فقراء يشعرون بالحنين لـ”فراخ أبو اسماعيل ولحمة الشاطر”:القاهرة: موائد رحمن بلا بروتين يرتادها صحافيون بلا عمل وفنانون هواة

حسام أبو طالب
حجم الخط
0

القاهرة-“القدس العربي”: تراجعت ظاهرة موائد الرحمن التي كانت سمة غالبة تفردت بها القاهرة على مدار عقود طويلة خلال شهر رمضان من كل عام إذ أسفر الغلاء وتدهور الأوضاع الاقتصادية للكثيرين ومن بينهم أثرياء طالتهم الهزات الاقتصادية المتتالية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة وبالتحديد مع تعويم العملة الوطنية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر عام 21016. كما أسفر غياب الإسلاميين عن المشهد والقبض على رموز الجماعة والعديد من كوادرهم عن إلغاء كل أشكال الدعم الاجتماعي المقدم للفقراء ومن بينها موائد الرحمن. وفي السياق ذاته تراجع معظم الفنانين الذين كانوا يشاركون في النشاط الخيري عن الاستمرار فيه ومن بينهم فنانات معتزلات وممثلون كانوا يحققون في السابق أرباحاً طمن عملهم فيما أصابهم الكساد لاحقا.

“مفيش لحمة”

 

بصوت هامس وخجول لا يغادر وجهه يهمس عبد الرحمن الشاب المساهم في إعداد إحدى الموائد في الجيزة للضيوف الجالسين في انتظار رفع آذان المغرب “آسفين مفيش لحمه سامحونا” بقاء الحال من المحال، يقولها مساعد مخرج تلفزيوني تكاتفت ضده الفاقة مع نكران الجميل فأصبح جالساً على رصيف البطالة منذ اندلاع ثورة يناير فيما يطلق عبد الحكيم الذي لا يملك من الدنيا سوى معاش قدره 900 جنيه يتركه لأسرته ويتناول هو إفطاره متنقلاً بين الموائد تنهيدة طويلة وهو يتأمل طبق خضار خالي من اللحوم على المائدة، فيما يتذكر رجل سبعيني لم يتزوج وفاء لزوجته التي رحلت عن الحياة منذ ثلاثة عقود كيف تنقل بين العديد من موائد الرحمن فكان أقربها لنفسه تلك التي يشارك فيها الشيخ حازم أبو اسماعيل وعدد من رموز الإسلاميين المتواجد أغلبهم الآن في غياهب السجون، يقول الطعام كان يعد بعناية ويتعاملون مع المترددين على الموائد كأنهم أقارب لهم. ولا ينكر مسن آخر يعمل في محطة وقود مقابل أجر متواضع ان مائدة الفنانة شيريهان التي كانت تقيمها على مدار سنوات مرضها كان يقوم بالإشراف عليها طهاة يتم استقدامهم من أحد الفنادق، لذا فإنها كانت تشهد رواجاً ضخماً من قبل الفقراء سواء العاطلين عن العمل أو الذين يلتحقون بمهن موسمية. التطور الطبيعي لموائد الرحمن كما يحكي لنا عم لطفي النجار، حينما كانت عامرة باللحوم والدواجن بالإضافة لكوب عصير قمر الدين “قبل ان تختزل الآن في طبق وحيد فيه أرز وخضار وتمرات ثلاث. يلفت انتباه الموجودين لفترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي حينما كانت تعتري الحيرة الكثير من الغرباء حول المائدة التي سيتناولون طعامهم عليها من كثرتها، يأخذ طرف الحديث موظف على المعاش اكتفى بأن يعرفنا بنفسه انه من ضحايا ثورة يناير “اعترف بأنه لا يحب الثورة ولا من قاموا بها” يقول أفضل موائد رحمن كان بيعملها رجال أعمال الحزب الوطني والإخوان المسلمين.

صحافيون ومفلسون

 

الفئة الأبرز من رواد موائد الرحمن في وسط البلد، هم العمال في المنطقة، وفي مقدمتهم عمال المقاهي مرورا بأفراد الأمن الخاص والموظفين الذين تضطرهم الظروف إلى استئناف أعمالهم بعد تناول الإفطار، غير ان العام الحالي شهد انضمام فئات جديده لرواد تلك الموائد هم بعض الإعلاميين والصحافيين الذين فقدوا مصادر عملهم على إثر الأوضاع السيئة التي تواجه مهنة الصحافة وكذلك الأمر بالنسبة لمعدي البرامج الذين أغلقت معظم الفضائيات التي يعملون فيها بسبب ركود غير مسبوق أصاب سوق الإعلانات على مدار الفترات الماضية. وعلى الرغم من أن نقابة الصحافيين تقدم وجبات إفطار بقيمة عشرين جنيها غير أن كثيرا من الصحافيين لا يتمتعون بعضوية النقابة كما أن النقابيين منهم يشتكون من سوء حال تلك الوجبة لحد مقاطعة الكثيرين منهم لها. وتشتهر بعض موائد الرحمن في وسط البلد بتقديم الوجبات الجاهزة وبعض المشرفين عليها كانوا يحرصون في السابق على توصيل الوجبات للأسر التي يمنعها الحياء من أن تتسلل لتلك الموائد لتناول وجبة الإفطار في العلن ومن بين زبائن تلك الموائد كومبارسات الوسط الفني وبعض الوجوه الجديدة الذين تعرضوا للخسائر بسبب ندرة العمل خلال الموسم الراهن بعد تقلص عدد المسلسلات والبرامج الرمضانية لمستوى غير مسبوق.

مائدة الملك

جدير بالذكر أن موائد الرحمن حتى مطلع خمسينيات العام الماضي كانت تقام بأوامر من الملك فاروق، الذي كان يقيم مأدبة ضخمة في ساحة قصر عابدين يفتتحها بنفسه يوميا بمشاركة أشهر قراء القرآن الكريم، ويستضيف فيها كبار المسؤولين في القصر والوزراء ورموز المجتمع من الباشاوات وأيضا الفقراء وأبناء السبيل. وفي عام 1967 أعاد بنك ناصر موائد الرحمن وذلك من خلال إقامتها من أموال الزكاة بعد غيابها لسنوات. فيما يفضل الشيخ رجب السويركي صاحب محلات التوحيد والنور تقديم صدقات للأسر الفقيرة وإقامة موائد رحمن في صورة حقائب رمضانية للعائلات الفقيرة بشكل منتظم، ومنذ سنوات بعيدة يحرص العديد من تجار مناطق عابدين والعتبة وبولاق ابو العلا على إقامة الموائد في الشوارع أملاً في حصد الثواب والأجر العظيم في الحياة الآخرة.

ومن أشهر الموائد التي ما زالت تمارس نشاطها منذ ربع قرن، المائدة التي تولتها عائلة علي زينهم، التي يعمل أفرادها في تجارة التحف والأنتيكات في شارع هدى شعراوي، مثل مائدة الحاج حسن زينهم، ومائدة الحاج علي زينهم اللتين تقامان جوار سور بطريركية الأرمن الكاثوليك بشارع صبري أبو علم. وفي ميدان باب اللوق القريب من ميدان التحرير هناك أيضا مائدتان يقيمها شقيقان من التجار.

موسوعة غينيس

 

بسبب الخبرة التي اكتسبها الكثير من زبائن تلك الموائد فقد باتوا على علم بالأفضل منها والأقل فائدة حيث يقدم الأصدقاء لبعضهم النصائح حال اكتشاف موائد عامرة بالخيرات والأمر يجري بدون سابق ترتيب في شارع هدى شعراوي. ويعد الراحل حسن زينهم تاجر التحف، صاحب أحد أبرز الموائد وسط القاهرة وتقام منذ ما يزيد على عقدين، ولا تخلو مائدة عائلته من اللحوم في المقام الأول بالإضافة للخضار والأرز والحلوى.

أحدث جهة قررت إقامة مائدة هي شركة العاصمة الإدارية التي تجهز لأطول مائدة إفطار رمضاني في العالم بحضور ممثل عن موسوعة غينيس للأرقام القياسية حيث يهدف مسؤولو العاصمة لتحطيم الرقم القياسي العالمي، ومن المقرر أن تعقد خلال النصف الثاني من شهر رمضان المبارك. وأكد العميد خالد الحسيني، المتحدث باسم الشركة إن الدعوة تأتي تحت شعار “مصر بتفطر في العاصمة” بمناسبة شهر رمضان الكريم وحرصا من القائمين على مشروع العاصمة الإدارية الجديدة أن يلتف الجميع حول مائدة إفطار رمضانية واحدة تجمع كل المصريين بكافة أطيافهم جنبا إلى جنب مع إخوانهم بناة العاصمة الإدارية مع إلقاء الضوء على المشروع. وتساءل ناشطون هل سيسمح للفقراء بالمشاركة في حضور المأدبة أم أن الأمر سيكون قاصراً على الأثرياء وملاك الوحدات السكنية؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية