القاص المصري سعيد الكفراوي في “البغدادية”: النهل من الواقع العيني والمشهد اليومي المألوف

هاشم شفيق
حجم الخط
0

للقصة المصرية أساتذة كبار أرسوا معالم القص الحديث، وأعلوا من العمارة القصصية، ذات البنية الحداثية شيئاً فشيئاً، لتكون في مصاف القصة العالمية، في بنائها المتداخل فيه الواقع مع الخيال، اليومي، والعيني، والمعيشي مع الحلم والعوالم المتخيلة، والسفر نحو الحياة السفلى، إلى حيث يقيم الهامشي والمعزول والمتواري عن المشاهد المرئية.

تحت أفق هذا المشهد المترامي الأطراف، أضحت القصة العربية بمخيالها، ومتانة أسلوبها، وزاوية التقاطها لشريحة طبقية ما، تتوازى وتنافس القصة لبلدان أمريكا اللاتينية، إذ ثمة تشابه، وتنافذ، وخيال يكاد أن يغدو مشتركاً، في التعامل، والتعاطي، والنظر إلى الواقع العيني، والمشهد اليومي المألوف، فبلد على سبيل المثال لا الحصر، مثل مصر قادر على العطاء في حقل فن القصة القصيرة، وقادر على تجديدها واجتراح الأسماء الجديدة لها، بدءاً بحداثة يوسف ادريس سيد القصة العربية، وليس انتهاءً بسعيد الكفراوي، ابن الريف المصري، الحافل بالقصص والمرويّات والحكايا اليومية، والكفراوي هو خير من يمثل الجيل الأحدث للقصة المصرية، متمثلاً بجيل الستينيات، الذي رفد المكتبة العربية القصصية بأسماء كبيرة، جمال الغيطاني، محمد عبد الحليم عبد الله، يوسف القعيد، ابراهيم أصلان، صنع الله ابراهيم، وغيرهم من الأسماء الأدبية التي لمعتْ، وواصلت الكتابة الإبداعية، حتى انطفائها وغيابها الفيزيولوجي عن الحياة .

لا يزال الكفراوي مخلصاً ومنكباً وحادباً على هذا الفن الجميل الذي أخذ يتقلص في سنوات العقود الأخيرة، لكنّ إصرار أبرز كتابه، وانغامسهم بعملهم الإبداعي، هذا دون الالتفات لما يروِّجه النقد الحديث عن سطوع الرواية، وخطف المشهد الأدبي من الشعر والقصة القصيرة، ذلك أنّ مواصلة كتاب القصة القصيرة لفنهم، ومحاولات الإضافة والتجديد له، جعلته ينهض مرة أخرى من جديد، ويلفت انتباه القارئ النبيه إليه، بعد انجلاء “الهمروجة” حول الرواية العربية.

جديد الكفراوي ثماني قصص قصيرة، لامعة، مكثفة، وذات دراية بفن البتر، والمحو، والتخلص من العوالق، قصص زاهدة لغوياً، تكتفي بالتلميح والإشارة المومئة أحياناً، وتحتفي بالموحي، والدال، والمعنى الكامن في عطفاتها، حتى وهي تتحدث عن الريف مثلاً، أو الثأر والفقر والمدينة، كما تَجسّد ذلك في قصّة ” البغدادية ” وآفاق سردها المنصب حول شخصين يتعارفان في ندوة، الأول هنا الراوي، وهو مصري، وفي الغالب هو الكفراوي ذاته، والثاني امرأة عراقية، تجلس إلى جانبه، فتتذكر حين تراه، أنها قد رأته يوماً في مكان ما، ولكنه لم يعد يتذكر، لا وجهها، ولا الزمان والمكان اللذين التقيا فيه، وظل يفكر في ذلك طويلاً، حتى أوصلته هي إلى تلك الذكرى البعيدة، يوم التقيا في بغداد، ذات مهرجان أدبي وثقافي، حيث دعته هو، وبعض الكتاب والأدباء العرب إلى منزلهم الأنيق، في حي راق من أزمنة بغداد الماضية.

يُرحِّب الراوي بالسيدة، التي تسكن فندقاً في القاهرة، تُدلِّه عليه، ولكنه لا يعلم أن السيدة العراقية مريضة الا لحظة رؤيته لها وهي تتناول حبّات الدواء، وتحدث علاقة أخوية بينهما، وتستعاد الذكرى القديمة، فتحكي له هي ذات الوجه المليح والمُسمسم، على حد تعبيره، عن تركها لبغداد بعد أن استولى الغرباء على منزلهم هناك، والتضييق عليهم، حتى هاجرتْ هي وأختها، إلى أمريكا لغرض الإقامة هناك، وبات لديها جنسيتان أمريكية وعراقية. في تلك الأثناء وهي في القاهرة، يقترب أجلها، فتصاب بأزمة قلبية وترحل عن الدنيا وليس ثمة من صديق لها سوى الراوي في القصة، فيتطوع حينها من أجل دفنها في بلدها، ولكنه يواجه بالرفض لدى سفارة بلدها، فيذهب إلى السفارة الأمريكية، ليواجه بالرفض أيضاً، فيسارع هو وأبناء قريته الكرماء، إلى دفنها في قريتهم أكراماً لها.

القصة الثانية في المجموعة هي “ساعات فرجينيا الأخيرة” وقد يلاحظ القارئ المطلع والمتابع من عنوانها، أن هذه القصة تدور حول الروائية والقاصة الإنكليزية فرجينيا وولف، تلك الأديبة والكاتبة المُجدّدة، في عالم الرواية العالمية الحديثة، إنها اسم ذو لمعة، وبالتأكيد صيتها، وحياتها، ونهايتها المأسوية، تُغري وتساعد الكتاب، والفنانين، والمبدعين، وحتى الشعراء على تناولها في مادة أدبية وإبداعية، ومن هنا نجد الكثير من الكتاب قد تناولوا قصتها وأضافوا لأبعادها الدرامية بعداً درامياً آخر، وقصة الكفراوي ليست بعيدة عن هذه العناصر الفنية والجمالية، فهو أيضاً يستنجد بمذكراتها، وبالكتب المكتوبة عنها، مستوحياً أجواء قصته عنها، حين تَختِم حياتها بأحجار تضعها، في جيوب معطفها، منزلقة غبّ ذلك في النهر، لكي لا تفشل خطتها الانتحارية، مرة أخرى، مثل سابقته:

“تتجه الآن ناحية النهر، بمعطفها الرمادي، وفستانها المزهر، لتلاقي مصيرها، وحين تكون على الشاطئ، تجمع الأحجار الصغيرة، وتدسها في جيب معطفها حتى يقاوم طفو جسدها، ويكون أثقل على الماء ويهزمه، ويخترق الطحالب وأسماك القاع الضالة، والنباتات الهائمة، وصوت قرع أجراس الكنيسة، وعزف موسيقى فيليب غلاس في شهر الموت الأخير، سمعتْ نفسها تهمس لنفسها: ألم أقل إنني عليّ أن أقتل أحداً؟”.

أما أبرز قصص المجموعة وأطولها فهي “ما لا يليق بقاتل أجير”، وهي تتحدث عن الثأر بين أشخاص يقتلون والد أحد الأشخاص حينما كان صغيراً، ولكن حين يستوي عوده، يفكر بطريقة مقتل والده، الشنيعة، البدائية، والوحشية، من قبل أناس أشرار، فالسلطات في الكفر بعيدة، والقانون هناك غائب، وغير مسؤول على ما يبدو، والبديل الحاضر هي العشيرة.

تتوزّع القصة، على ثلاثة فصول صغيرة وخاتمة، كل فصل لا يتعدى الصفحتين، القصة تبدو مثل فيلم مضغوط ومختصر بمشاهد دالة، ضمير المتكلم يلوح في بداية القصة، وبطلها الصبي الذي سوف يكبر، ويسعى وهو في قريته إلى الأخذ بالثأر من قاتل أبيه، من قاتل معروف، له سمعته الدموية في محيط القرية، حين يكبر الصبي قليلاً ويصبح شاباً، يكمن للقاتل الذي في معيته دائماً ثلاثة أشخاص مرافقين، يحاول الشاب قتل القاتل في بيته، فيكمن له خلف أجمة من أشجار وحطب وعفص، في تلك اللحظة يتيقظ الجمع له، ولكنهم لم يكونوا مهيّئين للمواجهة، فيسقط الرجال الأربعة قتلى، ويهرب الصبي القاتل الجديد، ويختفي في مكان ما، لكيما يذهب فيما بعد إلى قرية أخرى، متخفياً ثم عاملاً في مقهى، ليصبح حينها قاتلاً مأجوراً، ومشهوراً، يُدفع له لقتل هذا وذاك.

في يوم ما يأتيه أشخاص في مهمة لقتل شخص معيّن، في البدء يتردد في مهمته، ويرفض العرض، ولكنّ السائلين يلحّون في الأمر، بزيادة المبلغ إليه، وهو يواصل الرفض، بحجة أن المهمة جد صعبة وخطرة، إلى أن يصل المبلغ إلى سعر مرتفع وكبير، هنا يرضخ القاتل المأجور، أي الشاب الذي كان مطالباً بالثأر، والذي أمسى بين ليلة وضحاها، قاتلاً محترفاً، وحين يهمّ بعد تخطيط وتفكير لأداء مهمته الدموية هذه يفشل، ويقتل نعمان المنجي أبو العزايم الذي كانت ترتج من اسمه المديرية “شرّ قتلة” من قبل مجموعة مسلحة تثأر لأحد الرجال المقتولين من قبله، وهنا تبدو واضحة رسالة القصة، فالقاتل استمرأ مشهد الدم، واستسهل عملية القتل، والتخفي لمدة عشرين عاماً ويزيد، ولكن يبدو أنه قد نسي الحكمة القائلة: “بشّر القاتل بالقتل ولو إلى حين”.

من القصص الجميلة التي تلفت الانتباه كذلك هي قصة “يوم بسبعين سنة”، وهي تسلط الضوء على ماضيه، يوم كان صغيراً، يعيش في كنف عمّه أحمد عبد الغفار الكفراوي، صبي يساعد عمّه في زراعة القطن، وقطفه وكبسه، وتجميعه في أكياس. فالصبي كان مغرماً بعمّه الحكّاء وراوي القصص “من بداية الوعي بالدنيا وعمي لا يكف عن حكي الحكايات لي عن الآثار المدفونة بقرية أبو صير المجاورة للبلد، والتي لا تخرج من دفنتها في الأرض إلا بعد قراءة الأوراد، وسورة النور، زِلَع ملآنة بالذهب، ومساخيط على شكل فراعين بادوا، وأوان فيها الحشا حي كأنه مات البارحة، ولصوص تعبّئ في قفف وغلقان تماثيل وأحجار من المرمر عليها كتابة برسم الطيور، وتشق طريق الغيطان بليل حتى البلد الكبيرة مصر، تبيع وتشتري وربما لا تعود أبداً”.

قصص أثيرة من ناحية البناء، والمهارة، والصناعة، والتكنيك العام لمفهوم القصة العربية الحديثة.

سعيد الكفراوي: “البغدادية”

الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2018

113  صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية