“باب الفرج” جديد الروائي العراقي زهير الجزائري: البنية التاريخية للعراق بين احتلالين

هاشم شفيق
حجم الخط
1

يسترد الروائي العراقي زهير الجزائري في روايته “باب الفرَج” الماضي القديم لمدينة النجف، منذ بدء تشكلها كمدينة علمية وحاضرة دينية، وواحة أدبية يزدهر في جنباتها الشعراء والمؤلفون والكتاب، ورواد الخطابة والبلاغة والرواة الشعبيون، ومنشدو الملاحم وحافظو المطوّلات، والمدوّنات التاريخية، والشروح الفقهية، وعلماء الحوزات والتكيّات، والمنابر الشفاهية، تلك التي تستهوي طلاب العلوم الإسلامية، والدراسات الموغلة في استرداد الماضي، ذلك الماضي البعيد، المشوب بالمرويّات والحوادث، والخطوب المأسوية .

عبر كل هذا، يمضي الروائي زهير الجزائري ابن مدينة النجف، في كشف خبايا مدينته منذ بدء تشكلها الأوّلي، مستعيداً الطفولة الأولى، والترسيمات البدئية لهندستها الدينية، القائمة على مقام تاريخي، تعرّض للغزو المستمر من خلال البداة والمحاذين للمدينة العلمية، والمجاورين لها عبر التاريخ، هذا ناهيك عن الغزوات، والاحتلالات العالمية، العثمانية والإنكليزية، تنضاف إليها الاحتلالات الحديثة والمعاصرة، الأمريكية والإيرانية، هذه التي لم تستطع الرواية أن تلمّ بها، كونها حدثتْ بعد مئة عام على مرور الغزوات والأحداث الأولى .

تقوم مدينة النجف، وبعكس المدن العراقية الواقعة على ضفاف نهري دجلة والفرات، فوق أرض صحراوية، بعيدة عن مكامن الظلال والماء والأفياء، مثل الكوفة، وكربلاء، وسامراء وغيرها، وفضلاً عن ذلك قامت فوق تربتها أكبر مقبرة في العالم، كل ذلك سيمر عليه الراوي، الراوي الرقيب، والمُشاهد العليم، والطفل الحالم بالتحليق في أجوائها، لاستطلاع جمالها الغامض، جمال القباب الذهبية المتلألئة، والصحن الفيروزي الذي يخشع فيه الرواد، طلباً للمراد، والشفاء، والأمنيات، والتأملات الغنوصية الشبيهة بالكارما وتهدُّجاتها الهرمسية.

يوظف الجزائري في عمله الجديد، الرؤيا الحالمة، من خلال طفل حالم بالطيران، وهي تقنية جمالية، ساعدت في رفع العمل الأدبي قليلاً عن أرض الواقع المتجهّم، كما هو حال النجف في بدايات القرن الفائت، حيث كانت تخضع مثل العراق، ومثل أي بلد عربي آخر، لتاريخ العثمنة الدامس والطويل، ومن ثم الهيمنة الكولونيالية في عهد الوصاية البريطانية. إنه تجهم انعكس على شخصيات الرواية أيضاً، وهم كثار، يصل عددهم إلى العشرين شخصية، شخصيات حائرة، ومتذبذبة، ومتزعزعة، أو منخرطة في التيارات الدينية، والسياسية السائدة حين ذاك، وحتى وعي راويها “علي” الطفل الطائر فوق مدينة النجف وهو يستطلع بمجسّاته الرؤيوية الشخصيات المتحركة، فوق أرض واقعها، يراقب الصغيرة والكبيرة، راسماً لنا عالماً من الأحلام الدفيئة، والآسرة، وهو يُشيِّد هذا العالم الطوباوي، المليء بسحر الفانتازيا، وهي تتكشّف على يد أو جناح الطفل الطائر، في أرجاء المدينة، العائمة بين الدعاء والابتهال والمرض، بين الدجل، والدم والأسى الذي يلف القبور بالسواد، وهي تستقبل الأموات المنتهكين بسهام الأوبئة المُعدِية، كالطاعون، والسل، والجدري، وغيرها من الأمراض التي يحملها الوافدون إليها من بلدات أخرى، أو الذين يسقطون في الحروب الاستعمارية، كسفر برلك، أو الحروب التي تتصدّى للمحتلين الإنكليز، كما حدث لبعض الشخصيات التي حاربتهم، وتطوّعت للقتال ضدّهم، ولذا نجد المقبرة تتسع، وتمتد، وتأكل الكثير من المساحات والواحات، والمناطق المزروعة، وهي تستقبل الموتى، الناشدين للنهاية فوق تربتها المترعة بالمعاني الدينية.

للشيخ مرتضى أربع زوجات، وهو الشخصية المحورية في الرواية، فضلاً عن الراوي، وهو “علي” الصبي الذي يتحوّل إلى طير حين يضيق به المكان والزمان، فيلجأ إلى حيلته الفنية، يجوب الأجواء، والفضاءات، والآفاق النجفية، يتعقّب الشخصيّات، مُحصياً مشكلاتهم، وأزماتهم، ومصائرهم اليومية، يرصد الأحداث التي وقعتْ، أو التي سوف تقع في المستقبل لمدينته، وما أكثرها، على هذه البلدة الصغيرة، بلدته التي يراها تتعرّض للغزو الدائم والمستمر، بلدته التي يعرفها كما يعرف راحة كفّه، صحن المقام، والمقبرة، والبستان، والمدرسة، والمنبر، والمسجد، ومخازن الحبوب، وبيوت الجيران، والأزقة الصغيرة، المعدودة، المحيطة بالمرقد الديني ذي الأواوين، والمنائر، والسراديب الصيفية .

أما شخصية الأب ذات النزعة البطرياركية، فهي شخصية نمطية، كأي شخصية عراقية عادية، لها وظيفتها اليومية، والحياتية، ومسيرتها المهنية، تلك الشخصية التي تراقب وتعاين وتُحصي، تُحب الدين كستار مرئي، يقي من الكلام والعين والمداهنة، والمَكر المقابل للآخر، الجار، أو رجل الدين وحتى الغريب، وتُحب الطعام لأنّه العامل المكمل للجنس، فرجال الدين في العراق يقدّسون الجنس، ويستثمرون الفقه، والتراث الديني لمصلحتهم، حين يواجههم أحد بذلك، ولا سيّما من الإخوة، أو من الزوجات اللواتي يطيح بهنّ الزواج المتعاقب، فالشيخ مرتضى، كرجل مثل بقية القوم المجاورين له، سيكون مثل أولئك الرجال من الجيران، يُحبّ المال، والجاه، وتعدّد الزوجات، ولسوف يفاخر به، كونه صمّام الأمان للفحولة العربية، وصمّام أمان المستقبل، للنسل الذي سيخلفه، ويتوارثه من الذرية، ذريته التي تعاقبت لتكون الحارس الجديد، والقيِّم على الترِكات، ولذا نجد الشيخ مرتضى يتزوج امرأة حبشية، معروضة للبيع في سوق النخاسة، أثناء قيامه بالحج، مطلع القرن الفائت، يشتريها لجمال قوامها، وصغرِها واختلاف طابعها الرغبوي، الحار، هذا الذي يسحب الروماتيزم من الظهر، حسب الراوي، هذا ناهيك عن شرائه للعبيد المخصيين، لخدمة حريمه، والإعانة في شؤون البيت الكبير، القائمة أركانه الأربعة، على أربع زوجات، من بينهنَّ امرأة لبنانية .

حين يكثر عدد الزوجات، سينشط دون شك العامل المادي، وبذا ستتوسع تجارة وأملاك الشيخ، لتمتد حتى الكوفة، وسيتكاثر بذلك الأبناء، وستزيد كالعادة المصاعب، والمشاكل، وتستجد أيضاً المصائب، لتملأ باحة البيت وأروقته، وتغزو غرف الزوجات، حيث سينهض الغمز واللمز، ولسوف تلتهب مواقد القيل والقال، تلك التي لا أحد يستطيع إطفاءها سوى الأب، الحازم، والمُهيمن المسلح بالهيبة، والوقار، والسلطة الأبوية:

و”حالما بدأت إهراءات الحبوب تصعد في خانات الكوفة، قرر الشيخ أن يتبع نهج وجهاء المدينة، فيعدّد زوجاته، لقد رأى بعينه جاره الخليلي وهو يرفل بين زوجاته الثلاث في شرفة بيتهم المطلة على الفرات، هذه هي الوجاهة الحقة قال لنفسه، ورأى بعينه أولاد جاره السبعة، يديرون أعماله ويتابعون الحصاد والقطاف ويحسبون الحاصل حتى لا يغشهم الفلاحون، ثم ينقلون الحاصل للخانات، وينزلونه للأسواق، وقرر مع نفسه أن المال يتطلب تعدد الأبناء لإدارته، والوجاهة تتطلب تعدد الزوجات” .

رواية “باب الفرج” ليست رواية مستمدة مادتها من عالم الخيال، فلم يبنِ زهير الجزائري عالماً متخيلاً، أو يؤسس لمدينة طوباوية، إنما هي رواية مبنية من مواد واقعية، تفصيلية، ويومية لمدينة معلومة، وحاضرة دينية شهيرة، نسبة لموقع المقام فيها، فهي تمثل معلماً دينياً بارزاً، ولكن الخيالي في هذا العمل يراودها، ليقلب صورتها التقليدية، ويقرّبها من الطابع الحلمي، ومن اللمسة الخيالية، ومن ثم يلوّنها، ليعطيها مسحة غرائبية، تحفل بالفانتازيا والمضامين الفاتنة، لتغدو سلسة، وأكثر طواعية في المسلك السردي، وأكثر هدأة في سياقها التعبيري، وبالأخص في الجزء الأول منها، وصولاً إلى نصفها، وأقصد هنا طيران الصبي “علي” وأجواء البيت العامر بالحياة، والحركة، والنشاط الدائب، بيت مليء بالنساء، والأبناء، والخدم، والظلال الساكنة، حيث الحارة وسيرورتها اليومية، الحارة المتاخمة للحضرة الدينية، والقريبة من المقبرة وزوارها الكثيرين. أما الجزء المتبقي منها، فهو منساق باتجاه صعود الوتيرة الدرامية، وحدة الصراع بين الشخصيات، تلك التي سوف تبرز في المَشاهد الحربية، حيث تداعيات الحرب، وظهور بادرة التصدّي للمستعمر، وهي عديدة، بدءاً بسقوط إمارة المحمرة، وأميرها الشيخ خزعل، ذي الصيت الذائع في الكرم والبذخ، وتعدد الزوجات اللواتي بلغن الستين امرأة عربية وأجنبية، وهناك الحرب التي اشتعلت بين الإنكليز وبعض المجاهدين، ضد الوصاية البريطانية، حرب تنادى لها المدافعون عن الأرض والثروات التي تزخر بها هذه الأرض من نفط ومعادن، ومن بين من لبّى هذا النداء، هو الشيخ جعفر أحد أبناء الشيخ مرتضى، هذا الذي اتبع مثاله الأعلى في الحياة، ألا وهو الشاعر الحبّوبي الذي هبّ منافحاً عن أرضه، وتاريخه، ومهده الأول، مما سيدفع بالكثير من غواته، إلى طلب الحرية ونبذ الأغلال، ومحاربة المستعمرين والمحتلين .

تمتاز رواية “باب الفرج” بالغنى التاريخي، والتراثي، والحلمي، فهي كما أظن أول رواية تكتب عن مدينة النجف، بكل هذا الزخم من المعاني، رواية درستْ سايكولوجياً الثيمات النفسية للشخصيات الدينية، وقدّمت بذلك لوحة واسعة، وبانورامية لمدينة النجف، من خلال سبر غور سيرتها الفكرية وتحولاتها السياسية والاجتماعية، إبّان بدء تشكل ملامحها الأولى، في مطالع القرن العشرين، ورسمت بدقة وحذاقة وبراعة جمالية وفنية، كلّ نأمة للمدينة، وكلّ وثبة أيضاً.

 

زهير الجزائري: “باب الفرج”

منشورات المتوسط، ميلانو 2019

317  صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية