يلجأ الشاعر اللبناني عباس بيضون، في كل ديوان له، إلى تقديم تجربة جديدة، حتى لو كانت فيها مُسحة فنية، وصلة قرابة، جمالية وتكنيكية وتعبيرية في جديده الشعري، مع الأنساق والبنى والأساليب والأشكال السابقة التي وردت في نصوصه الشعرية الكثيرة، المتعدِّدة والمختلفة.
في ديوانه الجديد “الحِداد لا يحمل تاجا”، يقدّم عباس بيضون ثيمة فنية مراوغة، أو متحايلة، على عمله السابق، ولكن بالأدوات ذاتها، أدواته التأملية، العاملة على حثّ المخيال في استيلاد الأفكار والصور، والمشاهدات الغريبة والنادرة، والاستثنائية.
هنا الخيال هو الرافد، المُعين، لعمل عباس بيضون دائماً وأبداً، فخياله غالباً، يبدو متحفّزاً لقول شيء ما، حتى لو كان مؤتلفاً مع ما مضى، من تعابير وصور وكنايات، وعبر إذاعة الرديف من البيان، والاستعارات، والمجازات المديدة، ذات المداليل التي تشي بالرؤيا، والحلم، والمبالغة في جسامة الابتكار، الناحي إلى المُتخيّل المعطاء، الولادي الذي يستولد ويُنشئ ويَهَب.

من هنا نجد الحكاية الشعرية تنهض في ديوانه الجديد من أجل استعادة الذكرى القديمة التي عبرت، وأصبحت ماضياً، يتكون من بضعة عقود من السنوات، يستعيدها الشاعر مع أخته التي رحلتْ وتركتْ فراغاً كبيراً في حياته، تركت البيت، وأثاثه، وطرازه، وبناءه، وتاريخه، ومن ثم حياته المحمولة على حزمة كبيرة من التفاصيل الحياتية، التفاصيل اليومية للأخت، تلك التي كانت يوماً، ترتع، وتلعب، وتأكل، وتنام، وتتنفس، وتحيا بين جدران النشأة الأولى، بين سقوف اليفاع، حيث الحياة الماثلة، بين الشبابيك، والأبواب، والعتبات، والسطح، والمساءات، والصباحات الندية، تلك التي كانت بحوزتهما، وهما داخل الحياة يؤثثانها بوجودهما، وصياغة أنفسهما، وجموح أيامهما، وصعودهما وهم صغار، باتجاه الشباب والتقدم في الزمان والسن، وبعد ذلك كله توسُّعت الذكرى، لتكون الحاوية لكليهما، لتكون الخزانة التي ترمى بها الأيام الفائتة. ذلك أن العِشرة والرابطة والاتساق الأرومي، والانتساب إلى جذر معيَّن، وجندر بعينه، ثم وثاق الأخوة بين أخ وأخت، عاشا، وتربّيا، وأقاما، وتملّكا، وأحبّا، وكبرا معاً، قد ولّد هنا المزيد من المشاعر الوثيقة والمتلازمة، وخلق المزيد من الأحاسيس السيالة في ثنايا المكان، وفي توليفة الزمن، وهو يحزمها في يوم، وشهر، وسنة وعقد، ثم تمرّ العقود، حتى يتدارك الأخَوان الهرم والشيخوخة، إلى حيث الرحيل باتجاه النائي والبعيد، باتجاه الزوال الأبدي للكائن وطبيعته المادية والروحية.
يستشرف الشاعر عباس بيضون في ديوانه هذا كل تلك التواريخ التي مضتْ، وكانت حياة في يوم ما، كل تلك الترسيمات اليومية، من لقطات، وصور، وبرهات عابرة لحياة كليهما، في المنزل، والغرفات، والباحة، والريف، والشارع، والأمكنة التي تردّدوا عليها، طيلة تلك الأوقات من عمر مضى بها، وعمر وهو يمضي ويسير داخل الشقيق الذي يتذكر، ويكتب ، ولما يزل يحيا الحياة تلك التي كانت لكليهما مناصفة، في كل مكان، ولحظة، وزمن محدّد، أرّخ لوجودهما وعبورهما فيه، وبذا أضحت الذكرى تتوالى وتتواتر، وتنساق وتعلو، لتنهال في المآل، مثل شلال من كلمات، لها وقعها ورنينها للذي يسمعها ويتلقاها:
“حضرتُ ولادتك وفكرتُ أني ولدتكِ
كنّا صغيرينِ، قطعنا شوطاً معاً
وللحال ابتعدتِ
سقونا الحداد ونحن لحدناهم تحت الربيع
كانت هذه بقية العائلة
اصطادونا في أكياس
وأنتِ كتبتِ قصائدكِ بخيوط ثخينة
وألقيتها خارج الخيام”.
كون الأخوّة عالماً بحد ذاته، عالماً يتشكل من أب، وأُمّ، وجدّ وجدّة، ويمتد عميقاً في السلالة، ويخصب، ويتكاثر في النسب، والنسل، والذرية، فإنه سيشكل أكثر من حياة، أكثر من عيش، أكثر من تاريخ، ستصبح الأخوّة هي البلد، والمدينة، والسكنى، تصبح الملاذ، والمأمن، والمنزوى، حيث يُطيب ترتيب البدايات، وتشكيل النهج، والهيئة، والصورة للعائلة، ومن ثم للجيران، ومن بعد للقبيلة وإرثها المتوغّل في غير مكان، وسيحضر من خلالها التاريخ والإرث والطقوس والعادات المتنوعة والمتشعبة للعائلة:
“دفنتكِ كما دفنتِ أخاكِ، لن تعودي إلى عائلتكِ، ستجدينهم جميعاً هناك، لقد ماتوكِ من قبل، للعزاء دعوة إلى الانتحار، هكذا انتحروكِ، قبل أن تلقي بنفسكِ عن السلالم، سقطوا من المعجم، مع سلسلة أسماء العلم التي تبقى وحدها بعد الموت، ووحدها تبقى ككف ميت لا يتألم ولا يشير، تركوا خلفهم أطفالاً اختفوا في العراء، بقيتْ صورهم وأسماء العلم على الحيطان”.
تحضر في الديوان قصائد اللمحة، أو الخُزعة، أو الفلذة الشعرية، هذه الشذرات لا تأتي كملء للصفحات، أو مسايرة للموضة الشعرية السائدة الآن بكتابة قصائد تقترب من نسق الهايكو الياباني، بل هي هنا شيء يحمل معنى ودلالة ورؤياً ما، تدل على شيء دفين، داخل النفس والروح، أو تنطوي على شبه حكمة فلسفية، وتحضر في الديوان الحرب، تلك التي انقضت وكانت طويلة وعنيفة وقاسية، أكلت الكثير من حاضر وتاريخ ومَعين البلد، تجر هنا ذيولها، أو بعض ما تبقى من مكياجها السائل، في الأمكنة التي تمّ التنازع فوقها، وتحضر كذلك في الديوان، بعض الاستعارات التوراتية، والقرآنية، مستندة إلى حكاية يوسف والذئب، وزليخا، وغيرهما من الرموز التي استوطنت الذاكرة الشعرية، فيتم هنا صوغها من جديد وفق الرؤية “البيضونية”، فهناك قصائد كثيرة تتحدث عن قصة يوسف وأخوته، لشعراء عرب كثيرين، بدءاً بالرواد “البئر المهجورة” ليوسف الخال، على سبيل المثال لا الحصر، وصولاً إلى الجيل السبعيني العربي، وهنا يثب إلى الذاكرة عنوان قصيدة “قمصان يوسف” للشاعر اللبناني السبعيني شوقي بزيع، وهي أيضاً من ضمن القصائد التي تندرج في عداد من تناولوا قصة يوسف، وقميصه التاريخي والأسطوري الشهير.
ومن أجواء اللمحة الشعرية لدى عباس بيضون، سنختار ما هو دال، وثاقب، في فحواه، ذاك المحمول على تيار من موج المعنى:
“الألم يتوسّخ بسرعة، الهواء يحمل إليه كثيراً من الذباب،
كذلك هو الضمير”.
“لا أحد يستقبل العاصفة
إنها وحيدة والبرد يأكلها”.
“أفكرُ بامرأة أهدتني صباح الخير
بعد أن أهدتني مساءً كاملاً”.
وعن الحرب التي مرّ ذكرها، ويستعيدها الشاعر هنا، كونها لم تبرد بعد، فلها في كل مكان استعادة بين الأخوة المتحازبين والمتحاربين، فثمة حرب إعلامية وكلامية، وتراشق لفظي يومي بين هذا الفصيل، أو ذاك الحزب، بين مجموعة وتيار، وبين قبائل وعصابات، وقوى مسلحة، بسلاح غير شرعي، والشاعر هو الوحيد الذي يتذكر، لينعى الأطراف المتقاتلة في استرداد البلوى، والمزايا الظلامية، والعنف المستطير:
“الحرب التي عادت
لم تبرد بعد …
حروب سبع تتصارع
بأعلامها ومارشاتها
وبخيانة واحدة
تنوّر الضريح،
إذ كان يسهل اجتياح سبع عواصم
بأكذوبة واحدة
أو كان يسهل تصفيد الشهداء
وإرسالهم إلى العاصمة
بقطعة من نشيد”.
وحين نخرج من الحرب والحروب الكثيرة، والمتعددة، تلك التي تكاد لا تنتهي في أرجاء المعمورة العربية، سنعثر على الميل باتجاه الاستعارة التراثية، الكامنة في النصوص الدينية، كقصة يوسف مع أخوته، وورودها في آية من آيات القرآن، إذ ثمة شكوك للشاعر حولها وتساؤلاته الدلائلية:
“من قلب البئر صعد صوتي
والذئب الذي سمّوه لي سمعني وهرب،
القميص الذي بللوه بدم كاذب أعشى عينيّْ أبي،
هل كان البئر حقيقياً؟
هل كان القميص حقيقياً؟”.
بهذا الديوان يكون عباس بيضون قد أضاف طابقاً آخر لمبناه الشعري، حجراً حجراً، لبَنة لبَنة، لهذا المبنى العالي، واللافت للنظر.
عباس بيضون: “الحداد لا يحمل تاجاً”
دار الساقي، بيروت 2019
111 صفحة.