تغيير مسار بعد الخمسين: فرسان الصحافة المصرية يبحثون عن البديل

حسام أبو طالب
حجم الخط
0

القاهرة-“القدس العربي”:عند الاقتراب من ضفاف الخمسين من العمر تبدأ وظائف الجسد في نوبة “عصيان” وتظهر الأعراض في صورة خشونة في الركبة وخفقان في القلب وارتفاع في ضغط الدم، ويتسلل السكري معلنا وصوله. وبعد الخمسين يبدأ الإعلاميون وفي القلب منهم الصحافيون في معظم بلدان العالم في جني ثمار سنوات الشقاء، ويصبح هناك متسع من الوقت لتحويل الأحلام لحقائق. غير أن الوضع في العاصمة المصرية القاهرة يبدو مقلوبا، حيث أسفرت الأزمات التي تواجهها الصحف خاصة المستقلة منها، عن تغيير مسار العديد من كتابها بعد أن عصفت بها أزمات مالية طاحنة، لأجل ذلك وجد الكثير من الصحافيين أنفسهم أمام لحظة تاريخية تتطلب منهم التخلي عن حلمهم الكبير والبحث عن مهن أخرى وبعضهم بالفعل هجر المهنة نهائياً، وهو ما نرصده فيما يلي مضطرين للجوء لأسماء مستعارة احتراماً لخصوصية أولئك “الضحايا” وحقهم في “الغياب” وكأنهم لم يتجرعوا يوماً ما “سم” الشهرة القاتل.

لم يكن الثنائي أحمد ورأفت يتوقعان وهما اللذان تنقلا من صحف صغيرة لأخرى كبيرة أن ينتهي بهما الحال بعد أن تم تسريحهما ضمن عشرات المحررين بقرار من إدارة الجريدة، أنهما سيتخذان القرار التاريخي بهجرة الصحافة للأبد وافتتاح مطعم “دليفري” للوجبات السريعة بدعم من أسرتيهما. فيما كانت الظروف شديدة القسوة مع نهى التي وافق مخرج تلفزيوني على أن يرشحها لدور فتاة خرساء في فيلم سينمائي. وتعيش المحررة التي عملت في المهنة طيلة ستة أعوام بعيداً عن أسرتها شأن العديد من زملائها الذين تحول التحاقهم بالعمل في محراب صاحبة الجلالة لمقامرة كبرى لكون بعضهم لم يلتحق بنقابة الصحافيين بعد والبعض الآخر منهم لا يجد ملاذاً آمناً يغنيه عن تقلبات الزمن في ظل عهد تواجه خلاله المهنة أسوأ ظروفها قتامة.

مدير تحرير يتخفى

نادر جرجس عمل في مهنة الصحافة لأربعة عقود مسؤولا قياديا في إحدى الصحف اليومية، كما عمل مراسلاً لعدد من الصحف اللبنانية والخليجية، إلا أن نهاية مشواره المهني جاءت على عكس ما يتوقع، فقد قرر من تلقاء نفسه بعد أن احيل للتقاعد وأغلقت العديد من المكاتب الصحافية أبوابها أن يقدم نفسه لمن يلتقيه باعتباره مهندسا معماريا حسب دراسته الجامعية، كما يسعى للعمل في مهنة مختلفة “لم يكن من السهل أن أطلق الرصاص على تاريخي المهني بسهولة، لكن ما جرى للمهنة والعاملين بها مروع. لم يكن أحد يتوقع أن تغرب شمس الصحافة مطلقاً”. حالة نادر أقل وطأة، فقد بلغ سن التقاعد، غير أن محمد صادق قام بما ليس متوقعاً بالمرة “استيقظت ذات صباح وفتحت باب شقتي ونزعت اللافتة التي ظلت مصدر فخري طيلة ثلاثة عقود، شقة الكاتب الصحافي الأستاذ محمد صادق، قالها بابتسامة ذابلة وهو منكس الرأس متابعاً: الجيران ظلوا يلجأون لي ويطرقون بابي على مدار سنوات من أجل أن أعينهم على حل مشاكلهم وتوظيف أبناءهم وهم لا يعرفون ان الحكومة والأجهزة المختصة الآن غير ما كانت عليه قبل عقدين، مش طايقة تسمع اسم صحافي” أضاف والخوف يسكن ملامحه “اكتشفت أنني أسير حلم لم استيقظ منه طيلة 30 سنة. عملت في عدة صحف قومية ومعارضة وانتهى بي الحال وأنا أشاهد موت المهنة ولا أستطيع لا أنا ولا غيري فعل شيء لإنقاذ الموقف”.

زوج صالح

العثور على عريس صالح بات بمثابة حلم صعب المنال خاصة مع صعوبة الحياة الاقتصادية. لكن محمد حاتم البالغ من العمر 58عاماً والذي يعيش مع ابنته الوحيدة بعد وفاة زوجته كان حلمه الوحيد أن تتزوج الفتاة “هم فوق دماغي كل ما بنت من بنات الجيران تتجوز أبكي” وأخيراً جاءت الفرصة حينما هرول إليه صديقه في الصحيفة التي يعمل فيها مخبراً إياه برغبة علي، المحرر الشاب في قسم الشكاوى الارتباط بابنته، غير أن رده جاء سريعا وبدون ان يتحكم في أعصابه رفض العريس وجها لوجه ناصحاً إياه “روح شفلك وظيفة ثانية تاكل منها عيش” كان حاتم محقاً في وجهة نظره فقد تأخر صرف راتبه للشهر الثالث على التوالي.

أمسكت هند بصورها التي جمعتها بفنانين ومثقفين مثلوا “ثروتها” ومصدر عملها فيما مضى وأطلقت شهقة ثم شردت طويلاً قبل أن تتحدث عن عمرها الضائع بين مسارح القاهرة واستوديوهاتها السينمائية لإجراء مقابلات مع الفنانين ضمن عملها قبل أن تغلق العديد من الصحف والمجلات أبوابها تباعاً بسبب الكساد الذي تواجهه المهنة وما لبثت أن عرفت بعدها الطريق نحو علاج ممتد من الاكتئاب الذي انتابها على أثر انهيار المملكة التي بنتها لنفسها طيلة عملها في الصحافة. فهند التي تعد أجمل فتيات قريتها في مركز سمالوط في المنيا رفضت عروضا للزواج من أعيان القرية على الرغم من انها تنتمي لأسرة تعيش على الكفاف مفضلة السير في شارع الشهرة لنهايته غير أنها لم تكن تتوقع أن الحياة ستتنكر لها بعد ان تنقلت بين ثلاث صحف يومية وصحيفتين اسبوعيتين وانتهى بها الأمر للعودة لقريتها منكسة الرأس لا تحمل سوى حقيبتها وأرشيفها الصحافي وتجاعيد تملأ وجهها إثر الخراب الذي حل بالمهنة.

الهزيمة

كهاربة من فعل فاضح بعد ان قضت فترة العقوبة عادت لأسرتها “في نص الليل” عبر سيارة أجرة قررت أن تصل للقرية فجراً والأهالي لم يستيقظوا بعد كي لا تلاحقها الأعين بعد أن تعرضت لهزيمة مشروعها الوجودي الذي منحها حتى كانون الثاني/يناير الماضي نجاحا مبهرا بعد أن عملت لسنوات في صحف مختلفة من بينها “الحقيقة” و “مصر العربية” و”الأحرار” ومواقع الكترونية لا تحصى، وذاقت طعم النجومية قبل أن يتسلل لروحها شعور الهزيمة أدركت انها أمام أهم لحظة مصيرية بعد أن فشلت في دفع الإيجار الشهري للشقة المتواضعة التي تقيم فيها مع صديقتين إحداهما تعمل في شركة سياحية والأخرى مهندسة. جمعت صفاء مصطفى حقيبتها وودعت شارع عبد الخالق ثروت حيث يتواجد مبنى نقابة الصحافيين التي جاهدت كي تحصل على عضويتها بدون أن تحقق حلمها. وجبة طعام فقيرة كانت آخر عهدها بالنقابة مع عدد من الزملاء الذين شاركوها الحلم قبل العودة لمدينة بني سويف حيث تقيم أسرتها وقررت العودة من حيث جاءت قبل عقدين منكسة الرأس، وعبر شعور يتزايد بالهزيمة حطت في قريتها الصغيرة حيث كانت في انتظارها شامتات من اللواتي توقفت أحلامهن عند لقب “مدام” وربة منزل تاركين لها “النجومية” التي تبددت في لحظات.

مرآة قاتلة

لم يكن الأمر هيناً على عزة عبد الحميد المحررة السابقة في مجلة لبنانية طيلة 12 عاما. تلك اللحظة التي تتأمل وجهها في المرآة حيث الجمال الأنيق لم تبق منه سوى ظلاله، ذلك الحسن الذي سبق وأسفر عن تورط رجل أعمال تابع للحزب الوطني المنحل في غرامها وطلبه الزواج منها عارضاً عليها شقة تمليك بالقرب من ميدان سفنكس، شرط وحيد وضعه العاشق الثري قبل إتمام الزواج أن تترك الصحافة وتنسى أحلامها القديمة تماماً، لكنها في لحظة قررت أن تنتصر لمهنتها التي أحبتها. ولكنها بعد مرور عامين على رفض العرض المغري انقلبت أوضاعها رأساً على عقب، حيث عادت لمسقط رأسها في أحد مراكز ميت غمر محافظة الدقهلية في الدلتا، تكفكف أحزانها وندمها بصورها القديمة مع نجوم الفن في المجلة التي أغلقت مكتبها في القاهرة.

ارتضت لطيفة عبد الحميد التخلي عن أحلامها مؤقتاً والموافقة على شروط رئيس التحرير الذي جمعها مع زملائها في الصحيفة الأسبوعية طالباً منهم العمل كمندوبي إعلانات بجانب عملهم الصحافي من أجل أن تستمر الصحيفة التي تتخذ من إحدى الشقق في الجيزة مقراً لها في الصدور. وافق الجميع على مضض لكن الحال لم يشهد تحسناً وسرعان ما حلت اللحظة التي كان يتوقعها الجميع حيث توقفت المجلة عن الصدور.

وتحاول العديد من الصحف تطوير محتواها أملا في الحفاظ على ما تبقى من قراء وفي هذا السياق دأبت بعض الجرائد على تقديم خدمات بعضها قديمة مثل ما تقوم به عدد من الصحف الحكومية والمستقلة التي تحاول أن توقف مسلسل الخسائر من خلال إصدار ملاحق تعليمية ومراجعات الامتحانات للطلبة.

وضع الصحف الخاصة هو الآخر لم يعد يسر عدواً ولا حبيباً، حيث أصبح تأخر صرف الرواتب سمة غالبة كما أن بعض الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية أمام نقابة الصحافيين، تنطلق من وقت لآخر بسبب متاعب العاملين في مهنة البحث عن المتاعب والتي تفاقمت حين بدأ انحدار توزيع الصحف الورقية والذي أعقبه انخفاض حصيلتها من الإعلانات، ما دفع بعضها للتوقف عن الصدور أو تقليص العمالة، أو نقل الملكيات، وأحدث تلك الصحف التي بيعت “الشورى” والتي اشتراها رجل الأعمال محمد فودة. من جانبه يعترف الدكتور ياسر عبد العزيز، استاذ الإعلام أن القاهرة لا تعرف صناعة الصحافة مؤكداً أن مختلف الصحف والفضائيات تعمل بدون دراسة جدوى في الغالب.

سبب المحنة

متقمصاً شخصية رئيس تحرير وبكلمات غاضبة تكشف حجم معاناته صرخ بائع صحف على مشارف ميدان باب اللوق وسط القاهرة مؤكداً “الصحافيون أصبحوا كسالى وبعضهم بيسرق من فيسبوك، مفيش همه عندهم ولا بيطوروا نفسهم علشان كده الجرايد بترجع زي مابتيجي” وعزا عم عبده الذي كان يبيع ألفي نسخة من صحيفتي “الأهرام” و”الأخبار” قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير كساد صناعة الصحف لعاملين “كلها شبه بعضها وبتنافق الحكومة والمسؤولين على طول الخط”. فيما رهن أحمد عبد الحفيظ مسؤول توزيع، عودة الصحافة لعصرها الذهبي بتجاوز جدار الخوف والعودة للمعارضة كما كان في زمن الرئيس المخلوع حسني مبارك. واعترف عبد الحفيظ بأن انصراف القراء عن الصحف الورقية نتيجة لامتلاك معظمهم للهواتف الذكية بعد أن أصبحت تأتيهم الأخبار في التو واللحظة عبر المواقع الإلكترونية قبل صدور الجريدة بعدة ساعات، وهو ما يجعل القارئ يتساءل عن جدوى شراء الجريدة التي لم تعد تقدم أي أخبار جديدة، بينما في وسعه أن يحصل عليها بالمجان.

وألقت ام حسين بائعة صحف في الجيزة باللائمة على أصحاب المهنة مؤكدة أن “كل الجرائد شبه بعضها” وتعترف بأنه كان عليها البحث عن مهنة أخرى بعد تراجع دخلها من بيع الجرائد فقررت بيع التبغ والحلوى وبعض السلع الأخرى. وترى ليلى عبد المجيد أستاذ الصحافة والإعلام في جامعة القاهرة، أن الصحافة الورقية تواجه تهديدات وجودية بالفعل وتحديات أبرزها هجرة القراء ونجاح الصحافة الالكترونية في حسم المنافسة لصالحها. وألقت باللائمة على أهل المهنة مؤكدة أن الصحافة الورقية لم تطور المحتوى الذي تقدمه كما ان معالجتها للأحداث تفتقر للجاذبية لذا انتصرت الصحف الالكترونية. وطالبت بتحري المصداقية والبعد عن الشائعات والأخبار الكاذبة. ودعت لتدريب الصحافيين على اقتحام تجارب حديثة وممارسة أنماط جديدة تحتاجها الساحة بقوة.

وجه آخر للمأساة إذ تسببت القرارات المتتالية والعصف بالحريات الإعلامية على مدار الأعوام الثلاثة الماضية في حجب العديد من المواقع مما أسفر عن فقد آلاف الصحافيين وظائفهم وسقوطهم في شراك البطالة ولكون معظمهم ليسوا أعضاء في نقابة الصحافيين فشلوا في الحصول على من يساند حقهم في العثور على فرص عمل جديدة. وكشف أسامة هيكل وزير الإعلام الأسبق ورئيس لجنة الصحافة والإعلام في البرلمان عن أن هناك 650 مجلة وجريدة توزع 350 ألف نسخة يوميا متهماً الصحف بأنها المسؤولة عما جرى بسبب فشلها في القيام بعمليات تطوير كي تستطيع الحفاظ على قرائها لافتاً إلى أن ديون الصحف القومية تقترب من20 مليار جنيه. جدير بالذكر أن سوق الصحافة يواجه أزمة مرشحة للتفاقم وقد وصل الحال إلى فشل بعض المؤسسات القومية في دفع رواتب الصحافيين وبلغت الأزمة ذروتها بحلول العام 2017 حيث تراجع توزيع الصحف مجتمعة لأقل من 300 ألف نسخة بعد أن شهدت صعودا غير مسبوق غداة ثورة 25 يناير 2011 حيث تجاوزت أرقاماً فلكية بلغت مليوني نسخة يوميا. حتى نهاية عام 2010 كان بيع “الأهرام الأسبوعي” و”أخبار اليوم” يتجاوز توزيع كل منهما ستمئة ألف نسخة ومنذ العام 2013 بدأت موجات الهبوط السريع. ويبلغ عدد الدوريات التي تصدرها المؤسسات الصحافية الثماني المملوكة للدولة، 56 صحيفة، ويبلغ عدد الدوريات المملوكة للقطاع الخاص 84 صحيفة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية