو غير عالم الطفولة، عالم البراءات والهناءات الأولى .

تنحت شهد الراوي في روايتها الأولى “ساعة بغداد” التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العالمية، ونافست بذلك أكبر الكتاب والروائيين العرب حتى وصلت طبعاتها إلى العشر، ونالت في بريطانيا أيضاً الرواية نفسها الجائزة الأولى في مسابقة عالمية للرواية بعد أن ترجمت إلى الإنكليزية، تنحت تاريخ محلتها بشغف عال وبصيرة واعية، مُلمة بكل ما دار ونشأ حولها من تحوّلات في مسار محلتها الجميلة والبسيطة والمتواضعة، فهي تُرينا كيف كانت تلك الأيام تمر، وتسير وتتوارى وراء الزمان، وترينا كيف أنها كانت تعيش حاضرها، بعمق ودراية وحب كذلك، لتضعنا أمام عالم مُصغَّر لعوالم بغداد الكثيرة والمتعددة والمختلفة، عالم شيق وفاتن وساحر بطرائق عيشه وحياته، فيه تدرس بعين السابر الواعي، تاريخ كل شخصية في محلتها، لتقدم بعد ذلك بحثها الجمالي المستقصي والفريد، فمن خلال سبر عالم كل شخص في المحلة، قدَّمتْ مسردها الروائي عن مشهد العائلة العراقية، وسعت من خلال كل عائلة عرفتها في منطقتها إلى استكناه مسيرة عراق كامل.

تقدّم شهد الراوي في “ساعة بغداد” شخصياتها الأليفة، الباحثة عن المعنى والألفة والحنان، في أزمنة الحرب والعنف والخراب، الدائر من كل جهة وصوب.

تجهد شهد بلغتها العذراء والطرية والطازجة، في أن تطلعنا على زمان الحب والرومانتيكية والشفافية البغدادية، ملمة بعالمها، دارسة خطوات المحبين في محلتها، شخصياتها بريئة، في عالم غامض وملتو وغير بريء، عالم يسعى إلى إنهاء الهناءات الصغيرة التي توفرت بين يد الشباب الطالع، الشباب المتطلع إلى مستقبل خال من الشواش والضبابية والخطوط المبهمة.

إن شخصيات شهد الراوي كالراوية ذاتها، حالمون ورومانسيون، من أمثال نادية وبيداء وسارة وريتا وأحمد وفاروق وحسام، وعمو شوكت وباجي نادرة والمشعوذ وحتى القطط، وبرياد كلب المحلة الذكي، كما تقدمه الرواية، يبدو كائناً يتفهّم الحال والأحوال ويُراعي شخصيات المحلة، وينافح عنها ويحميها. كل هؤلاء وغيرهم من البيوت المجاورة للراوية أو البطلة التي تجيد صوغ التواريخ لزمنها الحالم، كلهم يقعون فريسة الماضي، إذ ليس ثمة مستقبل أمام الجميع. والرواية يبدأ زمنها المؤشر إلى دائرة الحرب في عام 1991 عندما تبدأ أمريكا بقصف العراق، تحت شتى الحجج والذرائع، لتبدأ الأحلام في تلك اللحظة، تتعرَّض للتلف ويمسَّها غبار الحروب، في الملجأ يبدأ تاريخ مغاير للتاريخ الذي كانت تعيشه المحلة. في الملجأ الذي سيلجأ إليه أهالي المحلة ستتعرف الراوية على نادية لتصبح الصديقة الحميمة لها، وبذا ستودعها الأسرار والكلمات والأغاني، وهنا ستبدأ الوشوشات والهمسات والمشاغبات، ستدرسان معاً مراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية، ومن ثم الجامعة حيث كلّ واحدة ستختار ما يناسبها. في الملجأ ستتغير الأزمنة ويظهر زمن جديد وعنيف ودموي، الكل يسعى اليه، أمريكا والدول المتحالفة معها، النظام الخائب الذي يرتعب من همسة وطنية، والميليشيا العنيفة التي تدّعي الدفاع عن الإسلام، كل يسعى إلى تغيير العالم المعيوش والمنتظم إلى حد ما، أمريكا تسعى لتدبير الفوضى الخلاقة التي دمرت شعوباً، وبلداناً باسم الحريات والديمقراطيات المأجورة والمزيفة، تلك التي يخطط لها المأجورون والجواسيس وصنّاع الحروب، وها هو المشعوذ العابر الغريب والمار في المحلة يقرأ طالعها، حتى تتجمع النسوة حوله في أزمنة الجوع والدموع والحصار الغاشم على شعب كبير، متنوع الإثنيات والمذاهب والأديان والطوائف كالشعب العراقي، حيث يقول المشعوذ غريب الأطوار والسلوك والناطف بالغيب: “ستعيشون غرباء بدموع لا نهاية لها، أنظر اليكم الآن وأنتم في بلاد الثلوج والشتاءات الحزينة، تتدفأون بالذكرى، ستغدو محلتكم هذه مجرد أناشيد وأغانٍ تنهمر من ذكراها الدموع، أراكم في دروب موحشة، ومظلمة، تتلفتون فيها تلفت الغرباء التائهين، يرفع أحدكم رأسه للسماء بقلب ينفطر من الألم ويقول ماذا فعلنا أيتها السماء ولا يأتيه الجواب؟”.

المكان في رواية “ساعة بغداد” يشي بجمال الأيام الماضية، ومنه تستطيع أن تستدل على تلك الطبقة المتوسطة التي ستزول بالتدريج، بفعل الحصار الأمريكي والحروب المتوالية، حربا الخليج الأولى والثانية، ولسوف تمحى هذه الطبقة المثقفة والمتعلمة، حين يدخل الغزاة إلى العراق كمحتلين، ويشيعون فيها النهب والسرقة والقتل على الهُوية، وتأجيج الصراع الإثني والطائفي، ومن ثم المجيء بالقاعدة، وبعدها بتنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية، التنظيم المدعوم إيرانياً وصهيونياً وأمريكياً، ليقتل وينهب ويغتصب، ويحطم معالم الحضارات الأولى التي نشأت على هذه الأرض الطعينة، ولينشئ دستوراً مكتوباً بحبر أفكاره الجهنمية، حيث المحاصصة الطائفية، وسيادة أفكار الولي الفقيه، عدو الثقافة والتقدم، وعدو التحولات العلمية والفكرية والمعرفية الساعية إلى تكريس المفاهيم العلمانية، الحضارية، والليبرالية، ليكون الكل متساوياً في الجهل وسيادة المراسم الظلامية .

إذاً حركة أبناء المحلة انتابها زمان معلوم سبق ذكره أعلاه، ومكان جلي لأبناء هذه الطبقة، أو للعراقي عامة، وهو منطقة “المأمون” و”الحارثية” وربما “المنصور” أيضاً، ولذا ستتحرك الشخصيات بين “حدائق الزوراء” و “ساعة بغداد ” و “برج المأمون ” وفيما بعد “شارع الصناعة ” حيث كلية الصناعة وجامعة بغداد ومن ثم المحلة التي لا تقدم الرواية مكانها الواضح بالضبط، لكنها تسعى إلى التلميح ليستدل القارئ بنفسه على المكان عبر المتخيَّل، ليكون ضمن مادة الحلم والخيال والمنطق الغامض الملفوف بالحنان وضباب الأمكنة .

لعل قارئ “ساعة بغداد” وهو يتدرج في زمانها ويسعى في مكانها البهي القابع في الماضي، سيرى إلى أنه يتقدم في ماض زائل ولن يعود، يتقدم الزمن المتواري ليكون حاضراً مهاجراً ومستقبلاً بلا أفق، فيهاجر أغلب سكان المحلة وسيقتل من يقتل، ويسجن من يسجن، ويهاجر من تمكن من الهجرة إلى الخارج، إلى سوريا أو إلى عَمّان، أو إلى البلدان الباردة كالسويد وكندا والدنمارك، والمحظوظ سيكون في دبي كنادية والراوية ذاتها.

شهد الراوي: “ساعة بغداد”

دار الحكمة، لندن 2018

171 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية