تزفيتان تودوروف في “بصمة الإنسان”: بورتريهات فكرية لوجوه أدبية عالمية بينها إدوارد سعيد

هاشم شفيق
حجم الخط
1

خَلق المجتمع التوتاليتاري أفكاراً ونظريات ومعارف سعى إلى أن يُلبسها للجميع، قسراً، أو من خلال الديالكتيك الذي يرتئيه، كحل مناسب لكل الطبقات، والمراتب الاجتماعية التي ينحو إلى تغييرها، لتكون سائدة ضمن شكل واحد، وعاملة تحت أفق شمولي واحد لا غير، هذا ما سوف يراه الناقد المعروف والمثقف البلغاري تزفيتان تودوروف، وهو مفكر وباحث وأستاذ فلسفة وأدب وفكر، في الجامعات الفرنسية والأمريكية، وهو إضافة إلى ذلك ناقد قلّ نظيره، ومثقف علماني، ليبرالي النزعة، ومضاد للفكر الشمولي، ولأنظمتها التوتاليتارية التي حكمت وفق أفق بطريركي، دولاً في كل من أوروبا الشرقية، والاتحاد السوفييتي سابقاً، هذا فضلاً على أنه رجل مواقف، وناقد علمي، ومُنظر لأفكاره الشخصية والفلسفية، تلك التي يصوغها في كتب ومحاضرات ومناهج علمية وأدبية، لطلبة شباب يتلقون أفكاره ويناقشونها بطريقة ديمقراطية، فكرية وعبر آرائهم الحرة، في جامعات باريس ونيويورك، وفي الدعوات والمناظرات التلفزيونية، والتدريسية، والانتدابات المنهجية، والمنح التعليمية، والإشراف على الهيئات الثقافية للدول المُضيفة التي تستضيفه كمستشار، ومفكر، وناقد زائر لمناهجها في الجامعات العليا والشهيرة .

الكتاب الذي بين أيدينا هو “بصمة الإنسان ” وهو شبيه بالسير الذاتية لأساتذة وأصدقاء عرفهم تودوروف، خلال مسيرته الثقافية والأدبية. كتاب يرسم فيه تودوروف، الهارب من نظامه الشمولي في بلغاريا أيام الشيوعية إلى باريس، لاجئاً، وعاملاً كأستاذ في جامعاتها العلمية، بورتريهات شخصية، لخمسة علماء، ونقاد، وكتاب، ومفكرين كبار، وهم الأمريكي من أصل فلسطيني إدوارد سعيد، والروسيان رومان يوكوبسن، وميخائيل باختين، أما الاثنان الآخران فهما الفرنسيان رومون آرون وجيرمين تييون .

يبدأ الكتاب برسم صورة نادرة، عن صديق حياته المفكر الفلسطيني الكبير إدوارد سعيد، مسلطاً الضوء على مسيرته الحياتية أولاً، وثانياً متناولاً شخصية سعيد اللامعة، كأستاذ قدير، ومتمكن، ومنافس بارع، للأساتذة الآخرين، وثالثاً يستعيد معه الأيام الأولى للتدريس، مستكنهاً عبر قلمه الباهر، تجربته خلال مزاملته له في التدريس المشترك، في إحدى الجامعات الأمريكية، ومتوقفاً عند أسلوبه الأدبي والفكري والعلمي، ومستشرفاً خصوصياته اليومية، في طريقته لتناول الموضوعة التدريسية، وناحياً أيضاً في المضي تجاه رونقه الحياتي، في رسم ملامحه الوسيمة، وجاذبيته المتركزة في شخصيته، وطريقة حديثه، ولبسه الأنيق، وألمعيته في شرح الثيمات، وكرمه الشخصي خلال مسيرته اليومية .

ارتبط تودوروف مع سعيد بعلاقة قوية، امتدت لثلاثين عاماً، بدأت في جامعة كولومبيا في نيويورك عام 1974 واستمرت حتى وفاته، بعد إصابته بمرض سرطان الدم المفاجئ الذي شغل جزءاً من تفكيره وكيانه، ولكنه واصل بجهد ومثابرة وعزيمة لا تضاهى، مسابقة الزمن، وتقديم ما كان يحلم بكتابته، فسارع حينذاك لكتابة مذكراته الشخصية التي كانت حسب تودوروف من أجمل الكتب الأدبية العالمية التي كتبت في السنوات الأخيرة، فهو يعزو، سبب علاقته بسعيد، إلى ذلك التناغم الحياتي في ما بينهما، فهما، والكلام لتودوروف، مهاجران من بلدين متقاربين، فوالد سعيد هاجر إلى أمريكا في بدء القرن التاسع عشر، حين حاول الأتراك تجنيده لمحاربة البلغار، فرفض القتال، وترك القدس، بلدته ومسقط رأسه في فلسطين، قبل احتلالها الإسرائيلي بعقود، والسبب الثالث غربتهما والمنفى الذي جمعهما، ورابعاً كما يقول تودوروف، إن نظام المطبخ البلغاري، هو في المحصّلة تركي، وهو نفسه نظام المطبخ الفلسطيني، العربي، فالدول العربية بمجموعها، كانت خاضعة للإمبراطورية التركية قبل تفككها، ومن ضمنها بلدان البلقان قبل تحررها، من الهيمنة العثمانية في نهاية القرن الثامن عشر وبالأخص بلغاريا “إن انتساب كل منا إلى دولة تعتبر درجة ثانية، كان بلا شك أحد الأسباب المسؤولة عن التعاطف الذي شعرت به نحو صديقي الجديد، كان يحب المزاح، وكان لا يخجل من إيماءاته الفردية، ولا يعتبرها خروجاً عن الوقار، كان مثالاً للبساطة والتواضع، وهو من أكثر الناس الذين قابلتهم دفئاً في هذا الوسط، كنا نذهب إليه وإلى زوجته مريم، من دون حرج عندما كنا نصطحب أطفالنا”.

يمضي تودوروف في كشف كل مزايا إدوارد سعيد، ثمة تفاصيل جميلة، لا ينساها تلك التي جمعته بصديقه، إنه يسرد بطريقة متقشفة، ومشوّقة كل ما يتعلق بحياة سعيد المهنية، والعائلية، والجذور الفلسطينية، ونضاله الحقيقي عبر انتسابه لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويرسم ملامح دقيقة لتبرّم سعيد من الاحتلال الإسرائيلي، والتمادي الكبير في قضم ما تبقى من بلده من خلال بناء المستوطنات، وتبرّمه من الإعلام الغربي، المتماهي مع المحتلين، بتنزيه صورة المحتل، والغازي، والمستوطن في الميديا الغربية، ويحاول عبر هذا البورتريه المغرق بالصدق، والجمال الفني، من الناحية الأسلوبية الكتابية لتودوروف، حين يوضِّح دفق المسيرة التدريسية، والفكرية، والحياتية اليومية لسعيد، في الجامعة، والبيت، والميادين، والمرافق، الحياتية الأخرى، كان إدوارد سعيد الذي ألف خلال حياته أكثر من عشرين كتاباً، نادراً ومثيراً، بدءاً بكتابه عن الروائي جوزيف كونراد، وليس انتهاءً بسيرته الذاتية التي هزّت الوسط الثقافي العالمي لحظة صدورها: “كان يبدو وكأنه يعيش حيَوات عدة في نفس الوقت، كان لا يعرف معنى قلق الصفحة البيضاء، كان لا يأخذ عطلة أبداً، كانت السرعة عاملاً أساسياً من عوامل شخصيته، كان يعزف على البيانو بصورة باهرة، كان لاعب تنس جيداً… وكان سعيد يتميز عن زملائه الآخرين بجامعة كولومبيا، بمظهره المهيب، فقد كان إلى جانب وسامته صاحب ذوق رفيع في الملبس”.

في المبحث الثاني يتناول تودوروف العالِمَين ميخائيل باختين ورومان ياكوبسون، وهما من رواد القضايا الفكرية، والنقدية، والفلسفية التي اهتمت بالعلوم الإنسانية، ويعدّهما المؤلف أستاذين كبيرين له، ولغيره من النقاد والباحثين من جيله، فهما روسيان، وعاشا تجليات الثورة الروسية على القيصرية، وكلاهما ساهما بنشاط فعال في زمنهما، وأبدعا في مجالهما الفكري، التنويري، وحاولا قدر الإمكان الابتعاد عن الطابع السياسي الذي كان يسم جل الأعمال الإبداعية، والإنسانية في فترات الحكم الشيوعي، ولا سيما في عهد ستالين، عهد الفاشية المختلفة والجديدة، عهد أذاق الكتاب والفنانين والمبدعين الروس المرّ طوال فترة حكم ستالين، ومعسكرات الاعتقال تشهد على تلك الفترة المظلمة، والقاسية، من الحكم الستاليني الدامي والبشع، وكان هذان الكاتبان، يتجنّبان قد الإمكان المواجهة الستالينية، فهما كاتبان معروفان، وشهيران، وترجمتْ جلّ أعمالهما للغات عالمية شتى .

يتحدث المؤلف عن حياة كليهما، فميخائيل باختين درس وتعلم في موسكو، وياكوبسون في سان بطرسبورغ، وكلاهما لهما أتباع وتلاميذ ومريدون، وكلاهما نالا الشهرة الذائعة، بين الجامعات العالمية، ومعاهد النقد العلمي، والفكري في دول كثيرة، وبالأخص الدول الاشتراكية المجاورة، للاتحاد السوفييتي سابقاً، فتودوروف كان في بلغاريا حين تتلمذ على نتاجاتهما الفكرية والنقدية، وقد التقى في عام 1964 بياكوبسن في صوفيا، يوم كان المؤلف يَدرس ويَحضر محاضرات كتاب عالميين، ومن ضمنهم رومان ياكوبسون، وقد أمسى أحد أصدقائه فيما بعد، وبذا سعى تودوروف في باريس إلى نشر كتب ياكوبسون عبر نقلها إلى الفرنسية، حتى أخذ هذا العالم مكانته اللائقة، في عالم الفكر والأدب، والنقد الفرنسي، ونال الشهرة ذاتها التي نالها باختين عالمياً، باختين المنطوي والمُتحسّس من اللقاء بالآخرين، ومن ضمهم ياكوبسون نفسه، فلقد تجنّب اللقاء به، والكلام لتودوروف، تجنب أن يرد باختين حتى على تلفون يطلب فيه ياكوبسون من سكرتيرته ومُضيفته عازفة البيانو، أن يكلمه حين علم أنه عندها في البيت، فتعلل باختين بالمرض، ومرة أخرى اتصل به، وكانت النتيجة مخيّبة أيضاً، فباختين حسب المؤلف، والناقد، والمفكر، والعالم اللغوي تودوروف كان يتحسس من التلفون، ولا يستخدمه أبداً، وثمة سبب آخر يعزوه تودوروف، إلى عدم ميل باختين إلى جيل الشكلانيين، الروس الذي كان ياكوبسون واحداً منهم، وأحد المنظرين الكبار لهذا الحقل الفني والإبداعي .

يستفيض الكاتب في هذا المبحث في تبيان مزايا الاثنين، مسلطاً ضوء بصيرته إلى نتاجهما الغزير، والغني، والحافل بالقضايا اللغوية والفكرية، والإنسانية، وهو هنا يضيف معرفة أخرى، وهامة حول دور باختين في النقد، والأدب، واللغة الروسية، ويعدُّه أحد أهم الشخصيات التي تأثر بها، وتركتْ في نفسه ونفس تلامذته، ومحبّيه، وعشاق أدبه الأثر الجمالي الباقي، بالرغم من أنه لم يلتق به أبداً، ولكنه كان أحد الرموز الفاعلة والكبيرة التي تعلم منها، هذا فضلاً عن دور ياكوبسون الذي لا يقل أهمية، عن دور باختين في عالم النقد والأدب والفكر في العالم .

في تلك الحقبة الستالينية، سيزج بباختين، العالم الكبير في معسكرات الاعتقال، وقد صدر الحكم ضده بخمس سنوات، ولكنه احتج على ذلك بسبب مرضه بداء شديد في عظامه، فهو رجل شبه مشلول، ولذا سيخفف الحكم عنه عبر وساطات أصدقائه، وسينفى إلى إحدى القرى الروسية، تلك التي سيجد فيها عملاً بإلقاء محاضرات في إحدى جامعاتها، ليعيش معزولاً، وبعيداً عن العين الرقيبة .

تزفيتان تودوروف: “بصمة الإنسان”

ترجمة نجلاء أبو النضر

الهيئة العامة للكتاب، سلسلة آفاق عالمية، القاهرة 2018

175 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية