ممدوح فرّاج النابي في “القارئ العادي والتيه النقدي”: القضايا النقدية بمتونها المتعددة

هاشم شفيق
حجم الخط
0

يثير كتاب ” القارئ العادي والتيه النقدي” للناقد المصري ممدوح فرّاج النابي، جملة من المسائل النقدية، متقصّياً الظواهر الأدبية، وعوالم الكتابة، وشؤونها الكثيرة المتعلقة بالإبداع الأدبي، والفكري، والفني، وكل ما يستجد من نشاط جمالي يستهدف القارئ، ذلك القارئ الذكي، والمشارك الأساس، في نَسَقَي العملية الإبداعية، والفنية، وما ينتج عنها من رؤىً، وبضائع روحية، تلامس وعي القارئ العادي، والمتتبع في آن معاً.

كما يطرح في كتابه طروحات نقدية، وتقصّيات أدبية، باحثة ومستوعبة للمشهد الأدبي المصري، والعربي عامة، ولا سيما على الصعيد السردي، من رواية وقصص ومذكرات، يتابعها عن كثب، ليطرح رؤاه، ورؤى الكتاب والنقاد الآخرين، ثمّ يناقشها بعين الناقد الحصيف والمتمكن، مستخلصاً من كل عملية نقدية، رؤيته الفنية الخاصة به، يناقشها، ويفنّدها، ويغوص في تضاعيفها، ومحتوياتها، وإشكالاتها، ومطبّاتها، ووقائعها الحية، والغائبة، مسترشداً بمنهجه الشخصي، وأفكاره النقدية، وطرحه النظري، الذاتي، بعيداً عن المناهج، والأساليب، والنظريات النقدية العالمية، والعربية، المتأثّرة بهذا النقد المتداخل والمشتبك، مع مدارس عالمية، ظهرتْ في كل من أمريكا وفرنسا تحديداً، وأعني أنه يعتمد في نقده، على حدسه، وذائقته، ونهجه الروحي، ولوازمه هو، كناقد له مسلكه، وطريقته، في تناول الظاهرات الأدبية والنقدية، ومبتعداً في الوقت ذاته، عن المناهج العلمية الصارمة، تلك التي تقيّد الأدب، وتجعله أسيراً للتجارب، والتقنيات البنيوية الحديثة، مغرقة إياه بالمصطلحات، والمفاهيم المستحدثة، تلك التي شغلت الأدب بعلاماتها، وجداولها، ورموزها المبهمة والعسيرة، وبخاصة حين تتوجه لقارئ عادي .

يستقي الناقد ممدوح النابي عنوان كتابه من تسمية أطلقتها الكاتبة والروائية البريطانية فرجينيا وولف، عنواناً لكتابها “القارئ العادي” والعنوان ذاته، كان قد طرحه في البدء الناقد صموئيل جونسون، وهو يتحدث عن رواية “حياة غراي” عبر كتابه الموسوم “الناقد والمثقف” ذلك أنه قد أشار إلى أن القارئ العادي، يختلف في مسعاه، ورؤيته، وسبيله، عن الناقد، والعالم، فالأول يسعى إلى الاستمتاع بما يقرأ، بينما الثاني يسعى إلى الفن، ونيل المعرفة، وتخزين الأفكار والرؤى، من أجل الإبداع والكتابة، وبذا هو أكثر ثقافة، واطلاعاً، ومعرفة، من القارئ العادي، الذي هو بطبيعته قليل الثقافة، ويميل إلى المتعة فيما يقرأ، وهو من خلال اطلاعه، سيكون قادراً بطريقته العفوية، على الحكم، والتمييز، وخلق نظريته الفطرية، ومن هنا رأينا الصيحات التي ظهرت في عالم النقد الحداثي ونادت بـ “موت المؤلف” من خلال صيحة الناقد الفرنسي الشهير رولان بارت، الذي يرى في القارئ، منتجاً للنص، وذلك جرياً على أمثولة نيتشة بـ “موت الإله”، ومن ثم توالت الصيحات الأخرى، أبرزها تلك التي جاء بها الناقد رونالد ماكدونالد والتي قالت بـ “موت الناقد”، ليتبعه أحد النقاد اليونانيين بصيحته المدوية التي نادت بـ”موت الشعر”.

يتناول الفصل الأول “الرواية الشعبية”، ومن ثم الأصول الأولى التي تحدّرت منها الرواية العربية. وهو فصل فيه آراء كثيرة وشائكة بخصوص الذين بدأوا كتابة الرواية الحديثة، أو الرواية البسيطة، تلك التي تجتمع على الزمان والمكان والحدث والشخصيات، وربما تضمّنت عقدة، ونسيجاً معيناً، وحبكة ما، وطريقة سردية، تجعلها قادرة على الوصول إلى القارئ البسيط والعادي، بمقياس ذلك الزمن الذي بدأتْ فيه، وأعني الإرهاصات الأولى في عالمنا العربي، فيورد المؤلف، وحسب بيانات مستقاة قد مرت به، وقرأها في مبحث معين، يورد العديد من الشواهد لكتاب عرب، كانت قد تجلت المبادأة لديهم، فهناك أسماء من مصر في الغالب، وثمة أسماء أخرى وردت، ولكنها قليلة في كل من الجزائر، ولبنان، وسوريا، لكن الريادة تظل محصورة في مصر، كونها البلد الأكبر عربياً، والأبرز على المستوى السردي، والبحثي، وحتى الفكري، والحال هذه فنحن قد مرّتْ علينا تجارب كل من فرانسيس مراش وروايته “غابة الحق” التي ذكرها الناقد الكبير جابر عصفور في كتابه الشهير “زمن الرواية”، والمكتوبة عام 1865 وهي التجربة الروائية الأولى، ثم يأتي الباحث والناقد حلمي النمنم، ليضيف أن رواية “غادة الزهراء” لزينب فواز والمكتوبة عام 1899 هي الرائدة الأولى في هذا المجال، بينما الباحث التونسي الطيب العروسي يشي بغير هذا، فيورد رواية “حكاية العشاق في الحب والاشتياق” باعتبارها الرائدة عربياً كونها قد صدرت عام 1847، وهكذا ظلت الوتيرة تتحرك ضمن دائرة المبادأة، وصولاً إلى سنوات أجد وأحدث، قالت إن رواية “زينب” للمحامي محمد حسنين هيكل، من الممكن أن تكون فاتحة الرواية العربية .

ما يميز كتاب النابي هو التفاته إلى الوسائل الحديثة في نشر الرواية، ومتابعتها، وخلق جمهورها المغاير، والجديد، والناقد أيضاً، عبر استخدامه، أي القارئ الجديد، للتقنيات الحديثة، وما استجد في شأنها من طرائق تقنية، متطورة وسريعة، لجأ قارئ اليوم إليها، كالإنترنت الذي وفر الرواية بصيَغ متعدّدة ضمن برامجه المتطورة، ومن ثم ولوغ  القارئ في عالم النقد، والتمحيص، ووزن العمل، وتقيّيمه بطريقته الخاصة، وعبر ذائقته النقدية، بدون اللجوء إلى الناقد، والمُحلل، والباحث المستقصي لأبعاد هذا الفن من الكتابة، وفق منهج علمي حديث، كان قد درَسه وتتلمذ عليه، واطلع على شتى المفاهيم والنظريات في هذا الشأن، لذا عمد القارئ النشيط، والمستعجل، إلى تدريب حواسه، ضمن شروط ما هو متاح، في وسائط التواصل الاجتماعي، من إمكانيات لغرض استثمارها، ثم قول رأيه فيما يقرأ، فهو هنا قارئ وناقد ومتابع ومُحلل في آن، ولكن وفق حدود فهمه هو، وإمكاناته الثقافية والمعرفية تلك التي دفعته لتشكيل رأي ما حول موضوع  إبداعي معيّن.

ومن هنا سنرى عالماً نقدياً مختلفاً، يُدلي بآراء متنوّعة ومبتسرة، وعفوية، وقد تكون حادة في بعض الحالات، وغير صائبة، وخاضعة للأمزجة الشخصية، والمعرفة المحدودة والضيقة، وهذا ما سوف يتحقق على موقع “غود ريد” الذائع والمعروف، أو ما قد تمّ تداوله، من قبل القراء المتابعين على  منصة “فيسبوك” حول شؤون الرواية الحديثة والمستجدة، وهنا يورد المؤلف بعض الأمثلة المتنافرة حول رواية “عزازيل” ليوسف زيدان، ورأي جمهرة القراء بها، أو رواية “عمارة يعقوبيان” لعلاء الأسواني وبعض آرائهم المتباينة حولها، ويعرّج في السياق ذاته، على روايات عربية كثيرة، كان لها وقع ما، وصدى واسع الانتشار، من خلال النقد الذي نالها، أو من خلال عدد الطبعات، و”البيست سيلر”، أو من خلال تحويلها إلى مسلسلات وأفلام، كما حصل مع رواية “عمارة يعقوبيان” وغيرها من الروايات الذائعة واللافتة .

ثمة فصل مختزل يتبع هذا حمل عنوان “الجوائز العربية بين الاحتكام للضمير وترضية المنسيين” وهو ينصب ويتوجه بسهمه النقدي نحو الروائيين الباحثين عن المال والشهرة.

في هذا الفصل يذكر المؤلف طرق وخفايا لجان التحكيم، وآراءهم في النص المتقدم للجائزة، ويورد أيضاً آراء الآخرين بهم، بصيغتي القدح والمدح، ويتطرق كذلك إلى الأسماء الروائية التي نالت الجوائز، عن حق، أو عن تماد، لغمط حق آخرين، من قبل هذا النفر أو ذاك، وهنا يُبدي المؤلف في فصله هذا الحياد، وعدم التدخل إلا فيما ندر، فنجده يميل إلى التوثيق والاستشهاد، والتأكيد والتثبيت، وعدم الانجرار لتأييد طرف ما ضد آخر. وقد انحصرت آراء المؤلف وأمثلته، بجائزتي “البوكر” العربية و”كتارا” كونهما الأشهر عربياً، والأكثر مالاً أيضاً   .

ثمة فصل طريف في الكتاب هو “المشاهير يطرقون أبواب الرواية”، وفيه يتناول الباحث تجارب عالمية وعربية. ففي الجانب الغربي يسلط الضوء على تجارب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران، والقاضي الألماني برنهارد شلينك الذي كتب رواية “القارئ”، وفي الجانب العربي يشير إلى كتاب “البحث عن الذات” للرئيس السابق السادات، وأيضاً يروي وقائع كتابات جمال عبد الناصر للمقالات، قبل أن يكون رئيساً، فضلا عن تأليفه لكتب “فلسفة الثورة” و “يوميات حرب فلسطين 1948” وروايته غير المكتملة “في سبيل الحرية” وهذا دون أن ينسى الباحث مجموعة قصص الرئيس الليبي السابق معمر القذافي “الأرض القرية وانتحار رائد الفضاء وقصص أخرى”، وكذلك روايات الرئيس العراقي السابق صدام حسين مثل “زبيبة والملك” و”القلعة الحصينة” و”اخرج منها يا ملعون”، ثم اتهام الكاتب المصري جمال الغيطاني بكتابتها من قبل بعضهم، ولكن كاتب هذه السطور دافع عن الروائي المصري في مقال نشر في صحيفة “الحياة” حينها، وأشار فيه إلى أن المؤلف الحقيقي لهذه الروايات هو الكاتب العراقي سامي محمد، حسب اعتراف زوجته بذلك .

كما نلمس في فصل آخر رؤية مختلفة عن الفصل الآنف، وهو “أدباء خلف أسوار السجن”، بادئاً برواية نجيب محفوظ، ومطاردة القضاء والرقابة لروايته المعروفة “أولاد حارتنا”، حيث منعتْ أثناء صدورها من التوزيع، وتعرضتْ للمصادرة والمنع، من قبل مؤسسة الأزهر، التي سبق وأن صادرتْ رواية قد صدرتْ في عام 1947 وهي “نائب عزرائيل” للكاتب والروائي يوسف السباعي، كون الروايتين تتخطيان الثوابت الدينية المتعارف عليها. ثم يسرد المؤلف في هذا السياق، أسماء العشرات من الكتاب، والأدباء، والروائيين الذين تمت مصادرة كتبهم في العالم العربي.

ممدوح فرّاج النابي: “القارئ العادي والتيه النقدي”

الهيئة العامة للكتاب، سلسلة كتابات نقدية

القاهرة 2019

352  صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية