الإخوان متفائلون ورئيسهم أفادهم حياً وميتاً

حسام أبو طالب
حجم الخط
1

القاهرة-“القدس العربي”:السؤال الذي بات يلاحق كثير من المهتمين في أمر جماعة الإخوان، هل تتكرر نتائج المحنة التي عاشها وانتهى إليها مآل مفكر الإخوان سيد قطب مع الرئيس الراحل محمد مرسي ليصبح ملهما للجماعة بعد أن أصبح الخطر يحيط بها من كل جانب على النحو الذي لم يسبق ان مرت به منذ مولدها؟ الآن وبعد ان انتهى الأمر بالرئيس مرسي لهذا المآل حيث النهاية التي يصفها أنصاره بالأسطورية، يراهن كثيرون على أن القدر الذي ظل على مدار الفترة الماضية يمهد الأرض للسيسي ومن حوله، قذف أخيراً للجماعة بقوارب النجاة من السيناريو الذي كان يعد لها سلفاً بغرض الفناء. حيث باتت تجد لها آذاناً صاغية على المحيطين الداخلي والخارجي، فها هي روح الرجل الذي ووري الثرى قبل أيام تكون بمثابة القنطرة التي يلتقي عليها الفرقاء منذ إقصاء الإخوان عن سدة المشهد. لم تتأثر الجماعة طيلة تاريخها بالصدمات المروعة التي تلقتها تباعا وأن كانت الحرب التي تعرضت لها على مدار السنوات الست الماضية هي الأشرس، لكن الدلائل تشير إلى أن الجماعة التي احترفت الاستفادة من نكساتها باتت على أعتاب مرحلة جديدة. فالتاريخ علم البشرية ان الأفكار لا تموت، والمتأمل للوضع الراهن يرى تغيراً كبيراً طرأ. فقبل أسبوع من الآن لم يكن يتوقع أي إخواني أو سياسي من معارضي النظام أن تسلط الأضواء على الأوضاع القاسية داخل السجون التي يعيشها العديد من معارضي السلطة على اختلاف مشاربهم، كما لم يكن يتوقع أحد أن تهدد مؤسسات أممية السلطة الحاكم في القاهرة على النحو الذي رأينا، غير ان ما ظل يرجونه بدأت إرهاصاته تقع على أرض الواقع، حيث تواترت ردود الفعل الإقليمية والدولية الواسعة على ما يجري.

أول الغيث

 

أول الهدايا التي تلقتها الجماعة كانت عبر دعوة مفوضية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة إلى إجراء “تحقيق مستقل” في ظروف وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي أثناء احتجازه. واشترطت المفوضية إن يتناول التحقيق كل جوانب علاجه خلال فترة احتجازه على مدار السنوات الماضية. وقال روبرت كولفيل، المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان: “أي وفاة مفاجئة في السجن يجب أن يتبعها تحقيق سريع ونزيه وشامل وشفاف تجريه هيئة مستقلة لتوضيح سبب الوفاة”. وقال كولفيل في حديثه عن مرسي: “يبدو أنه احتجز في الحبس الانفرادي لفترات طويلة. يجب أن يشمل التحقيق أيضا جميع جوانب معاملة مرسي، للنظر فيما إذا كان لظروف احتجازه تأثير على وفاته”. وأضاف: “يجب أن يتم التحقيق من قبل محكمة مختصة ومستقلة عن السلطة التي احتجزته، على أن تفوض بإجراء تحقيقات فورية ونزيهة وفعالة في ظروف وفاته”. اللافت ان رحيل مرسي بات مؤثراً في حياة الجماعة ومنجزاتها أكثر من غيابه، وطبقاً لآفة النسيان فقد خفت تعاطف الشارع والمجتمع الدولي تجاه قضايا المغيبين طيلة الفترة الماضية قبل ان تعيد وفاة مرسي الأمور لنصابها الذي ترجوه الجماعة، حيث بدا النظام المصري في وضع المحاصر والملاحق والمطالب بإظهار أدلة برائته خاصة بعد ان تعرض لإتهامات قوية من قبل شخصيات كبيرة على المستوى العالمي تحديداً. ومن المدهش أن صمت الرئيس الأمريكي والبيت الأبيض على التعليق بشأن وفاة الرئيس السابق جاء بنتيجة عكسية، إذ أسفر عن طرح العديد من الأسئلة حول الثمن الذي دفعته “القاهرة” مقابل أن يخرس ترامب ورجاله، أما الصخب الذي تسبب فيه الرئيس التركي الذي طالب بتحقيق دولي وشفاف على وفاة مرسي فأسفر عن هلع أصاب السلطة التي ردت عبر وزير خارجيتها منددة باردوغان. وقال شكري إن تصريحات الرئيس التركي المشككة في طريقة وفاة الرئيس المصري الأسبق، محمد مرسي، تعكس رغبته في “التغطية على تجاوزاته الداخلية” وصعد المسؤول المصري من هجومه متهماً الرئيس التركي بتبني فكر الإخوان الذي “اعتنقته القاعدة وداعش وغيرهما من التنظيمات الإرهابية” وشدد على ان “هذا السلوك من جانب اردوغان ينم عن حقد دفين تجاه ما يحققه الشعب المصري وقيادته من مكتسبات ونجاحات متنامية على كافة الأصعدة”. يذكر ان اردوغان قال إن الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي قتل ولم يمت بشكل طبيعي، مؤكدا أنه سيقوم بكل ما يلزم للتأكد من مقاضاة السلطات المصرية في وفاة مرسي، أمام المحاكم الدولية.

بين البندقية والأيديولوجيا

 

لم تكن مواجهة النظام عبر ترسانته العتيدة للجماعة بأجهزته المتعددة والمتجذرة في كافة مرافق الحياة بهذه السهولة التي تصورها الألوية الإعلامية، فالإخوان الذين عرفوا العمل السري مبكراً اكتسبوا من التجارب ما يكفيهم للبقاء ويعينهم على الصمود، وكما لم تكن عقود مضت في زمن عبد الناصر وغيره كافية لأن تجتث شأفتهم ما زال الحلم الكبير للسلطة الراهنة ان تستيقظ ذات صباح فتجدهم وقد ابتلعهم البحر. وتظل تلك الأماني مجرد أضغاث أحلام على الرغم من الملاحقات شبه اليومية لعناصرهم. على الصعيد الأمني لجأ الرجل القادم من أعلى جهاز مخابراتي لسلاح الأفكار والأيديولوجيا من قبيل أن الفكرة لا تقارعها إلا الفكرة. أما في الشارع فلكل حديث مقال، ومن قبيل مواجهة أفكار الإخوان التي تتسق في كثير منها مع أفكار السلفيين التي تستقر في بيوت الملايين سواء عبر كتيبات تحمل أفكار الجماعة أو من خلال المساجد التي يترددون عليها كل يوم خمس لجأت الدولة العميقة لفرق من رجال الدين الذين يناصبون العداء للإخوان ومن والاهم وأبرز فئتين اعتمد النظام عليهما السلفية المدخلية والمتصوفة. فضلاً عن رموز المؤسسة الدينية الذين ما زالوا يهاجمون الجماعة وأفكارها في مختلف المناسبات، على الرغم من الدعم السخي الذي تم توفيره عبر الدولة لهذه الفرق وأفرادها، إلا أن الحصاد الذي كانت تطمح له المؤسسة ظل شحيحاً والسبب الرئيسي في ذلك يتمثل في اعتماد السلطة على أسماء محروقة إعلامياً لا تتمتع بأي قدر من الثقة بين الجماهير إلا نادراً. لم تدرك السلطة بعد بأن منسوب الوعي الجمعي عند الأغلبية قد اختلف لذا فقد ظلت الجماهير متوجسة من أي بضاعة تقدم لها.

الزعيم الملهم

هل سيتحول للنسخة الإسلامية من جيفارا؟ كل الاحتمالات ممكنة بعد ان فاجأ مرسي الجميع وتسلل مغادراً الحياة لمن كبلوه طيلة الأعوام الست الماضية. فكرة الزعيم فكرة براقة في حياة المسلمين أكثر من غيرهم فقد لقنهم نبي الإسلام أهمية عدم الخروج عليه ولأن لكل جماعة زعيمها أصبح لـ”المرشد” في حياة جماعة الإخوان له من الهالة والتعظيم في قلوب اناس الجماعة ما يكفيه لأن تظل أفكاره خالدة من بعده، كل ذلك عزز من فكرة بقاء التنظيم مستمراً على مدار العقود الماضية. وقد لعبت الزعامات التاريخية للجماعة مصدر وقود للجماعة عند تعليم كوادرها على مبدأ الصبر على الأذى، وبوفاة رئيسهم المنتخب امتلكت الجماعة النسخة الأهم في مسيرة نضالها والتي سيتم الرهان عليها لمنح أبنائها الزخم المطلوب في مسيرة النضال خلال المستقبل. مما يعتقده البعض انه برحيل محمد مرسي فقد انضم لقوائم الآباء التاريخيين الذين سيكون لهم أعظم التأثير في خروج الجماعة من الشرنقة التي باتوا فيها بسبب الملاحقات والحروب التي يتعرضون لها.

إحدى أبرز محطات الوقود في فكر ومناقشات جماعة الإخوان هي فكرة الايمان بالقدر خيره وشره، وفكرة الإبتلاء تعزز من المنسوب الإيماني لمعظمهم، فالثابت والمستقر في قلوب الثقافة الإسلامية ان الله يرفع دعوة المظلوم فوق الغمام. واللافت الذي لم ينتبه له كثير من المراقبين انه رغم الفاجعة التي ألمت بكوادر الجماعة برحيل رئيسهم الذي غدا شهيداً من وجهة نظرهم وكثير من الدعاة يؤيدونهم في هذا، فإن روح التفاؤل التي باتت تخيم عليهم الآن بأن النصر بات قاب قوسين أو أدنى من أي وقت مضى. ما لا يفهمه الكثير من السياسيين والخبراء أن الإخوان كغيرهم من عامة السلفيين يدينون بقول التابعي أبو الحسن البصري “المؤمن دولته في السماء” هم يرون أنهم دفعوا المقابل بينما النخبة تخلت عنهم، فيما تكاد تجمع الآراء انه كلما خسر السيسي نقطة في شعبيته ربحتها الجماعة.

أما الهدية التي تلقتها الجماعة من السلطة الراهنة فتتمثل في أن المحنة التي تعيشها خلقت قيادات جديدة تنضج بسرعة بعد أن اكتسبت خبرتها على وقع الألم والملاحقات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية