في حديثه لـ”القدس العربي” عن أسباب وخلفيات الأزمة الخليجية وملابسات الحصار المفروض على قطر منذ سنتين، يؤكد الخبير السياسي القطري ماجد الأنصاري أن الأزمة الخليجية نتاج طبيعي لهيمنة السعودية على القرار الخليجي، لذلك فإن الحصار بدأ بنية مبيتة لإنهاء استقلالية القرار القطري.
لنبدأ ما قبل البداية، ماهي خلفيات الأزمة الخليجية، أكيد هناك خلفيات لما يجري حالياً ولم تأت الأحداث هكذا مرة واحدة؟
الأزمة الخليجية هي نتاج طبيعي لصراع الهيمنة السياسية في المنطقة والذي ينطلق تحديداً من العلاقة بين السعودية كدولة إقليمية كبيرة وبقية دول الخليج التي تتمتع بموارد مالية كبيرة ولكن بحجم جيوستراتيجي محدود، وهناك نوع من الحتمية لوجود خلاف بين هذه الدولة الاقليمية وهذه الدول الصغيرة بسبب طبيعة النظام الشمولي للمملكة العربية السعودية والذي يفترض ضرورة ان تكون الهيمنة الاقليمية مبنية على التبعية لقرار السياسة الخارجية السعودي، وتعزز ذلك بشكل كبير جداً مع وجود مشاريع اقليمية لبعض الدول الخليجية مثل الكويت في ثمانينيات القرن الماضي، الإمارات في العقد الاول من هذا القرن، وقطر حاليا. وبالتالي، زاد التنافس على إطار هذا التأثير الإقليمي الذي يمكن أن يكون لهذه الدول بعيداً عن الفلك السعودي، وتحديداً منذ عام 2011 واصطفاف السعودية والامارات في خندق واحد في موضوع التعامل مع الثورات والهبات الشعبية العربية، كان واضحا أن الخلاف سيكون مستمراً بين هذه الأطراف وقطر.
ولكن، ماهي ظروف وملابسات الحصار في نظرك ؟
ظروف الحصار في تقديري مرتبطة أساسا بنية مبيتة لدى السعودية والإمارات لإنهاء استقلالية القرار القطري، رأينا هذا في عام 1996 وفي 2013، ثم عدنا لنراه مرة أخرة في 2017، الفارق الاساسي كما هو واضح طبعا أنه يوجد في البيت الابيض من يمكن التلاعب به حتى يقبل بهذه الفكرة، ووجود ترامب في البيت الأبيض كان بلا شك فرصة سانحة لهذه الدول لذلك تم استعجال تنفيذ هذه الخطة، وكما هو واضح لم يكن هناك موقف دقيق تجاه ما ينبغي عمله، ولكن هو كان محاولة استغلال هذه الفرصة لتطبيق الأجندة تجاه قطر .
من أهداف الحصار تأمين العمق الاستراتيجي للسعودية من خلال إخضاع الدول المحيطة بها وخاصة تلك التي تنضوي تحت لواء مجلس التعاون الخليجي
ماهي الأهداف الاستراتيجية من وراء هذه الخطة في محاصرة قطر والضغط عليها بهذه الصورة؟
هناك أربعة أهداف رئيسية لهذا الحصار: الهدف الأول هو تأمين العمق الاستراتيجي للسعودية من خلال إخضاع الدول المحيطة بها وخاصة تلك التي تنضوي تحت لواء مجلس التعاون الخليجي، هذه الدول من وجهة نظر المملكة لا بد أن تخضع للقرار السعودي حتى يكون هناك أمان استرتيجي في التعامل مع الآخرين وفي التنافس مع بقية المهيمنين الإقليميين وهم تحديداً تركيا وإيران.
الهدف الثاني هو التعامل مع مد الإصلاح في العالم العربي وتحديداً التغييرات التي نتجت عن الربيع العربي، ومقاومة هذا المد هي بحاجة لمقاومة داعميه أولا، وكانت قطر على الداعمين داخل العالم العربي، ولذلك نجد أن استهداف قطر وتركيا يأتي بشكل متزامن.
الهدف الثالث هو التحدي الإقتصادي الذي يكمن أساسا في أن الإمارات والسعودية اللتين تنفقان بشكل كبير جداً على مؤمراتهما في المنطقة تواجهان أزمات اقتصادية ستحتاج منهما إعادة ترسيم العلاقة أو العقد الإجتماعي، من خلال جبي الضرائب وتقليل الإنفاق على الخدمات الحكومية، في مقابل هذا طبعا قطر والكويت على حد ما ما زالتا تتمتعان بدرجة ازدهار عالية جدا وإمكانية الاستمرار في هذا النموذج، خاصة مع تقليل الإنفاق على المشاريع الإقليمية المختلفة.
الهدف الرابع أن دول الحصار قررت أنه في حالة ما إذا لم تتمكن من الوصول إلى المستوى الإقتصادي الذي وصلت إليه قطر،فعلى الأقل بإمكانها إعادة قطر إلى المستوى الإقتصادي أو الأزمة الإقتصادية التي تعيشها هذه الدول، وبالتالي يكون هناك حالة من التوازن في المنطقة، تسمح لهم باتخاذ إجراءات تؤثر سلبا على مواطنيهم باعتبار أنها إجراءات عامة يجب الكل أن يتخذها.
هذا من جانب دول الحصار، بالنسبة لقطر، كيف تعاملت قطر مع هذه التغيرات محليا ودوليا وإقليميا؟
أعتقد أنه في عام 2013 كان هناك تغيّر محدود في السياسة الخارجية القطرية مبني على محاولة التفاهم مع الجيران حول الملفات الإقليمية من خلال تقليل التدخل القطري، وأعتقد أن التوجه القطري في هذه الفترة كان باختصار هو محاولة تقليل الخلافات مع الأشقاء في المنطقة والتركيز على الملفات المحلية، الإعداد لكأس العالم، البنية التحتية، عموما بناء القدرات المحلية من نواح عدة. ولكن في الجهة الأخرى طبعا كانت واضحة الرغبة في وجود أزمة مستمرة. فمنذ عام 2017 حتى اليوم كان التركيز اساسا على إعادة موضعة قطر اقليميا ودوليا وتحصين أمنها الوطني وتعزيز استقلاليتها من خلال تعزيز شبكاتها الدولية وتعزيز العلاقات بينها وبين القوى الاقليمية والدولية الأخرى، وتحقيق التوازن في علاقات قطر الخارجية، وهذا كان واضحا في الجولات المختلفة لسمو الأمير في آسيا وأفريقيا وأوروبا والامريكيتين، ولكن أيضا من خلال المواقف التي اتخذت حيال هذه الأزمة التي جعلت من الأسهل بالنسبة لقطر تعزيز موقفها في السياسة الدولية وفي السياسة الأقليمية بشكل عام.
كيف كانت تأثيرات الأزمة الخليجية على المنطقة الخليجية والشرق أوسطية عموما، وعلى مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص؟
أعتقد أن الأزمة الخليجية أعادت إطلاق سراح الأجنحة التي انطلقت في بداية الربيع العربي، ورأينا كيف أن قطر عادت إلى الساحة وبقوة. وأصبح صانع القرار في قطر يدرك أنه لا يسعه أن يكون بعيدا عن الأحداث الاقليمية، أو أن يترك المجال فارغا للإطراف الأخرى، اليوم تغير شكل الاصطفاف، لم يعد هناك جناح واحد فقط يمارس تأثيرا إقليميا منفردا، هناك دول كثيرة وجدت نفسها في قلق بسبب هذه الأزمة الخليجية وتداعياتها وتداعيات السلوك السعودي في السياسة الخارجية ، ما يعني أننا إبان تشكل جديد لمحاور المنطقة. نجد أيضا أن موجة الربيع العربي الجديدة لها تأثير على الأزمة الخليجية كما للأزمة الخليجية تأثير عليها، من خلال دعم المحور السعودي الإماراتي لأطراف معينة، ودعم قطر وحلفائها لأطراف أخرى. وبالتالي إذا استمرت الأزمة بهذا الشكل فإن وضع الاصطفاف في المنطقة سيزداد تعقيداً. خاصة وأنه لا يلوح في الأفق حل للأزمة من الممكن أن يشي بأن يكون هناك توافق عربي جديد حول منظومة أمن جماعي.
بالحديث عن دول الحصار كخلفية خليجية تاريخية، قد نفهم موقف السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى، لكن ماذا عن الموقف المصري؟ ما هو الدور الحقيقي لمصر ولماذا أقحمت مصر نفسها في هذه الأزمة؟
أولا هناك موقف واضح من النظام المصري حيال قطر، سببه هو رفض قطر للأسلوب الذي تعاملت معه سلطات الانقلاب مع معارضيها، وبالتالي هناك تقدير لموقف سلبي من قطر. الأمر الثاني أن النظام المصري أراد أن يستفيد من مقدرات المحور الإماراتي – السعودي الذي قدم دعما معتبرا طوال فترة حكم عبد الفتاح السيسي. لذلك نجد أنه حتى في إطار هذه الأزمة الدور المصري يبقى دوراً إعلامياً لا يتعدى ذلك، والمقاطعة المصرية مقاطعة محدودة إذا ما قورنت بمقاطعة بقية دول الحصار. أعتقد أن هناك تلاق في المصالح بين مصر ودول الحصار في تثبيت الأنظمة العسكرية والقمعية في المنطقة، بالإضافة إلى أن العداء مع قطر يخدم مصالح النظام المصري من ناحية غياب المحور الذي يدعم قوى المعارضة المصرية أو يوفر لها على الاقل منبرا سياسيا تمثل من خلاله.
في الفترة الماضية لاحظنا أن دول الحصار تعاني ضغطا دوليا رهيبا، وتعاني من مشاكل سياسية واقتصادية كما أنها متورطة في نزاعات وحروب وقضايا حقوق أنسان وملفات اغتيال..لماذا غرقت هذه الدول مرة واحدة هكذا؟
في تقديري هناك إكراهات داخلية بالنسبة لهذه الدول وتحديداً السعودية، كان لها أثر كبير جداً على هذا المشروع الخارجي، أعتقد أن محمد بن سلمان لديه رغبة في تثبيت نظام حكمه، والقضاء على منافسيه من خلال هذه المغامرات الخارجية، بالإضافة إلى أن اي دعم أو اعتراف دولي بسلطته ودوره في المنطقة مرهون بقدرته على تحقيق تغيير في الميدان، وهذا ما يحاول القيام به منذ اليوم الأول. ثم طبعا هناك عقدة عظمة في الإمارات وفي السعودية كذلك تؤثر بطريقة التعامل مع القضايا الإقليمية. هذه الدول أو الأنظمة الحاكمة تعتقد أنه يمكنها بقليل من المال وكثير من القوة الصلبة أن تغير مجريات الأمور في كل الدول العربية. طبعا ما نراه الآن واضحا وجليا، بأن هذه الافتراضات هي افتراضات خاطئة، وأن هذه الدول لم تنجح إلا في تحقيق الفوضى، وفشلت في تحقيق أجنداتها في الخارج، حيث لم تنجح لا في اليمن ولا في سوريا ولافي السودان ..الحرب في اليمن مستمرة وفي سوريا الوضع يؤول لصالح من كانت هذه الدول تعاديهم في السابق، في ليبيا هناك تراجع لحفتر مرة أخرى بعد التصعيد الأخير..باختصار هذه الدول نجحت في فرض حالة من الفوضى في المنطقة، إلا أنها لم تنجح ولن تنجح في فرض واقعها الجديد الذي أرادت أن تفرضه مع بداية هذه الازمة.
الإجراءات التي يتم اتخاذها الآن من قبل دول الحصار تشكل شرخا اجتماعيا سيظل لسنوات طويلة
هل هناك بوادر لتسوية الأزمة، وإذا ما تمت تسويتها سياسيا، هل الآثار النفسية والاجتماعية وحتى الأخلاقية ستؤثر على أي مشروع تسوية خاصة من حيث التعايش بين المجتمعات الخليجية في المستقبل؟
هناك أمران نحتاج إلى التوقف عندهما في هذه المسألة: الأمر الأول هو أن نسبة التداخل بين الشعوب الخليجية كبير جدا، في دراسة أجريناها وجدنا أن 75 في المئة من القطريين لديهم على الاقل قريب واحد من الدرجة الأولى في إحدى دول الحصار. وبالتالي هذا التداخل الإجتماعي من الصعب تفكيكه، وإن يتأثر بالأزمات السياسية وخاصة في هذه الأزمة التي تم استدعاء الشعب فيها مع الرسمي بشكل فج جدا.
الأمر الثاني هو أن الإجراءات التي يتم اتخاذها الآن من قبل دول الحصار سواء على مستوى منع القطريين من دخول دول الحصار أو مواطني دول الحصار من دخول قطر، يشكل شرخا اجتماعيا سيظل لسنوات طويلة، لأنه بلا شك سيؤثر حتى على نسبة التزاوج بين أفراد العائلة الواحدة العابرة للحدود، سيؤثر على نسبة اللقاء والتشاور الطبيعي الذي يحصل في إطار العائلة. ولكنني أعتقد أن التاريخ يعلمنا أن الأزمات السياسية مهما استمرت ستنتهي، ومتى انتهت فإن الشعوب تتبع نهايات الأزمات السياسية بنوع من فقدان الذاكرة المؤقت، الذي يمكن من أن يحدث إعادة تلاحم بين شعوب المنطقة. ولكن مع الاسف يبدو أن الأنظمة الحالية تريد أن تبالغ في إطالة هذه الأزمة حتى يصبح التلاحم غير ممكن، وحتى يستمر إلى مدى تكون العودة فيه إلى المربع الأول مستحيلة أو غير ممكنة من الناحية السياسية والاجتماعية على السواء.
هذا ربما بالنسبة لمواطني دول الخليج بحكم الترابط الاجتماعي في المنطقة، ولكن الأمر أصبح يؤثر أيضا على المقيمين في دول الخليج في صورة إذا لم تكن معي فأنت ضدي؟
طبعا كل من يقيم في منطقة الخليج هو متأثر بحدة الاستقطاب الحاصلة، سواء كانوا مواطنين أو مقيمين، وأنا أعتقد أن المواطن والمقيم في قطر تحديدا تمكنوا من تحقيق درجة عالية جدا من التلاحم في هذه الأزمة، وتم تذويب الكثير من الحدود الطبيعية التي كانت تؤثر على علاقة القطري بالمقيم. ولكن بالنسبة لبقية الدول نجد مزيدا من الضغط على المقيمين في الإمارات والسعودية سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية مما يصعب وضع هؤلاء في تلك الدول.
وأظن أن هناك من سيعقد مقارنة واضحة جداً في أوساط مجموعات المقيمين المختلفة في منطقة الخليج بين سلوك قطر في تعاملها مثلا مع المواطنين المصريين الذين لم يتم طردهم من قطر، ولم يتم تعقيد ظروف حياتهم، أو اتخاذ إجراءات أمنية ضدهم..مقارنة طبعا بسجن كل من له موقف سياسي، قد يكون غير مرتبط بالإمارات أو السعودية، فقط لأنه يخالف وجهة النظر الرسمية أيا كان انتماءه السياسي أو القطر الذي ينتمي إليه. رأينا الكثير من المقيمين تم الزج بهم في هذه الأزمة بسبب وجودهم الطبيعي في هذا البلد أو ذاك، من خلال تعقيد إجراءاتهم للتواصل مع أهاليهم الموجودين في الدول الأخرى أو تعطيل مصالحهم الاقتصادية.