“سأمضي إلى العدم” مجموعة الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة: تقليب الواقع بعين رافضة

هاشم شفيق
حجم الخط
1

ينهل الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة مادته الشعرية من واقعه، ومن حياته داخل هذا الواقع، حتى يُترع بما يرى من مشاهدات وحكايا وخطوب تجابهه على الدوام، لتكون له فاتحات لقصائد تتمرَّغ في فيض تراجيدي، وهذا ما تشي به مجموعته الشعرية ” سأمضي إلى العدم “، لتقدم لنا لوحة من عالمه المتفكك، عالمه المليء بالثغرات والفجوات والمثلوم دائماً بإرادات تطال كل شيء، الزمن والتاريخ والأسطورة والتقاليد والموروث، واقعه المحلوم أن يكون مغايراً ومختلفاً عما هو سائد في الأزمنة المعاصرة، هذه الأزمنة الشرهة التي ابتلعت كل ما كان يحلم به الكائن البشري، فكيف بشاعر له أحلامه وهواجسه ونواياه ورؤاه المستقبلية .

لذا نجد الشاعر المحاصر من كل الجهات والأطراف والأعراف، لا يعرف أن يدير وجهته، فأنَّى توجّه وجد الأسافين تقام أمام خطاه، وترفض تقدمه صوب مناطق الحلم والنشوة، وترفض حتى رفضه وتمرده، وثورته على الواقع المتشظي والمأزوم، والمتفكك أمام القوى اللاعبة والكبيرة، القوى التي تتخطى مطامح الكائن العادي، لتحاصره وتحجزه، وتقيم أمامه السدود والحواجز، ونقاط التفتيش، هذا ناهيك عن السجن والتشريد ومصادرة الهُوية والأحلام البسيطة، والرؤى والأشعار، ومصادرة الحياة ذاتها، وكلّ ذلك يأتي من أطراف عديدة، واضحة ومتعيِّنة، وقد تكون مجهولة المصدر، أو متنازعة، وربما متياسرة مع بعضها، ولكنها ترى في الشاعر الأعزل والوحيد، والمجرَّد من وسائل الدفاع، سوى الكلمات التي معه وبحوزته، والتي يرى فيها الآخر أنها تشكل مصدر تهديد له، وتشكل في النهاية مصدر خطر عليه، وعلى مصالحه ونهجه السياسي.

هكذا كانت أشعار موسى حوامدة، المشاغبة، والخارجة على المناسك التقليدية، مُحارَبة ومُراقَبة من قبل التابو الرسمي، تتفحّص “شغب” وهو ديوانه الأول، وعنوانه يُدلّ على مسار موسى حوامدة الشعري، ذلك الذي سوف يغدو علامة له، لا يحيد عنها، بل سوف يكرِّسها في ديوان لاحق “شجري أعلى” هذا الذي سيُعرِّضه للمساءلة والتحقيق، والتشديد على نسق الحرية التي يرتادها الشاعر، في ما تكتنفه الأشعار من إشارات وكنايات واستعارات فنية، يرى القضاء والقانون أنها تمس الذات الإلهية، أو تكشف المسكوت عنه، وتميط اللثام عن المختفي والمتوارى والمستور، وهذا ما سوف لا تقبل به الذائقة العامة، من تخط  للمحظور وعبور وتجاوز للخطوط الحمراء، وما أكثرها في أزمنة التردي العربي الحالية .

فالشاعر القادم من طولكرم، والمُهجّر إلى أرض أخرى هي غير أرضه، سوف يواجه في ترحاله الوجودي، تبعات الكولونيالية الحديثة، وما تركته من حروق نفسية عليه، وعلى أجيال كثيرة، وسيواجه كذلك في مكان الإقامة الجديد مناقب مثالية لا تقل قسوة عن الأولى .

تتمتع غالبية قصائد مجموعته الحديثة “سأمضي إلى العدم” بحس نهلستي، ولكنه الحس غير الراضخ والخانع، بل الرافض والمتحدي لما يريد أن يفرضه الواقع الجديد على الشاعر، وبذا تتولد المغامرة، ويتوثب عدم القبول، وتنهض كلمة لا رافعة رأسها، مهللة بالممانعة الجمالية، كونها المُعبّرة، والحاملة لمكنونها الدلالي، والمتمتعة دائماً بصيغة الإشاحة، والنزوع نحو الاختلاف، ورفض ما يُملى على الذات الشاعرة من صيغ القبول :

” وعلى ذكر النُّبوّاتِ أُفتي

بأني أنا الشريرُ الذي أرسلَ الطغاةَ

إلى ديار الأنبياء،

فالأنبياءُ الذين ساروا على هديي

ليسوا أنبياء

والأنبياء الذين جاءوا بعدي

تعثروا في الحقدِ،

غرقوا في أول البحرِ،

وظللتُ وحدي أسيرُ على الماءِ،

هم فكرة هنديةٌ والله حافظها

وأنا رمّانُ الزمانِ وعتمة الأشياء”، من قصيدة “سأمضي إلى العدم” .

وحين يخرج الشاعر من بحره المتلاطم بالكائنات، وينفض عنه الماء الذي كان يسير عليه كيسوع، يجد العالم يُنشد وهو على الأرض واليابسة “كلّ ما على الأرض (صخب وعنف)” وهو يضع هاتين الكلمتين بين هلالين ليوحي لنا على أنها ليست له، بل هو عنوان رواية لوليم فوكنر الروائي الأمريكي .

يستدرج الشاعر في عمله هذا الأسطورة المتعارف عليها، ولا سيَّما اليونانية، ليؤثث بها قصيدته، بغية منحها الطاقة الموحية، والهزة السيميائية، ومنحها الرمز ومعناه المستبطن والمكتنه فنياً وتعبيرياً البعد الأسطوري، لاجئاً إلى ميدوزا، تلك المرأة الميثيولوجية التي تنطوي على معنى شرير وعدواني، وفق تحولاتها الإفعوانية، وهو رمز متداول كثيراً في الشعر العربي، مثله مثل ما سوف يستخدمه من تسميات أخرى، مثل زيوس والأولمب، أو الرموز الدينية التوراتية والمسيحية، مثل” إيلي إيلي لم شبقتني ” ليقول هو، أي صوت الشاعر “إلهي إلهي لم خدعتني”، وفي الإغريقية يناجي زيوس، مخاطباً إياه :

“يا زيوس العظيم

لا أظنك مقيتاً إلى درجة المسخرة، ولا أستسيغ وصفك بما لا تحبّ” .

يميل الشاعر غالباً إلى مخاطبة الآخر، والآخر هنا، قد يكون العدو، أو الأب أو المرأة أو الجنود، أو الصديق، وهو يرى في الصداقة عامل نشوة وود وألفة، وينبغي على هذا العامل أو العنصر الفني، أن يتحلى بصفات المدلول عليه، وعلى الصداقة الا تتعرّض إلى عوامل التلف، والفرقة، والهجران، والخراب.

وعلى ذكر الخراب تحفل مجموعة ” سأمضي إلى العدم ” بمفردات مقاربة، تتماهى مع مفردات كالانهيار والدمار والحطام، ومكابدات تقترب من النكوص النفسي والروحي والمعنوي، إزاء صديق يخون العهد، أو امرأة تعذب عاشقها ومحبها، فينعتها الشاعر في عنوان إحدى قصائده بـ ” سيئتي الجميلة ” على غرار فيلم ” سيدتي الجميلة ” احدى روائع هوليوود الستينيات، ليلعب هنا على معنى الكلمة ووجهها الآخر، ورامياً إلى ما يستبطن القول من مرام فني حولها، أو من وضوح ومباشرة، ذات تعبير صريح إلى المرأة المشار إليها كقوله :

” سيئتي الفاجعة

احملي ثرثراتكِ

وكفي عن جلد قلبي الطريّ،

ليس من واجب الغبار أن يقيم حديقة للمثل الزيتية” .

بينما مع الأصدقاء الذين يهديهم قصائده، سيكون في غاية الألفة، وفي سفح الود بين جوانحهم، كقصائد “حارس الهواء” و “سروة الأمل” و”الفتى المغربي”، فالمعني هنا الصديق الذي يتعتَّق صداقة ووفاءً وصدقاً على مر السنوات، وهم هنا غير المهجوِّين الذين يظهرون بين قصيدة وأخرى، ليس فرادى كما هو الحال مع هذه القصائد، بل يظهرون جمعاً، يُشار لهم بالتردي الشخصي، لما آلت اليه أحوالهم، أو بالسماح والهناءة المنطويين على تقديم الرموز والدوال والنعوت المبهمة والمستورة والمغلفة بالإيحاء المستدل، كما توضّحه هذه القصيدة :

” هنيئاً لمن هزموني

هنيئاً لمن شوَّهوا روحي

وخرّبوا لوحتي وقصيدتي

وحطموا جنوني،

هنيئاً لمن أطفأوا سراجي وغادروا حلمي وخلوني

وهنيئاً لمن طعنوني

وتركوا ندوبهم فوق ذاكرتي

وصالحوا ظلالي وظنوني” .

بيد أنّ الشاعر في قصيدة “لا وداع” يحاول بلوعة ودراية وتأسٍّ، أن يرسم صورة لوداع ما، جرى بين شخصين، والشخص لا تُفصح عنه القصيدة، هل هو صديق ما، امرأة ما قريبة ولصيقة بحياة الشاعر؟ وقد ودعها بطريقة غير واعية ومحزنة لحظة غياب مفاجئ :

” فلا وداعَ ولا تعزية

حتى لو عصرَ الحزنُ

قلبَ الجبل ْ

فلن تنزَّ السّاقية” .

موسى حوامدة: “سأمضي إلى العدم”

الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2017

110 صفحات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية