فتحها عمرو بن العاص وحرقها بونابرت: دمنهور مدينة النور ومعبد الإله حورس وممر الفلاسفة

حسام أبو طالب
حجم الخط
1

القاهرة-“القدس العربي”: عرفت دمنهور في النصوص المصرية القديمة باسم دي من حور، أي مدينة الإله حور أو حورس، على اعتبار إنها كانت مركزاً لعبادة هذا الإله. ففي النصوص المصرية عرفت كما أشار المؤرخ أحمد محمد عوف في كتابه القيم “أحوال مصر” باسم بحدت وفي النصوص اليونانية باسم هرموبوليس برفا، أي مدينة هرمس الصغرى، كما أطلق عليها أبوللونوبوليس نسبة للمعبود اليوناني أبولّو، ثم نالت اسم تِلْ بَلاَمون. لكن المصريين أعادوا إليها اسمها المصري القديم ونطقوها تمنهور. وبعد الفتح الإسلامي حرفت بالعربية إلى اسمها المعروف الآن دمنهور. وتُلقب بعدة أسماء أبرزها مدينة النور، ومدينة النصر، ومدينة البحيرة. ودمنهور عاصمة لمحافظة البحيرة، تقع شمال غرب دلتا النيل، وتبعد عن عروس البحر الإسكندرية 60 كيلومتراً. ويبلغ عدد سكانها نحو 6 ملايين ونصف المليون نسمة وتزخر بالعديد من المواقع التاريخية والثقافية مثل مسجد التوبة ومسجد الحبشي ودار أوبرا دمنهور. واللافت تاريخياً أن دمنهور أقدم تجمع حضاري في العالم وأول مدينة سكت بها العملة وهي عاصمة محافظة البحيرة، من أعرق محافظات مصر. وتجاوز عدد سكان المحافظة 5ملايين نسمة. وكانت تسمى في الماضي بمقاطعة أيمنتي وعاصمتها مدينة بديت التي كانت أيضا عاصمة مملكة الشمال وبنيت في أواخر أيام البطالمة لتكون مدينة ملحقة بدمنهور. وكانت هذه المقاطعة واحدة من 20 مقاطعة يتألف منها الوجه البحري. وكان لمقاطعة أيمنتي السبق في أول محاولة للوحدة مع مملكة الجنوب، غير أن هذه الوحدة لم تدم طويلا، حتى جاء الملك مينا وأعاد الوحدة. وكلمة البحيرة وجدت في الخرائط التي صدرت بعد الفتح الإسلامي لمصر وأطلقت على الكور “المقاطعات” الواقعة غرب رشيد وهذه الكلمة في اللغة هي تصغير لكلمة بحرة وتعني البقعة الفسيحة من الأرض المنخفضة. كما يعلل البعض هذه التسمية لوجود عدد من البحيرات في شمال الإقليم والتي لم تكن منفصلة عن بعضها البعض، وتمثل مساحات شاسعة من المياه. وعاصمة المحافظة مدينة دمنهور إحدى المدن العريقة في مصر حيث كانت في وقت من الأوقات عاصمة مملكة الشمال، ومركزا دينيا هاما لعبادة الإله حورس وبنيت فيها المعابد الكبيرة لعبادته. وقد أطلق على مدينة دمنهور اسم هرمو بولس بارفا أو هرمو بولس الصغرى، نسبة إلى الإله هرمس. كان يوجد معبدان داخل المدينة الأول والأقدم بناه قدماء المصريين لعبادة الإله حورس، والثاني وهـو الأحدث بني في العصر اليوناني للإله هرمس، والاسم الذي كتب له البقاء في النهاية هو الاسم المصري القديم دمنهور بينما استبعد الاسم اليوناني.

واكبت دمنهور جميع الحقب التاريخية بدءا من عصر ما قبل الأسرات مرورا بالعصر الفرعوني والبيزنطي ثم الفتح الإسلامي لمصر وما تلاه. وقد مر بأرضها معظم الفلاسفة ومؤرخو وجغرافيو الإغريق وتتلمذوا على أيدي كهنتها عندما كانت المعابد بمثابة الجامعات الأولى التي استقى منها الإغريق العلوم والطب والفلسفة.

ظلت البحيرة منذ أقدم العصور مصدر اهتمام الرحالة والبحارة والمؤرخين والفلاسفة والسلاطين والملوك والرؤساء. وغزاها هيرودوت واسترابون وفيلاوس وباريس ويلانة والإسكندر وعمرو بن العاص وقايتباي والغوري وصلاح الدين الأيوبي ونابليون. وتعد دمنهور من أقدم مدن العالم وأول عاصمة دولة في التاريخ، إذ اختيرت عاصمة دولة الفراعنة بالوجه البحري ثم ضمها مينا بعد ما وحد القطرين منذ 3 آلاف سنة وجعل العاصمة منفى. وأيام الإغريق والرومان كانت المدينة الثانية بعد العاصمة الإسكندرية. وبعد الفتح الإسلامي لمصر بنى بها عمرو بن العاص ثاني مساجد مصر بعد مسجده بالفسطاط-القاهرة، وهو مسجد التوبة. وجعلها عاصمة إقليم البحيرة الذي كان يضم رشيد والإسكندرية، والبحيرة كانت منزلا للقبائل العربية التي أتت مع الفتح الإسلامي. وكان عربان البحيرة يثورون على ظلم المماليك والعثمانيين مطالبين بالخلافة لتكون قرشية عربية.

يسقط مينا

وفقاً للمؤرخ أحمد محمد عوف، شهدت البحيرة أول ثورة شعبية في العالم على النظام الملكي الدكتاتوري حيث طالبت بالديمقراطية واللامركزية على الحكم الشمولي. عندما تقدم الملك مينا موحد القطرين منذ أكثر من خمسة آلاف سنة بجيوشه من الصعيد نحو الشمال لتوحيد الوجهين القبلي والبحري. غير أن سكان البحيرة أعلنوا ثورتهم على الملكية. وبرغم أن مينا سجل انتصاره، لكن البحيرة كانت أول إقليم في العالم يرفع لواء الثورة باسم الشعب وانطلقت من مقاطعة متليت بالبحيرة والتي تمثلت في حكم مجلس العشرة الكبار المشكل من عشرة من الأعيان كممثلي المقاطعة. وفي سنة 663 ق.م أقام الملك بسماتيك الأول معسكرا على ساحل رشيد لصد غارات الآشوريين. وقد أقام الملك منفتاح على أرض مدينة رشيد استحكاماته على الضفة الغربية من النيل بفرع رشيد شمالا وذلك لصد هجمات الإغريق والصقليين الذين كان يطلق عليهم شعوب أهل البحر. فانتصر المصريون في أول موقعة حربية بين مصر وأوروبا جرت أحداثها على أرض رشيد. كما كانت مدينة بولبتين والتي قامت مدينة رشيد الحالية على أنقاضها، سوقاً تجارية رائجة وخاصة في عهد الأسرة 26 وذكر أن العجلات الحربية التي ذاع صيتها كانت تصنع في تلك المدينة.

وشهدت دمنهور العديد من الأحداث على مدار التاريخ ففي يوم 9 نيسان/ابريل سنة 641 م انتهى الحصار الذي ضربه عمرو بن العاص على حصن بابليون، لمدة سبعة أشهر. وبعدها توجه للإسكندرية فالتحم مع الروم في ترنوط التي تسمى حاليا الطرانة، وهي إحدى قرى البحيرة، فانتصر عليهم وكان بها حصن منيع. وتقهقر القائد الرومي تيودور إلى الإسكندرية فبعث إليه عمرو بن العاص أحد قواده الصحابي الجليل شريك بن سمى بن عبد يغوث بن جزء المرادي، ليقضي على فلول الجيش الرومي المهزوم، فأدركه الروم عند قرية تقع في شمال الطيرية فقاتلهم فاعتصم بمنطقة تسمى الكوم حتى أدركته الإمدادات التي أرسلها له عمرو مع أحد قواده ويدعى مالك بن ناعمه الصدفي، الذي انقض على الروم بفرسه من أعلى الكوم وواقعهم فلم يستطيعوا تضييق الخناق على القائد المسلم، فسميت تلك المنطقة باسم كوم شريك نسبة إلى شريك الفارس العربي المسلم. ثم سار عمرو بن العاص بعد ذلك بمحاذاة الترعة التي تلي الصحراء في اتجاه الشمال الغربي حتى وصل إلى الدلنجات ومضى في طريقه حتى اعترضت حامية الروم عند سنطيس، وهي في جنوب دمنهور بسبعة كيلو مترات وهناك دارت المعركة وانتصر المسلمون ولاذ الروم بالفرار. واستمر عمرو في زحفه نحو دمنهور فبدد بها شمل العدو واتجه إلى الإسكندرية وقطع مسافة عشرين ميلا حتى بلغ حصن الكريون، والكريون بلدة بالقرب من قرية معمل القزاز بكفر الدوار، وحصن الكريون كان آخر حصن رومي قبل الإسكندرية حيث أوى إليه الروم خشية هجوم المسلمين عليهم. وعند الكريون دارت رحى القتال بين الروم والمسلمين سنة 20 هـ وسقط الحصن في أيدي العرب فكان انتصارهم على الروم في تلك الموقعة حاسما. فأصبح الطريق مفتوحا أمام قوات عمرو إلى الإسكندرية، حتى وصلوا إلى أسوارها ففتحها وأبرم عمرو عقد الصلح سنة 25 هـ مع المقوقس كبير الأقباط والحاكم العام باسم الروم في الإسكندرية وقتذاك. وأسند عمرو لوردان الولاية على الإسكندرية، ثم سار من الكريون نحو الشرق حتى وصل إلى أخنا (ادكو حاليا) فضرب الحصار حولها، وعرض الإسلام على أهلها فأسلموا، وتم الصلح ووصل المسلمون إلى دمياط وبهذا تمت لهم السيطرة على منافذ النيل على بحر البحر الأبيض المتوسط الذي أصبح بعد ذلك بحيرة إسلامية أيام الخلافة الأموية.

محرقة بونابرت

وفي زمن الحملة الفرنسية ثار أهل البحيرة على الفرنسيين عدة مرات. وفي كل حراك كما أشار المؤرخ احمد محمد عوف كان يشنق عددا من الأهالي والأعيان والعربان بها. وكانوا يتخذون منهم رهائن ليكفوا عن الثورة، حتى هبط عليهم أبو عبد الله المغربي، أحد شيوخ المغرب ودعا أهلها إلى الجهاد وجعل دمنهور عاصمته. وانتصر على نابليون بونابرت في خمس معارك متتالية انتهت باستشهاده واستشهاد ألفين من رجال البحيرة بدمنهور وامر نابليون بإبادة سكان المدينة وحرقهم أحياء في بيوتهم وفي الطرقات وقدر عدد الشهداء بربع سكان المدينة وأرسل قائد كتيبة إبادة دمنهور لأحد القادة رسالة قائلا: أصبحت دمنهور كومة من الرماد ما تركنا فيها حجرا فوق حجر وقتلنا من أهلها نحو ما يزيد عن ألف وخمسمئة شخص.

تحف معمارية

ومن أبرز آثار البحيرة مسجد التوبة ثاني مسجد في افريقيا بعد مسجد عمرو بن العاص ومسجد الحبشي بني في أوائل القرن العشرين وهو تحفة معمارية رائعة، ومسجد المرداني، ومبنى دار الاسعاف بُني في عهد الملك فؤاد وبها مستشفى تعليمي وكوبري إفلاقه المتحرك. بالإضافة إلى كاتدرائية القديسة العذراء مريم والقديس اثناسيوس الرسولي وهي مطرانية البحيرة. ومن أبرز معالم المدينة دار أوبرا دمنهور شيدت في عهد الملك فؤاد الأول في سنة 1930م على غرار أوبرا القاهرة، وأطلق على القسم الغربي من المبنى أولاً سينما وتياترو فاروق، ثم تغير الاسم إلى سينما البلدية في سنة 1952م. وظل الأمر على ذلك حتى سنة 1977م عندما تغير الاسم إلى سينما النصر الشتوي. ثم أطلق عليها مسرح وأوبرا دمنهور.

يعد المبنى تحفة معمارية تتجسد فيها خصائص العمارة المصرية في بداية العقد الرابع من القرن الماضي. ويتبع المسرح من حيث التخطيط طراز الأوبرا الإيطالية. وينفرد المسرح باستخدام عناصر معمارية وزخرفية إسلامية الطراز. وقد نجح المعماري الإيطالي فيروتشي في المزج بين التخطيط الأوروبي وبين العناصر المعمارية الإسلامية التي كانت مستخدمة منذ العصر الفاطمي. ونظراً للقيمة الفنية والمعمارية للمسرح، قام قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بالمجلس الأعلى للآثار بتسجيله كأثر إسلامي للمحافظة على عناصره الفنية والمعمارية. في منتصف الثمانينات تدهورت حالة المسرح خاصة من الناحية الإنشائية، فقد أدى عدم إجراء أعمال الصيانة والترميم إلى ظهور العديد من المشكلات الإنشائية أهمها تدهور وتحلل الخرسانة المسلحة لأسقف المسرح، وانهيار جزء كبير من قبة الصالة الرئيسية. وفي الثمانينات من أغلق المسرح بعد أن أصبح في حالة يرثى لها، إثر ذلك قامت وزارة الثقافة بترميمه وتزويده بأحدث وسائل العرض والإضاءة ليضاهي أحدث مسارح العالم. وقامت سوزان مبارك أرملة الرئيس الراحل حينئذ بافتتاح دار أوبرا دمنهور في 7 أيار/مايو 2009م وشارك في حفل الافتتاح 200 فنان من فرق الأوبرا المختلفة. ومن آثار البحيرة كذلك دير وادي النطرون به مقابر كل البطاركة الأرثوذكس. ويوجد في صحراء النطرون، قصر الملك فاروق بإدفينا الذي تحول لمقر كلية الطب البيطري جامعة دمنهور. كما فيها قرابة 186 تلاً أثرياً، موزعة على شمال وجنوب المحافظة، وفي بعض هذه التلال قطع أثرية مثل تل كوم تقالة الذي يقع جنوب عزبة الصاوي والذي قام جمال مبارك بالتنقيب عن القطع الأثرية بين جنباته عام 2009م ثم قام بعد ذلك بالتعدي على جزء من التل بغرض إنشاء مجمع مبارك الرياضي.

البنا كان هنا

فيما مضى كانت جماعة الإخوان المسلمين تعتبر محافظة البحيرة أيقونتها الأغلى بسبب شعبيتها الواسعة فيها، إذ لا تخلو قرية من عناصر إخوانية، غير أن إعلان العديد من أفرادها الانشقاق عن الجماعة قوض الحلم الإخواني بأن تظل دمنهور حاضنة للفكرة التي من أجلها فاضت أرواح الكثيرين منذ بزوغ فجر الإخوان. وحسب الباحث أحمد الجدي فقد شهدت جماعة الإخوان المسلمين موجات من الانشقاقات داخل فرعها في مدينة دمنهور والمناطق المحيطة بها في محافظة البحيرة، وهو ما لم يحدث في غيرها من المحافظات. الجماعة نفسها عجزت عن تفسير هذا اللغز، وانتهى ببعضهم لأن يطلقوا على دمنهور اسم المدينة الملعونة، نظرا لكونها تتصدر أعداد المحافظات التي تشهد تراجعاً في المد الإخواني. وعرفت محافظة البحيرة ضيق عصا الطاعة عن التنظيم بشكل لافت، الأمر الذي طال عدداً غير قليل من القيادات الكبرى بالإضافة لجيل الوسط. كان من أهم المنشقين عن الجماعة حازم قريطم القيادي الإخواني البارز الذي انشق عام 2012 وعمرو كامل مسؤول قسم الطلاب بمحافظة البحيرة. كما انشق الكاتب كامل رحومة، وطارق البشبيشي ومعتز مصطفى محمد شاهين وطارق أبو السعد وسمير عامر مسؤول قسم فلسطين في التنظيم عن الجماعة عقب فض اعتصام رابعة، فضلاً عن عدد كبير من القيادات والرموز. تلا ذلك موجة جديدة من الانشقاقات مطلع عام 2016 حيث أعلن القيادي الإخواني يحيى الخوالقة، والقيادي البارز المهندس أحمد المسيري ردهما لبيعة الجماعة كما ناهز عدد المقارعين للإخوان خلال تلك المرحلة 360 من أعضاء البحيرة.

بلد الأعلام

تشتهر دمنهور بأنها أنجبت العديد من الأعلام في تخصصات شتى ومن هؤلاء، محمد بن عبد الله الخرشي، أول شيخ للأزهر والشيخ محمد الغزالي والمفكر الراحل عبد الوهاب المسيري والكاتب توفيق الحكيم والعالم أحمد زويل والروائي محمد عبد الحليم عبدالله وعبد الحليم أبو غزالة، وزير الدفاع المصري الأسبق، ومن أبناء المحافظة حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وعبد الحميد كشك الداعية الإسلامي ومحمود شلتوت، شيخ الأزهر الأسبق والفريق رفعت جبريل رئيس جهاز الأمن القومي وثعلب المخابرات العامة والفريق مصطفى شلبي الحناوي قائد القوات الجوية والفريق حسن أبو سعدة قائد الفرقة الثانية مشاة بالجيش الثاني في حرب أكتوبر والذي أسر العقيد عساف ياجوري قائد اللواء 190 مدرع الإسرائيلي والفريق عبد المنعم التراس رئيس الهيئة العربية للتصنيع وقائد قوات الدفاع الجوي وأحد أعضاء المجلس العسكري في ثورة يناير، وأحمد الدمنهوري شيخ الأزهر الأسبق والشاعر محمود سامي البارودي وشوقي إبراهيم علام مفتي الديار المصرية والمطرب محمد عبد المطلب فضلاً عن العديد من الأسماء الأخرى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية