القاهرة-“القدس العربي”: كان للرئيس عبد الفتاح السيسي والذين من حوله ما أرادوا. تم تعديل الدستور وتنفس القوم الصعداء وباتت مصر رهينة خيارين، سلطة ممسكة بتلابيب الحكم على الأقل حتى مطلع 2030 ونخبة ما زالت أحلامها تعانق السماء على الرغم من عجزها الذي لا يخفى على أحد في الواقع المعاش.
الأمر بات مستقراً للرئيس على الرغم من تلك الأصوات القادرة على إثارة غضبه عبر العالم الافتراضي والتي تتولى الأذرع الإعلامية إسكاتها أولاً بأول. الأسئلة التي تفرض نفسها بعد أن أدارت السلطة عملية تثبيت أقدامها على النحو الذي شاهده العالم، هل باتت السلطة القائمة في مأمن من العقاب البشري الذي تراهن عليه النخبة؟ مؤخراً أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات برئاسة المستشار لاشين إبراهيم، أن أكثر من 23 مليون ناخب صوتوا بالموافقة على التعديلات الدستورية، أي ما نسبته 88,8 في المئة من إجمالي عدد الناخبين الذين شاركوا في الاستفتاء على التعديلات. وقال لاشين أن نسبة المشاركة بلغت 44,33 في المئة فإلى أي المقادير تتجه مصر؟
استرخاء لابد منه
بعد كل معركة في الغالب وكما علمنا التاريخ يحصي كل قائد غنائمه وخسائره ويلتقط أنفاسه، وهناك من يتوقع استرخاء قد يطول بالسلطة الراهنة مدفوعة بغواية مقاليد وأسباب القوة التي تمتلكها في مواجهة قوى معارضة كسيحة على إثر تنمر السلطة بها بعد التعديلات التي رأت النور. لا يستبعد كثيرون ان تمنح الأقدار نظام الحكم القدرة على أن يعيد سيرة حكام أقوياء تصدروا المشهد في زوايا الأرض طيلة أربعة عقود من شاكلة فرانكو والذي استمر 40 عاماً بقبضة حديدية هائلة في اسبانيا. غير ان مراقبين يتحلون بكثير من الواقعية يرددون بعد خروج التعديلات للنور أن الرئيس ليس مجبراً لاستلهام نماذج خارجية خاصة أن لديه آباء شرعيين في المضمار نفسه كجمال عبد الناصر وحسني مبارك، فإلى أي مدى ستفسح تلك التعديلات المجال أمام القصر الرئاسي، وهل يلقي بأنبوب اوكسجين لنخب معارضة باتت في حالة موت حقيقي أم أنه سيمضي قدماً تحو تشييع جنازتها للأبد؟
كان كل شيء معداً قبلها بسنوات بعناية شديدة، هو بنفسه قال في “13|9|2015” قبل أن يتذوق لذة السلطة “الدستور كتب بنوايا حسنة” لذا فإن “النية في تعديله موجودة منذ بدأت لجنة الخمسين، التي تولت كتابة دستور 2014 عملها وأن السلطة تمهلت في الوقت حتى تقر هذه التعديلات”. ودار الحديث عن تعديل الدستور في السنة الأولى من حكمه، وعلى الفور بدأ “خدم” السلطة تهيئة الرأي العام لهذا الأمر، وعلى الرغم من سعي كثير من المخلصين أثناء النظام بالتريث غير أن شهوة الامساك بتلابيب السلطة كانت لا تغلبها شهوة ولم تسمح للغة العقل أن تسود. ساحة ميدان التحرير، التي صرخ فيها الشعب “ارحل يا مبارك” غداة ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير باتت شاهد عيان على تمكن السلطة الراهنة من إحكام قبضتها على مقاليد الأمور، ولقد قالها الرئيس صراحة من قبل “لن أسمح بما حدث من قبل أن يتكرر” في إشارة لثورة يناير وقد كان له ما أراد بالفعل.
لا تؤرقوا مضجعه
بعد إقرار التعديلات الدستورية لم يعد في وسع خصوم الرئيس أن يزعجوه، لأن عواقب الأمور باتت خطيرة بفعل الثقة المفرطة التي اكتسبتها السلطة القائمة بحكم الاستفتاء وما تلاه من حقائق في موازين القوة على الأرض. يدرك محللون من مختلف المدارس الفكرية والتيارات السياسية أن إقدام الرئيس السيسي في السلطة باتت راسخة على الأقل على مدار العشرية المقبلة، لذا فالمطلوب من خصومه ان يهبطوا بسقف أحلامهم قليلاً. وفي هذا المضمار يعترف كتاب وسياسيون وأكاديميون من بينهم عبد العظيم حماد، وعبد الله السناوي ومحمد حماد وأنور الهواري وجورج أسحق وعشرات الأعلام في قوى المعارضة، إن نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستقر بالفعل لذا فإن ما ينبغي ان يراهن عليه خصوم الرئيس هو أحداث ثقب في رأس النظام ليقنعوه بضرورة ان ينصت لهم على الأقل بعد أن تحقق له ما يريد وهو الرهان الذي ينبغي للنخبة المصرية أن تضعه نصب عينيها، والمقترح بالطبع لعبد العظيم حماد. وتتيح التعديلات للرئيس السيسي البقاء في السلطة حتى عام 2030 كما شملت أيضا إعادة الغرفة البرلمانية الثانية تحت مسمى “مجلس الشيوخ” بعدما كان قد تم إلغاء هذه الغرفة في الدستور الحالي، كما تضمنت التعديلات رفع حصة المرأة في مجلس النواب إلى نسبة 25 في المئة.
يرى الكثير من المراقبين أن غاية ما افتقده النظام كي تمر تلك التغييرات بهدوء هو “ترزية” تفصيل القوانين، فدور الجيش في الحياة السياسية المصرية أمر حادث بالفعل وما يجري الآن هو مجرد دسترة لهذا الواقع. الجيش بالفعل يحمي مدنية الدولة وهذا واقع حدث ويحدث منذ أن سلم مبارك السلطة للجيش وأقر المصريون بسلطة الجيش بالهتاف “الجيش والشعب يد واحدة” وغادروا الميادين اقراراً للجيش بهذا الوجود، هذه الشرعنة للواقع مفيدة من أجل التعامل مع هذا الواقع بدلاً من إنكاره.
لدينا ما يردعكم
عارض 22 نائبا تعديل الدستور من قبل لكن أصواتهم ذهبت أدراج الرياح وتعرض عدد منهم لضغوط ترتقي في بعض الحالات للإهانات والترويع عبر فضحهم بنشر تسريبات لمقاطع جنسية. ولم تعد السلطة التي باتت كل أوراق القوة في يدها تهتم بما إذا كان الذي يجهر بصوته نائباً في البرلمان أو واحداً من العوام، وقد وجد المعارضون داخل البرلمان وخارجه أن الأمور اختلفت بالفعل ذلك بأن حصن القضاء الذي كان يمثل بالنسبة لهم الملاذ في وجه سلطة تتعقبهم أصبح غير مطلق السراح كما كان حاله من قبل، فها هو مجلس الدولة، الذي يعد آخر القوى المعارضة للسلطة التنفيذية الحالية، لم يعد في وسعه التدخل في القوانين. كما ساهمت التعديلات في تعزيز مكانة الجيش باعتباره “الحامي القوي للدستور، والديمقراطية، والتماسك الأساسي للبلاد وطبيعته المدنية”. وحسب خصوم السلطة، ينتقل النظام المصري من طابعه المستبد إلى نظام شمولي قادر بامتياز على غرس أنيابه في جسد معارضة تعاني نخبها الشتات والتيه وتغلب عليها الانقسامات.
رأي جدير بالنظر
من الصعب أن يطلق على ما جرى في مصر مؤخراً “تعديلات دستورية” فحسب مفكرين وقيادات في قوى المعارضة لعبت دور المحرك للجماهير من قبل من مجموعة من رموز القوى الوطنية ولأن حجم الاعتداء على الدستور الذي لم يمض عليه أكثر من أربع سنوات، واللامبالاة التي جرى بها الأمر غير مسبوق في عنفه واستهتاره كما يشير الكاتب جمال سلطان، وأيضا الاعتداء الصارخ على نص الدستور نفسه الذي يحظر تماما، وبالنص الواضح والحاسم والقاطع، أي تعديل على المواد المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية، وذلك كان موقفا صارما في 2014 يستلهم خبرة ودرس التاريخ القريب. وحرص كل من يستولي على كرسي الرئاسة على تعديل الدستور على هواه لكي يبقى فيه مدى الحياة، وغالبا ما يجد زفة من المنافقين والطامعين والانتهازيين يسوقون له شهوته مقابل امتيازات يحصلون عليها من السلطة. الانقلاب الدستوري الحالي كما يحلو لسلطان وصفه خطورته تتمثل في ثلاث نقاط محددة، تتعلق بمنصب الرئيس، وبسلطات المؤسسة العسكرية، وتتعلق باستقلال القضاء، وكل ما يطرح بعد ذلك من تعديلات ـ مثل الحديث عن المرأة ومجلس شيوخ وغيره ـ هو دخان لا قيمة له سوى التعتيم على المقصود الأساسي من هذا الانقلاب الدستوري.
كما طرح مقترح مد الفترة الرئاسية الحالية للرئيس، وهي أربع سنوات، والتي انتخبه الشعب على أساسها، لتصبح ست سنوات وفقاً لمادة “انتقالية” تسمح للرئيس الحالي بالترشح من جديد في فترة رئاسية ثالثة، ست سنوات أخرى حسب التعديل الجديد للفترة الرئاسية، رغم أن النص الذي عدلوه يمنع ذلك، ولكنهم أجازوها استثناء للرئيس الحالي، وهذا أسلوب من احتقار الناس واحتقار الدولة واحتقار الدستور لا سابق له، كما أنه توجه يمنع التداول السلمي للسلطة، ويعيد الدائرة المغلقة السابقة، التي تجعل نقل السلطة غير ممكن إلا عن طريق الانتزاع أو الانقلاب أو العزل أو الثورة الشعبية أو الوفاة الطبيعية.
مرحبا بالاستبداد
حملت التعديلات الدستورية التي باتت واقعاً بعد الموافقة عليها، بين طياتها تغولاً على أهم منجز بالنسبة للبشرية وهو المتمثل في “استقلال القضاء” ذلك لأنها منحت رئيس الجمهورية سلطة “تعيين” و”اختيار” رؤساء السلطات القضائية الثلاث، مجلس الدولة ومحكمة النقض والمحكمة الدستورية، كما أنه أصبح صاحب القرار في تعيين النائب العام للبلاد. ويرى أنور الهواري رئيس تحرير “المصري اليوم” الأسبق أن نظام الحكم لا يرى انه يواجه سوى أزمة اقتصادية يتعامل معها بالمزيد من الجباية في الداخل ولم يمتنع أحد عن الدفع، كما يتعامل معها بالمزيد من الاستدانة من الخارج ولم يمتنع الدائنون عن تقديم المزيد من القروض. مؤكداً أن نظام الحكم نجح في التخلص من خطر الإخوان، ثم من خطر منافسيه الذين ينتمون للمؤسسة العسكرية، وكان قد سبق وأسكت الأصوات الثائرة وشوهها ودمغها بكل نقيصة، وهو يلعب بالمعارضة التقليدية ويلهو بها كما يشاء. واعترف الهواري بأن السلطة الراهنة وضعت كل معارضيها ومنافسيها في أزمات عميقة ولا تدع لأي منهم فرصة للتفكير الهادئ أو حتى التقاط الأنفاس. وخلص إلى ان نظام الحكم في لحظة انتصار ساحق، بغض النظر عن الوسائل التي يتبعها في تحقيق هذا الانتصار، فالوسيلة عنده مشروعة طالما تحقق الغرض الذي يصبوا إليه. هذا الانتصار حسب الهواري كما اعترف عبر صفحته الشخصية هو جوهر المعادلة السياسية القائمة الآن، وحتى تتغير هذه المعادلة يلزم شرطان: أن تنزل الملايين إلى الشوارع، وأن يتخلى عنه حلفاؤه، وكلاهما مستبعد جداً.
كلمات من رصاص
لم تردع الأجواء التي تعيشها مصر في الوقت الراهن معارضي السلطة بحيث يتوقفون عن النقد وفي طليعة هؤلاء الروائي علاء الأسواني الذي أصبح ملاحقا قضائياً بتهم عدة جلها بسبب مواقفه المعارضة للسلطة، وهتف بعد ساعات من إعلان نتائج الاستفتاء: “مهما أمعن الديكتاتور في قمع الشعب ومهما عبث بالدستور حتى يستمر في الحكم فإنه يستحيل أن يقضي على أشواق الناس للحرية والعدل والحياة الكريمة. إن الموجات الثورية العظيمة التي تحدث الآن في السودان والجزائر تقدم دليلا قاطعا على أن الثورة العربية مستمرة وإذا تم تعطيلها مؤقتا في بلد فإنها سرعان ما تندلع في بلد آخر. الثورة حلم ووعي والديكتاتور يستطيع أن يعتقل الناس ويعذبهم ويقتلهم لكنه لن يتمكن أبدا من القضاء على وعيهم وأحلامهم. الثورة مستمرة ولسوف تنتصر وإن غدا لناظره قريب”. فيما وصف النائب في البرلمان أحمد طنطاوي الملاحق أيضاً قضائياً: “هذه المواد مصنوعة من أجل شخص واحد، والاقتراب من مواد الرئاسة غير دستوري ولا يجوز لسلطة أوجدها الدستور ان تخلق هي الدستور بموجب أحكام المحكمة الدستورية. ولا أرى خطورة على الدولة المصرية باختفاء أي شخص، وأنا لا أثق في أداء الرئيس الحالي وهذا رأيي كمواطن قبل أن أكون نائباً”. أما الأكاديمي الاقتصادي عبد الخالق فاروق فتوصل لحقيقة مفادها: من يصرح علناً أنه سوف يسحق كل من يقترب من كرسي الحكم الذي يجلس عليه فهو أخطر شخص في تاريخ مصر كلها. فالبقية كانوا يمارسون نفس الفعل لكن دون تصريح علني بهذه الصورة الخطيرة والفجة”.