يبحر الكاتب الأمريكي من أصل بولندي، بول أوستر، في عالمه المتموّج بالأخيلة، والسفر في عالم الباطن للكائن الإنساني، المعرّض للهزات والنوائب والمصير المجهول. في رحلته مع الحياة والوجود، يمضي في عالمه الجوّاني، مستنطقاً إياه، غاية الوصول إلى الحلم، والرؤى البعيدة، الكامنة في العقل الباطن، فربما شظية من النور توقظ ماضياً ما، مفعماً بالذكريات، والأيام البعيدة، والزمان الغائب، في طيات السنوات المنصرمة من عمر كائن لم يزل حيّاً، قد يكون في بيته، أو في عمله، أو داخل غرفة في فندق، أو نزيل زنزانة، في سجن معين من هذا العالم، كما هو حال شخصية بلانك بطل رواية “رحلات في حجرة الكتابة” وهي أشبه برحلة عبثية، فلسفية، وجودية، لرجل له ماضٍ سابق، رجل كان في يوم ما، مسؤولاً عن التحكّم بحياة الكثيرين، مسؤولاً عن تحرّكهم، وعيشهم، وربما مسؤولاً عن غيابهم وموتهم، وها هوذا الآن يقبع في زنزانة محدود الحركة، في غرفة محدودة القياسات، كافية لتحرّكه بين التواليت والسرير، وبين الطاولة والكرسي الموجودين في الغرفة، الزنزانة، مع أوراق وتصاوير موضوعة، هي شبه تقارير عن أشخاص راحلين، أو مغيّبين، أو مدفوعين إلى الموت والمهالك والنهايات، عنوة وبلا وازع من ضمير بشري. رجل فوق الستين، حركته مهتزّة بسبب التقدّم في السن، وبسبب المصائب التي ابتلي بها، وسنّها، وقدّمها للغير كي تكون مصيرهم المحتّم والأزلي، غير القابل للنقاش والدحض، والجدل من المقابل، المجرّد من كل وسيلة للدفاع، من الكائن الأعزل، الخاضع لإرادات عليا، وأوامر فوقية يتلقاها من جهات غامضة، غير مرئية، لها شخوص شبه مرئيين، كما كانت حالة السيد بلانك، عندما كان مسؤولاً غامضاً، يدفع بالجموع نحو أتون غير معلوم، لا يبشِّر سوى بالتراجيديات والدراما المرعبة، وها هوذا قابع بين مترين مربّعين، يحاول أن يعي ويسترد ما مضى، ولكن ذلك لا يأتي بسهولة ويُسر، فالذاكرة تالفة، والأمور مضبّبة وسديمية، في وعيه المجروح، وهو لا يستطيع تذكر حتى اسمه، ذاكرة واهية ومفقودة، في سلسلة عمليات الإبعاد القسري، والدفع نحو المهالك والاستيلاء على أراضي الغير، والعمل المضني الذي لا وقت له، ولا طائل من ورائه، عمل على الأدنى رتبة، أو الشخص المأمور بأن ينفذ الأوامر، ويطيع الأعلى منه، الذي يدفعه إلى الغياهب، والمحن، والصعاب التي تتوالى لتكون سلسلة من عذاب بلا نهاية .

يغوص بول أوستر في عمق شخصية بطله بلانك، هذا الرجل الكهل الطاعن في السن، بلانك المتورّط على ما يبدو في قضايا غير إنسانية، هدفها تدمير قطاعات كبيرة من البشر ودفعهم إلى مهالك مميتة وصعبة، ضحاياه على ما يبدو من التقارير الموجودة على الطاولة في غرفته، بالمئات، مرفقة بصور فوتوغرافية لنساء ورجال كانوا في يوم ما فتياناً يافعين في مطالع حياتهم، ولذا يرينا بول أوستر إمكاناته الديستوفسكية، (نسبة إلى الروائي الروسي الشهير)، ذلك العارف بخبايا كائناته الروائية، والمستطلع لمكنوناتهم الوجودية. إن بول أوستر هنا يوحي أنّ بطله بلانك هذا، لديه ماض سيئ، ولكن لا أحد يعرف ما هو هذا الماضي، فالصور والأوراق التي يذهب ويقلبها بلانك، ما هي إلا صور وتقارير ضحاياه العديدين، مرّات توحي له الصور بشيء ما، ولكنه لا يعود يتذكر بالضبط، جرّاء فقدانه للذاكرة، من هذا الكائن في الصورة؟ ولماذا هو هنا أمامه على الطاولة، يأخذ ورقة، ويقرأ فيها من ملف مكتوب عليه “اعترافات سيغمون غراف” يلتقط صورة أخرى، فيرى صورة فتاة جميلة يتذكر اسمها الأول، أولغ، ولكن لا يعرف ما هي حكايتها، ولِمَ هي موضوعة هنا فوق الطاولة، في غرفة مساحتها جدّ محدودة، فيها حمام وخزانة، ولكنه لا يرى الخزانة، وثمة شباك في الأعلى، وهناك من يأتي بين فينة وأخرى ليفتح الباب عليه، ويلقي السلام، وحين يسأله بلانك من أنت، يجيب الشخص الزائر إنه الطبيب، أو المحقّق، أو يأتي أحدهم ليأتيه بالطعام، أو تدخل سيدة لترتّب سريره وتحمّمه، مرات يدخل السيد بلانك في غيبوبة تطول عليه، ولا يصحو منها إلا بأحدهم وهو يهزّ كتفيه ليوقظه من غيبوبته الطويلة، مثلما حدث مع المحقق الشرطي القادم من سكوتلانديارد الذي دخل الغرفة وقال له “عذراً سيد بلانك، لقد قرعت وقرعت الباب وحين لم تفتح فكرت بالدخول والاطمئنان إلى عدم وقوع خطب ما .الآن يدور السيد بلانك بكرسيه ويلقي نظرة عن كثب نحو زائره، يبدو الرجل في بداية عقده الخامس، وقد صفّف شعره جيداً، وله شارب بني صغير، تبرز منه بضع شعيرات رمادية، ليس بالقصير ولا بالطويل …
مَن تكون أنت؟ يسأل السيد بلانك .
فلود سيدي، اسمي الأول جيمس، والأوسط باتريك، جيمس. ب، فلود ألا تتذكرني… أنا الشرطي السابق .
آه فلود الشرطي السابق، أخبرتني بأنك ستزورني، أليس كذلك؟
أجل سيدي. بالضبط، سيدي. ولهذا أنا هنا إنني أزورك الآن”.
إلى ذلك، فعوالم بول أوستر تمتثل في الغالب إلى الأجواء الغرائبية، أجواء الالتباس والتداخل والشك، تحمل في متنها نبرة فلسفية، متسائلة عن المصائر التي تتقاطع في كل رواية تحملها، مصائر إلى حد ما، متشابهة في رؤياها إلى الحياة، والكون، والوجود، مصائر تراها ضائعة، تتخبّط في المجهول، وتكتنف مسيرتها غلالة من الإبهام الكافكوي، أو عبث صموئيل بيكت، فمصير بلانك هنا لا يختلف عن بطل “بانتظار غودو”، فثمة زمن واقف، في مكان محدود، وثمة المزيد من الثقوب هناك، تكتنف مسيرة البطل، الزمن لبلانك قصير ومقنّن وغامض، ومصيره غير معروف، إنها سنوات قليلة للسجين نزيل الغرقة المُراقبة، والمغلقة لرجل هام، كان في يوم ما يمتلك السلطة، وهو الآن قابع في قيود سلطة مختلفة، في الزمن السابق كان طليقاً يأمر وينهي، يُرحل، ويُهجّر، ويُرسل أناساً في مهمات، قد لا يعودون منها، والزمن الماضي كما يبدو ويشي به لسان الراوي العليم، هو أيام نشوء الكونفدرالية الأمريكية، وتكوِّن الولايات، يوم كان هناك من يرفض هذه الكونفدرالية، كونها كولونيالية، جاءت لتبني واقعاً آخر، فوق واقع معلوم، له ناسه وبشره، وتقاليده، ألا وهم الهنود الحمر، والبيض جاءوا ليمحوا المعالم الأصلية، ويقتلعوا جذر السكان الأصليين للأرض. في ذلك الزمن القديم، قبل نشوء الولايات الامريكية، كان هناك صراع، ورفض، وقتال بين الأغراب وأهل الأرض، وكانت هناك حملات تطهير عرقي، وتفتيت للأصول، وإعادة بناء مغايرة لعالم جديد، هو أمريكا الحديثة:
“بعد يومين يصل إلى مستعمرة أخرى من مستعمرات الغانجي، وقد امتلأت هي الأخرى بالجثث، لا يعود يعرف بماذا يفكر، ماذا لو كان لاند هو المسؤول في نهاية المطاف؟ ماذا لو كانت شائعة العصيان برمّتها مجرد ستار لتغطية عمل آخر، أكثر شراً بكثير، إعدام صامت للبدائيين، وهو ما يُمكّن الحكومة من فتح منطقتهم أمام استعمار البيض، وتوسعة حدود الكونفدرالية وصولاً إلى شواطئ المحيط الغربي”.
من هنا نجد تخبط البطل المركزي والأساسي في الرواية، وهو بلانك المودع في السجن، نتيجة التقارير التي رفعت ضده، من قبل الموظفين العاملين لديه، والمرسلين في مهمات صعبة، ستُعرّض موفدها للشر والقتال، وربما المنازلة مع كائن بريء، ثم تعريض حياته ومصيره للخطر الداهم، والمصير المجهول، كما حدث مع أنّا، تلك الفتاة التي طلت على الزنزانة، كي تساعده في قضاء حاجته، وتحميمه، وغسل ملابسه، وإطعامه وحتى استخدام العادة السرية له، مراعاة لمشاعره الإنسانية، كحاجة ما زالت متوفرة لديه، كرجل قادر على استخدام شيئه في وضعية ما، فهي تعمل هذا، من باب الشفقة على رجل عجوز، قابع في زنزانة، وينتظر مصيره المبهم، من خلال التقارير المرفوعة ضدّه من أناس فقدوا أشياء كثيرة أيام تسنّمه لمركز قوي، استطاع من خلاله التحكم بحياة الكثيرين من العاملين لديه، بينما نرى عبر سياق السرد حالة المحقق، الشرطي، حين يزوره، ويطرح عليه التنزّه في الحديقة، بحجة صغر الغرفة، والتمتّع في الخارج بالهواء النقي، بينما هو، أي المحقق، يخفي امراً آخر، هو نية قتله، حسب ما أخبره طبيبه الخاص الذي كان متعاطفاً مع شخصيته ومع قضيته، ومعه كإنسان أعزل، وسجين، ومجرد من كل مسؤولية .
هنا بول أوستر يقدم شخصيتين مختلفتين، شخصية فلود المحقق الذي يطمع بالثأر لقضية ما لديه، وقضية أنّا المتسامحة، والمتغاضية عما اقترفه بلانك في حقها. ثمة صورتها موجودة على الطاولة أيام كانت شابة وعاملة بأمره، وقد كانت من ضحاياه، كم يدل ملفها المركون على الطاولة، أما الطبيب فينحاز إلى جانبه، يداريه، ويفحصه على نحو دوري، وهو من أخبره بأن المحقق كان ينوي الغدر به، والمحقق أيضاً كان أحد العاملين لديه في الزمن السالف، من أيام إبادة السكان الأصليين، وبدء التكوين في الولايات الأمريكية.
بول أوستر: “رحلات في حجرة الكتابة“
ترجمة: سامر أبو هواش
دار المتوسط، ميلانو 2018
150 صفحة.