أحمد يعقوب ونمر سعدي شاعران فلسطينيان في مواجهة الذات والعالم وتحديات الواقع

هاشم شفيق
حجم الخط
1

تسارع وتيرة الشعر العربي وتطور مساراته الجمالية، ومن ثم دخوله في أنفاق الميديا الحديثة ووسائل الاتصال الاجتماعي، وظهوره اللافت في العقد الأخير، على مستوى النشر عامة، وحيثما كانت دور النشر، بات يلفت انتباه أشهر الجوائز العربية، وراح يستعيد مكانته التي تزحزحت بفعل فورة الرواية، الآخذة الآن بالانحسار والتراجع، بعد أن هبَّ واندفع كلّ من كان يجد لديه بعض الحكايات، والسرود، والحواديت، لطبعها، ثم تقديمها إلى القارئ العربي، هذا القارئ الذكي الذي أضحى يعرف الجيّد والحقيقي، من الرديء والمصطنع.

بين أيدينا الآن مجموعتان شعريتان لشاعرين فلسطينيين، ينتميان إلى مكانين وزمانين مختلفين، وتجربتين مغايرتين، فالأول يكتب القصيدة الموزونة، وهو من قرية جليلية تقع شرق مدينة حيفا، شاب ينشر الشعر منذ عقد ونصف، إنه الشاعر نمر سعدي، والثاني أكبر منه، وله تجربة أطول في هذا المضمار، يكتب قصيدة النثر، من سكنة رام الله، هو الشاعر أحمد يعقوب. أصدر الاثنان ديوانين جديدين، كلاهما صدرا في القاهرة، ولكلّ منهما تجربته الشعرية المتباينة، والمختلفة.

ينتمي الشاعر أحمد يعقوب، على مستوى التحقيب الزمني، إلى جيل الثمانينيات في العالم العربي، وهو الجيل الذي لجأ جُلّه تقريباً، إلى كتابة قصيدة النثر، ومن ثَمَّ مضى، ليطوّر في أنساقها التعبيرية، والفنية، واللغوية، والجمالية، وكل هذا كان يحدث حسب الفضاء المعرفي والثقافي للبلد الذي يعيش ويحيا فيه الشاعر.

فالشاعر أحمد يعقوب شاعر له باع في معرفة الشعر، وله دراية واطلاع على تجارب الشعراء العرب والأجانب، وهو أحد الشعراء الجوّالين ما بين بغداد والقاهرة ورام الله في فلسطين، هذا ويُحسب يعقوب أحياناً، على جيل شعراء الموجة الجديدة العراقية، وهي موجة ظهرت في فترة محتدمة، ومضطربة وأليمة، من تاريخ العراق المعاصر، ألا وهي فترة الثمانينيات والتسعينيات العراقية، تلك التي لامس الشاعر تحولاتها على الصعيد الثقافي والإبداعي والاجتماعي.

الشاعر أحمد يعقوب يقول عن نفسه إنه ابن التجربة الشعرية العراقية، بكل تحولاتها وتجلياتها، وينعت نفسه بالفلسطيني ـ العراقي، وبالعكس، وله معرفة إبداعية وشخصية بأغلب الأجيال الشعرية العراقية.

آثر الشاعر تسمية ديوانه الجديد “في الطريق إلى البوطيقا” أي أنه الشاعر الذي لا يهمّه سوى السير في الطريق الشعرية، وإيثارها على غيرها من الطرق التعبيرية.

للشاعر أحمد يعقوب خمس مجموعات شعرية، جلّها صدر في بغداد، أو كُتِبتْ قصائدها في بغداد، من هنا بدا تنوّع ملامحها، ومساراتها الفنية، وفق سنوات العيش والتجربة.

يمتاز الشاعر بالتجريب، والتشكيل، والانغماس بكل ما هو غريب ونافر، وجديد، لشعره رئة تبدو سريالية، وتنزلق أحياناً لتغدو عرفانية، أو تتماهى مع تجارب أخرى، لتصبح يومية، تفصيلية، ذات بوح ناهل من المعيش واليومي.

تحت سقف هذه التجربة الساعية إلى التخليق، نراه يسعى إلى خلق التعابير الدادائية، أو الشكلانية ذات الطباق والجناس، ليرينا قابليته على التجريب، والنمذجة، والتوغّل اللغوي في التراكيب اللفظية، المُغوية، كما يتضح في قصيدة “سريرة” والتي يقول فيها:

سِرْ وسِرْ إلى الأمام أو إلى الوراءِ سيّان

سريرةٌ وسرورٌ ومسايرة،

أسرارٌ تسيرُ بالسريرة،

والسرورُ لم يعدْ يسايرُ السريرة،

السريرةُ تُسرُّ للسرورِ: أنَّ السريرة ربما صارت مذكر سرير،

أمّا سريرتي، تجعلكتْ مثل قميص حرير انغلى في ماء تبخّر،

تجعلكتْ حتى تعذرت على كوي الزمان”.

ولكنه في قصيدة “موال” يضعنا أمام طبيعة القصيدة اليومية، وبث روح التفاصيل في هيكلها البسيط، وغير الوعر كما ورد في هذا التطبيق الجناسي “الدبابة تحت الشرفة يا ليلى، وأنا أغلي القهوة … هذا الصبح رام الله لم تغسل وجهها، وكعاشقة لم يسهر عشاقها كبنيها ليلاً”.

كذلك ينحو الشاعر المنحى ذاته في قصيدة “موزة ” ذات البعد الموحي، الواضح والمتّسم بالمعنى، والبوح الطفلي المرسوم كهالة، تبث الضوء من قاع نورها، من جمال اللعبة، لا من لعبة الشكل:

“قالت المعلمة: ارسموا موزة، رسم خالد، شمساً، طائرات، خوذة، دائرة، وكتب هذه موزة، قالت المعلمة ارسموا مو مو و زة

رسم خالد: قطة قبالة كلب، على فم القطة كتب مو .. مو

وعلى بطن الكلب كتب وزّة”.

ولعلّ إحدى القصائد المؤثرة أيضاً، وتنحو صوب هذا المسلك، المتماهي مع النبرة الموسيقية، والشخصية هي قصيدة “كيف ينحت الألسنيون جدارية للموت عن شاعر مائت”، وهي من القصائد الطويلة التي ترسم بورتريهاً شخصياً للراحل الكبير محمود درويش، ومنها نقتطف:

“محمودُ أيها المسجى في البحر الكامل،

كيف البحورُ تغفو وشِعرُك، قلقٌ يطولُ،

أهكذا تبقينا بلا ندٍّ”.

أما الشاعر نمر سعدي، في ديوانه “تقاسيم على مقام الندم” فنلاحظ أن شعره وليد تجربة شعرية عربية، لها محطاتها وشعراؤها وأزمنتها وأجيالها، وهذا ما لمسناه ونحن نقرأ لهذا الشاعر الحيفاوي، المقيم في زمن الاحتلال على الأرض الفلسطينية العربية عامة، فهو قد نما، وتغذّى من أنساغ وأمشاج الشعر الفلسطيني هناك، بدءاً بتجربة سميح القاسم وصحيفة “الاتحاد” التي كان يرأس تحريرها، حيث نشر الشاعر نمر سعدي أولى قصائده، في هذه الصحيفة اليسارية، لينطلق فيما بعد، في رحاب، ومناخات، ومساقات الشعر العربي، صانعاً صوته الجديد، بعناء واضح، من خلال نضج تجربته الشعرية والجمالية، مستنداً إلى موهبة نشطة، وذات بعد معرفي، عارفا بخبايا المَلَكات الشعرية، تلك التي أهّلته في أنْ يمتح من كل ما يصادفه، وتراه وتعرفه عينه وذائقته، من جماليات، وفنون، ومعارف، لتحوّله في المآل، وعبر فرن التجربة الشخصية، إلى شعر حار وملموس، قادر على استبطان تفاصيل الراهن، ليبحر عبر ذلك في التيارات  العالية للماضي البعيد، مستشرفاً بلغته الغنائية، المرنانة، ما مضى واندثر، كقصيدته “عطر الموريسكيّات” التي تُلقي بضوئها اللغوي، المستجلي للماضي العربي، من أندلس مضاع “سيكون وصلٌ ما بأندلسٍ، وليلٌ مشبعٌ بالعطر، من أثر الموريسكيّات، يا قلبي ولو طال العذاب”.

يحفل الديوان بالرموز والاستيحاءات، والانثيال الرمزي المفعم بالبعد النغمي، ذي التبعية الموسيقية، تلك المتأتية من تنوّع الأوزان، والسيطرة على الرنة الوترية، المنتسجة في تضاعيف القصيدة، وليست تسمية الديوان “تقاسيم على مقام الندم” ببعيدة عن هذه المزية، فالتطويع الماهر للأوزان وتنوّعه، واتساقه مع المتجاورات والانتقالات والتضمينات، قد منح الديوان مقاماتٍ، وأحوالاً، وأنسقة تعبيرية صائتة، صنجيّة التشكيل، فالصنج الشعري النغمي لدى نمر سعدي أعطى للقصيدة أهازيجها الخاصة، وسوّغها لكي تكون نوعاً من التغاريد، والأغاني ذات المنحى الإنشادي، والمشرَّعة على الرموز البائنة، مثل زليخة، والمثنوي، فاتك، ابو تمّام، الشيرازي، كربلاء، العنقاء، الموريسكيات ، التروبادور، وناي أندلسي، وغيتارة حنين أزرق، والسياب، وخليل حاوي، إنها رموز مستندة إلى تراجيع غنائية، وتدوين للقافية، وهي تتقدم، وتتنغّم وتطوّح بين المعاني، والمعرفيات المستوحاة من أساطير وملاحم، وأسماء أجنبية، أديسوس، إلسا، أراغون، نيرودا، بيكاسو، ماريو فارغاس يوسا، لوركا، موتسارت، منتقيات تتواتر، أو تتدافع، لتزحم الديوان وتتخمه بالتضمينات وأسماء العلم، وأحياناً تغرقه بالكنايات والإضافات والاستعارات المتوالية، والمنهمرة بكثرة على طول صفحات الديوان.

 من قصيدة السياب وهي من القصائد المشغولة بعناية يقول:

“ينتابني السيابُ لا كهبوبِ عصفور على عينيَّ،

يغمسُ قلبه في الدردنيلْ

بل مثل موج الوجدِ، مثل دموع عاشقةٍ

ترى المعشوق في قمر النخيلْ،

ينتابني السيّابُ، حين أغيبُ عن حبق المنازلِ

في الطريقِ الساحليةِ، حين لا ترقى يدايَ

إلى قناديل الحديقةِ

والغوايةِ والزمان المستحيلْ”.

وثمة قصائد كثيرة أخرى قد كتبت على بحور الكامل والرجز والهزج والمتقارب والخبب والطويل، وأغلب هذه القصائد حسنة الإيقاع، ساطعة النبرة، وذات غُنّة من جهة تكوين الجملة الموقّعة، المحكومة بالجِرْس الموسيقي المختال كقصيدة “طريق عمودية”.

ولا يغفل الشاعر نمر سعدي، وهو في ذروة انهمامه بالإيقاع، الصور الشعرية الموحية والدالة، تلك التي تحمل دلالتها أحياناً، بدلاً من الإيقاع، أو يحاول أن يتحاشى الإيقاع مرات عندما يميل إلى القصيدة المدوّرة، وهناك عدة قصائد من هذا الشكل الفني والتعبيري قد ضمّها الديوان، وتميل إلى هذا النسق الفني، في محاولة منه تصبو إلى الإبدال، والحد من تصاعد التواتر اللفظي، والدندنة الزائدة، لذا وجدناه يقوم بتدوير الوزن، ثم تطويعه لغاية فنية نثرية، وقد تحقق ذلك في هذه القصيدة التالية، وغيرها من القصائد المدوّرة “في مثل هذا اليوم قبل روايتين طويلتين، وصحبة رعويةٍ لقصائد الأمطار، قبل علاقتينِ وزهرةٍ في السور، تحرسُ ظلها وسرابها، قبل السراب وبرعمينِ، تفتّحا في الريح وانسلا من الفصحى ليمتحنا كلامهما الطريَّ على مواجهة العواصفِ، بالمجازِ وبالبلاغة كانت امرأة بلا ندمٍ يعذّبها ويسحبها برفق وصيفةٍ شرقيّةٍ في الليلِ من يدها، ومن غدها، لتمسح عن زجاج الذكرياتِ غبارَ رغبتها القديمة”.

أحمد يعقوب: “في الطريق إلى البوطيقا”

دار أروقة، القاهرة 2020

 128 صفحة

نمر سعدي: “تقاسيم على مقامات الندم”

دار روافد، القاهرة 2018

173 صفحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية