الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد في “العابرة”: تحوّل النوع ومشكلاته الاجتماعية

هاشم شفيق
حجم الخط
0

يستدرج الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد، موضوعة اجتماعية وبيولوجية، تتعلق بـ “الترانس جندر” لدى الكائن البشري، وهي موضوعة متعلقة بالطبيعة البشرية، وقديمة في المجتمعات عامة، وحيثما كانت، لها صلة بالجينوم الإنساني، وجلها يتعلق بالهرمونات الذكرية والأنثوية، والتحولات الفيزيولوجية التي تحدث في التكوين الأولي للكائن، من جهة النوع، وتحديد العلامة الدلالية، بعد تلاقي وتلاقح الحيامن مع البيوض، بفعل عوامل نشاطها، وعملها أثناء عملية التكوين الكائناتي، هنا ستُصنع العلامة الآدمية، وهنا ستتم صياغة الدلائل الأولى، عبر الجنين لإبداع الكائن وإنتاجه، وحصر جنسه، في لحظات التكوين والنماء البيولوجي له، وبذا سينمو الكائن ويتكوّن، وهنا ايضاً سيظهر المكيال الذي قد يزيد عن حدّه، في كمية الهرمونات، وإنْ حدثت هذه الزيادة، وهي نادرة في هذا المصنع الجمالي، سينشأ الخلل تدريجيّاً وضئيلاً، وقد لا يراه المعني والراعي كالأم والأب، عندما يفد هذا الكائن إلى الحياة، ولسوف يكبر هذا الخلل مع الكائن الإنساني، ولسوف يتعايش معه قسراً، في المجتمعات المحافظة، مثل المجتمعات العربية، إلى أن ينفجر في مرحلة ما، من مراحل الشباب، كما توضّح وتجسّد ذلك شخصية “لمياء”، وهي الشخصية المركزية في رواية “العابرة” التي بين أيدينا الآن. والعابرة هنا تعني العبور من جنس إلى آخر، كعبور “لمياء” من المؤنث إلى المذكر “حمزة” في عملية تحوّل طبي، جرتْ في مستشفى مصري. هكذا إجراءات تبدو جدّ إنسانية، وتحمي حقوق أي كائن إنساني، حديث ومعاصر، له الحق في التعبير، والتغيير، السياسي والإبداعي والاقتصادي، وكذلك في تغيير جنسه الذي يرتضيه، ويجده ملائماً، ومتسقاً مع مشاعره، وتطلعاته، وأحاسيسه، ومواصفاته البيولوجية، تلك التي تتطابق معه، لتحدّد هويته الجندرية، وعلامته الجنسية، وهدفه الحياتي، ككائن منسجم مع أحلامه، وطموحاته الشخصية، كلمياء التي لم تعد تتطابق مع نفسها، وتعبيراتها الأنثوية، ومع جندرها، الذي راح ينمو باتجاه غير ما هو مرسوم، ومُخطط له منذ يوم ولادتها، فلمياء الشابّه، هي غير لمياء الطفلة بأثوابها، وألعابها، ومراسمها، فهي الآن ترى أنها تميل إلى معاشرة البنات، أكثر من ملازمتها للفتيات حين كانت صغيرة، أو حين كانت مراهقة، فالمراهقة هي التي حدّدت لها هذه الطريقة، من خلال تصرّفاتها، وسلوكها، ومعاملتها للفتيات بطريقة فيها ولَع ذكوري، فجسدها الذي تحمله، هو خير كاشف، وخير دليل على تحديد نوعها، وهُويتها الكائناتية، فصدر لمياء مسطح، وخال من البروز، وشبه صبياني، تحرّكها، وحركاتها، وتصرُّفاتها تند عن فعل رجولي، وفتي، في المشية، والتعامل الخشن مع الأشياء، والموجودات، والحالات التي من المفترض أن تتطلب مواقف أنثوية، ولكن لمياء تتصرف معها بطريقة خشنة، وتميل لتكون رجولية، حتى تسلّكاتها مع أختها “رانيا” تبدو غريبة وملفتة، لمياء لا تهتم كثيراً بالتجميل وملحقاته، حتى ملابسها تتقارب مع الملبس الرجولي، بنطلون جينز، وتي شيرت، وجاكيتة خفيفة.

تروي رواية “العابرة” بأسلوب واضح وغير مقعّر، وقابل للتحوّل أيضاً، ولكن إلى السينما، أو إلى مسلسل مصري، حكاية “العابرة” لمياء من عالم الأنوثة المحاصر، والمسجون بين جدران المنزل، إلى عالم الرجولة الرحب والحر، حر في كل ما يعمل الرجل، ويتصرّف، ويطمح، ويُريد من حياة تلائمه، في مشواره اليومي.

من هنا نرى سعي لمياء الطالبة الجامعية، إلى تحقيق حلمها في الرجولة، وتخطي جنسها، إلى جنس آخر، يلائم تطلعاتها وأحلامها التي ستخترق عالم الرجال والشباب بقوّةِ ما يُمثلها، وتحمله بداخلها من كائن جديد، يتماشى مع الواقع الصحيح، وغير المختل، والمسكوت عنه، في المجتمع المغلق، والمنكفئ على ذاته، والنائم على وساوسه، وانكساراته الكثيرة.

تتيح الميديا الحديثة، وعبر وسائط التواصل الإجتماعي، الجرأة في كسر التابو، والإفصاح عن المكنون والخبيء بين الطوايا، كحالة لمياء التي/ الذي ساعدت الميديا، بفضاء الإنترنت، وأجهزة الاتصال الذكية، على البوح بمّا تعانيه، من جرح بيولوجي، فوسائط الاتصال هذه تتيح لمستخدمها، التصريح، والكشف عن النوايا والهواجس والأفكار، كما فعلت لمياء، حين صرّحت باختلال جنسها، وتلعثم جسدها، فلاقى بوحها الترحاب، والتفهّم، والتقبّل الإنساني، من قبل من هم مثلها، وينوون التحوّل أيضاً، من أنثى إلى ذكر وبالعكس، أو من البشر العاديين، والمساندين، والداعمين لهكذا حالات إنسانية.

هنا نجد العائلة المتمثلة بالأب، تنحاز إلى قضية الابنة في مطلبها، يتفهّم والدها هذا الحق، فيقف إلى جانبها، ثم الأم وإن بتلكؤ، وفيما بعد الأخت الأصغر منها، “رانيا”، التي تشرح لها لمياء محنتها فتندهش في بادئ الأمر، لكنها فيما بعد تتقبل الصيغة الجديدة، من أختها الأكبر، أو أخيها الجديد. أصدقاؤها في الكلية، وهم بحدود الأربعة أشخاص، ستُسِرّهم لمياء بما يعتلج في دواخلها، كذلك هم يتفاجأون ويُصدمون في البدء، ولكنهم كمتعلمين، ومثقفين، ومطلعين، وعلى دراية وعلم بمثل هكذا قضايا، وأمور سائدة على وسائل التواصل الاجتماعي، سيتماهَون مع الأمر، ويعدّونه حقاً شخصياً من حقوقها الآدمية، تلك الحقوق التي لا تقبل الجدل والدحض والممانعة.

أما المشلكة الأبرز، في مثل هذه المقامات والأحوال، فهي مشكلة الرأي العام، ومشكلة السلطات العليا، وتوابعها من مخابرات، ومسؤولين، في دور القضاء، ومراكز الشرطة، والدولة العميقة التي تراقب كل صغيرة وكبيرة، ولا سيّما الشباب، المتطلع والساعي إلى التغيير، فهم في الغالب تحت النظارة، تحت الرصد، وتحت أعين الكاميرات، وعيون المخبر السرّي، تراقبهم حتى لو كانوا ينوون التحولّ من جنس إلى آخر، أو من ثورة إلى أُخرى، أو من طاعة ثقيلة، إلى أُخرى خفيفة، من هنا لمياء تقع عن طريق المصادفات، في كمائن الشرطة، فتُحجز تحت شتى التهم، تارة تحت تهمة الشذوذ، وأخرى تحت تهمة الهوية الشخصية، التي لم تكن تحملها لمياء/ حمزة معها لحظة وقوع حمزة الذي كان لمياء بطريق المصادفة، بيد الشرطة التي تفتش الشباب المرصود، بعد خروج تظاهرة صغيرة ضد السلطة، وتستوقف العابرين في السؤال عن أوراقهم الشخصية، ومن ضمنهم حمزة، الذي سعى والده إلى تغيير جنسه، من الأنثى لمياء، إلى ذكر باسم حمزة، ولكن الهوية الشخصية، وأوراقها المتعلقة بالتغيير، تأخّرت في المحاكم والقضاء، وهو الذي كان قد سبق له ان تعرض للتوقيف في مركز الشرطة سابقاً عن طريق الكلية، وأجهزة الرقابة فيها، التي تقف عند المدخل لتفتش الطلبة، هذا ناهيك عن قضية المُدرّسة “بادية” التي تعلقتْ بلمياء عندما اكشفت ميولها الجنسية، ذلك أنّ لمياء كانت تقترب من الفتيات الطالبات على مقاعد الدرس، بغية الاحتكاك، ومحاولات الالتصاق بهنّ، هذه المُدرسة، استدرجتْ لمياء إلى منزلها، من أجل المساعدة الدراسية، ولكنها جاءت بها لغرض مداعبتها، ثم النوم معها، لتشبع رغبتها بالسحاق مع لمياء/ حمزة فيما بعد.

 أنها المُدرّسة “بادية” التي تميل إلى الطالبات، القابلات للمساحقة، المُدرّسة الخارجة عن الذوق العام والقانون كانت لديها كاميرات، تصوّر من كان يذهب إليها من الطالبات لتواقعها، حتى انكشف أمرها، وقُتلتْ، لتداهم الشرطة بعد ذلك المنزل، وتصادر الكاميرات فتنتحر إحدى الطالبات سعيدة عبد الغني، التي كانت تحسب أن الكاميرات قد صوّرتها.

ثمة في الرواية المُحدّدة بالأزمنة الحالية، والمكان الذي هو القاهرة وأحياؤها، ومقاهيها، وشوارعها وجامعتها، والمحاكم، ثمّة شخصيات كثيرة، ولكنها ثانوية، كالأخت، والأم، والأب، وعميد الجامعة، وأستاذ التاريخ، والطلبة، سونيا، وإحسان، وهو شاب والصديق الروحي والمخلص للمياء أو حمزة، وعابدين، ومريد، ومحسنة، وسناء التي تحاول الإيقاع بالطلبة وتصويرهم، وابتزازهم لكي ينتموا إلى دائرة الدعارة، حتى لمياء/ حمزة ستقع ضحية الليالي التي كانت تقيمها سناء، ولكنها ستنجو منها، أي لمياء، بعد علم إحسان بذلك، فسناء الداعرة، كان لا يهمّها حتى انتحار ضحاياها، كما فعلت “نورا” عندما علمت بالمقلب، وجرم التصوير.

لعل المشكلة الأساس في أحوال وتقلبات لمياء/ حمزة هي مشكلة جنسه الذي لم يُحدَّد، حين يقع في مشكلات مع الشرطة، فالأخيرة لا تعرف مع من تتعامل، مع فتى أم فتاة، وفي حال حجزه، كما حصل في أحد فصول الرواية، أين ستضعه مع الرجال أم مع النساء، فحين يوضع مع النساء، وهو بزي الفتيان تخشى النساء منه في السجن، الذي يضم ما يجود به القاع السفلي من كائنات محتجزة بشتى القضايا.

 لعل المشهد الأخير في الرواية، يلخص مشكلات الدولة العميقة، فبعد أن تمّ استخراج هوية جديدة لحمزة كذكر، سنراه سجيناً في قفص الاتهام، وهو يرتدي زي النساء السجينات، وثمة القضاة والمحامي والدفاع وأمن الدولة، وتهمة حمزة الجديدة هي علاقته بالإرهاب، هنا ستنتهي الرواية قبل النطق بقرار الحكم من قبل أعضاء المحكمة.

وفي الختام ثمة هِنات فنية، ونحوية، وإملائية تخللت الرواية، ولكنها لا تقلل من أهمية الرواية وقيمتها الإبداعية،  ففي ص 201 يخلط المؤلف بين لمياء والدكتورة بادية فيقول “إنها محاضرة الدكتورة لمياء” والصحيح هو بادية، وفي ص235 “أنّ كاميرات شقة الدكتورة لمياء قتيلة حيّ الدقّي” والصحيح شقة الدكتورة بادية، وكذلك يسمي الدكتورة المُحاضرة في الصفحات 202 و 203  ببيداء وتارة أخرى ببادية، وترِد كلمة “شذراً” ص 347 والصحيح شزراً، فضلاً عن هذه الجُمل مثل “نحن حقّاً ناس ميسورين” ص 234 الصحيح ميسورون، وفي ص 223 “يمكن أنْ يشكّوا فيّ ويتساءلون” والصحيح يتساءلوا، وفي ص 203 “واندفعوا يحيطون به أولاداً وبناتٍ” والصحيح وبناتاً وفي ص 241 “أنه يمشي في التاسعة عشر من العمر” والصحيح في التاسعة عشرة، وفي ص 27 “أنتِ ذكّرتيني بذلك” والصحيح أنتِ ذكَّرتِني بذلك، وفي ص 262 و”بدءا في الدورة الأخيرة” والصحيح وبَدآ في الدورة الأخيرة.

إبراهيم عبد المجيد: “العابرة”

دار المتوسط، ميلانو 2020

 357 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية