الشعر العراقي الشاب: نموذجان يرسمان معاني الوقت

هاشم شفيق
حجم الخط
0

للشعر العراقي روافد لا تحصى، تأتيه من منابع عدة، أبرزها تاريخ الشعر العراقي الطويل، الحافل والممتد في عمق التجربة الإنسانية، والأسطورية. شعر متعدد الطرائق والأساليب والرؤى، ومترع بالأسماء الكبرى، منذ بدء عملية التخليق الأوّلى للحضارات البكر، ولذلك نراه يتجدّد على الدوام، ويحفل بالتجارب والعطاءات والمواهب الكبيرة، والأسماء المميزة، واللافتة، والمثيرة. أجيال ترفد أجيالاً متعاقبة وجديدة، وطالعة تخط ما تيسر لها من إشراقات شعرية، ومن نوازع وإرهاصات ودفائن رؤيوية، تقتحم بها عالم الشعر الواسع، والزاخر بالحركات، والتيارات والمدارس الشعرية، لتضيف لهذا النهر الكبير والجاري، أصدافها المتلألئة، لكي يظل لامعاً، ومضيئاً وجارياً، فوق أرض خصبة بالكلمات.

وعطفاً على ما تقدّم، سأتناول في هذا الحيّز، مجموعتين حديثتين لشاعرين شابين من العراق، ينتميان لجيل واحد نستطيع وفقاً لمراتب التحقيب الزمني، أن نقول إنهما يتحدران من أزمنة التسعينيات من القرن الفائت، ووفق هذا التحقيب يمكن نعتهما بالجيل التسعيني، كما هو حاصل في العراق، فثمة الأجيال، الستيني، والسبعيني والثمانيني، وربما التسعيني، إن صحت تسميتي، لمسألة التجييل، وحقبه الزمنية.

 الشاعران هما هادي الحسيني وباسم فرات، ذلك أنهما يلتقيان في تجربة شعرية وزمنية واحدة، تنضاف إليها تجربة المنفى، غبّ ترك العراق في تلك الفترة، من التسعينيّات، إبّان فترة الحصار، وهي فترة قد تجلت فيها التراجيديات العراقية المرعبة، على نحو مثير ومعتم.

أصدر الشاعر باسم فرات أكثر من عشر مجموعات شعرية، تخللتها مختارات شعرية منها، وثمة كتب نشط فيها الشاعر، وعُرف بكتابتها عن أدب الرحلة، وهو ما أهّله ليكون بين الأسماء المعروفة الآن في هذا الميدان من الكتابة، حتى نال بعد مثابرة فعالة، وعناء ملحوظ، ونشاط ملموس، جوائز عديدة، ضمن هذا المضمار الجمالي من الكتابة الإبداعية، أبرز هذه الجوائز كان الجائزة الأخيرة التي حصل عليها من عُمان، والمعروفة بجائزة قابوس، لأفضل كتاب في “أدب الرحلة” وهي جائزة قيّمة ماديّاً ومعنوياً.

تمتاز شخصية الشاعر باسم فرات بحس المغامرة والمجازفة، والخروق لما هو مثير وغريب وملفت في عالم الرحلة، فرحلاته لا تعد، وأفق مغامراته شاسع، ورحب وكبير، اقتحم فيه مناطق تعتبر للرحالة الغربيين خطرة، ومهلكة، وذات جوانب غير مأمونة، ولكن فرات اخترقها، واجتازها، وسجّل في ذلك نقطة لصالح تجربته الجوّابة، في هذا المجال الساحر، والحيوي، والحافل بالمطبات والعوائق والممرات المميتة.

 إنّ ميدان “أدب الرحلة” قد وسّع من أفق تجربته الشعرية، وجعلها ثرّة، وحافلة بالعطاء الشعري، كما أنه قد أغنى مسارها بالتنوع والتطلع والاختلاف.

يأخذ المكان حصة وافرة من مساحة مجموعته الشعرية “مبكّرا في صباح بعيد”، وكذلك الشخوص الذين يؤثثون المكان، كونهم هم من يعطونه هُويته، وهيبته، وسماته، من حيث أن الرحلة في مسيرتها لاستقصاء الأماكن، واستجوابها، وطرح أسئلة الرؤيا، تسعى إلى تخطي الثابت، والراسخ، والساكن، باتجاه المتحرك والانتقالي، وباتجاه جوّاب الآفاق، فباسم فرات حقاً جوّاب آفاق، شاعر ورحالة من طراز خاص، يذكر بالأوروبيين الأوائل من فرنسيين وبريطانيين وألمان، فهو لا يذهب إلى المكان لغرض النزهة والسياحة، والاستجمام، بل يذهب للاستكشاف، والبحث، والتنقيب الجمالي في قلب المكان، لاستخراج نوادره وتحفه المرئية والمخفية، لغرض شاعري بحت، وغواية تنضاف لثقافته، كيما تنوّعها، وتقوّي من زخمها، وترفدها بالجديد والغرائبي.

ولذلك نجدنا  نبحر معه في رحلة شعرية، نحو أمكنة كثيرة في مجموعته هذه، مثل دمياط المصرية والإسكندرية، والقاهرة، والخرطوم التي يقيم فيها منذ سنوات، وأيضاً يرد اسم مدينته كربلاء، وبغداد، والنجف، ومن جهة الشخوص وحضورهم في القصائد، يظهر الجد والأب والأم والخال وبعض الأصدقاء، هذا ناهيك عن النيل والفرات اللذين يجوبان المجموعة الشعرية، صعوداً ونزولا، تنضاف إلى ذلك كله، الذكريات البعيدة والقريبة، والمآسي التي مرّ بها، كالحرب والحصار، وحتى مقتل أبيه في حادث اجتماعي، وهو طفل، يتذكر جدّه النجار، وخاله، وجدّته التي اعتنت بتربيته وهو صغير.

 حين نتوغل في المجموعة أكثر، ونستبطنها ونغوص في تضاعيفها، سنرى أنها تحفل بالرموز والمجاز والكنايات والإشارات الدلائلية، فضلاً عن الصور الشعرية، تلك التي تشغل مساحات واسعة من القصائد، وإلى جانبها يبرز مرات السرد الشعري، والحكايات العراقية البعيدة، تلك التي كانت جزءاً من الماضي واللاوعي، تقفز إلى الوعي من جديد لتكون الموضوع الرمزي الذي يشكل الحالة الجديدة، المصوغة بحلة مختلفة من الكلمات، ففي قصيدة “رحالة وشاعر” تحاول القصيدة أن ترسم لنا هُويات الشاعر، المسافر، والمستكشف، والمتقصّي مذاق الأبعاد:

“المدنُ الألفُ لكزتْ أحلامَكَ على أبوابها

وفي أزقّتها،

للقادمِ من أيامِكَ ارتكبتَ ذكرياتٍ عريضة

في أعالي البحار،

أغرتك حورياته،

فنهلت بيديكَ منافيَ جديدة….

أفعى تتمدّد في نهر الأيام

تلدغ ظلال كلّ شيء،

عارياً نشرتِ المنافي أعوامَكَ سنيناً عدداً”.

وإذا ما هممنا بالخروج من عالم المدن، وأحوالها، ومسالكها، ومنعطفاتها التي كانت هدفاً لعين باسم الراصدة، ستواجهنا رزمة من البراهين الموحية، تلك التي تجلت في كتابته قصائد عن ناسه القريبين، وعن محيطه الحافل بالموروث العرفاني، والديني، والميثيولوجيات الصغيرة التي تخص الكائن الإنساني، ففي قصيدة “جدّي” يقول:

“على شرفات المدينة

شمسٌ تستيقظ على وقع أقدامِ جَدّي،

عائداً من صلاته،

حينها تكتظ أعمدة الكهرباء بالزقزقات”.

أما الشاعر هادي الحسيني، فيُقدّم في مجموعته الشعرية الجديدة “رحيل الملائكة”، وهي الثالثة له، يقدم رؤية مختلفة، وينحو باتجاه التوثيق الشعري، والفني والجمالي، بغية ترحيل الدلالة من العوام للخواص، أي الخروج من الموضوع العام إلى الخاص، وتأكيد المصائر الغائبة بالقرينة والبرهان، فهو حين يتحدث عن الحرب بشكلها الشامل، ينطلق من خلال واقعة صغيرة، من مشهد منزوٍ، أو من حدث يومي، ولكنه في الغالب له مسحة تراجيدية أو حدث محزن ومؤلم، كمشاركته جندياً مع آلاف الجنود، لكنه وحده يرى بعين أُخرى، وبمنظار مغاير للحوادث الحربية التي تقع في سوح القتال، ووحده يتحّسس المصائر الغائبة، في المجازر والمصائب الكبرى، مثل “مذبحة سبايكر” وغيرها من الخطوب والمُلمات، تلك التي أصابت وطنه العراق، وها هو يقول:

 “تصفعني الحربُ وأعيشُ كما الأموات

أفتّشُ عن أصدقاء فارقتهم

وعن أحبّة فارقوني،

لا أحد يسمعني في تلك الوحشة”.

وفي قصيدة أُخرى تتناول ذكرى الحرب، وما خلفت في ذاكرته من تصاديات مع الروح، وما جمعته له من جروح، وشروخ في أفق أيامه وفي مرآة مستقبله:

 “أشعل سيجارتي الأولى،

أستنشقُ منها دخان الحروب

وموتى مقطعة أوصالهم

وجرحى لم تنقذهم سيارات الإسعاف،

أستنشقُ رائحة القصف”.

وفي موقع آخر يقول عن الحرب ذاتها ومآسيها على الناس البسطاء والمهمومين، وكيف تترك على  أرواحهم الندوب، والوسم والعلامات الرمزية:

“امرأة ذابلة من شدّة الألم،

تتوارى خلف جبال الألم، منكسرة القلب،

لا تعرف سوى ظلام الزمن المر ….

وتلطم خدّيها بقوة،

 مثل امرأة ثكلى بزوجها الذي مات في الحرب”.

وعن شهداء “حي العامل” يؤرخ لهم في قصيدة “المقهى” وكيف يدخل الموت إلى المقهى مبتسماً، ليفجر حزامه الناسف. يصف الحسيني بعين شاعرية حركة الموت هذا، ذات وقت من أوقات الخريف، فالرواد جلهم من الشباب الذي يجد في المقهى متعته، بين مجموعة الأصدقاء التي تمرح وتشرب الشاي المعطر بالهيل، وجلهم يحلمون في ما بينهم، ولكنهم لا يعرفون أن الموت يترصّدهم لكي يقضي على حلمهم، عبر حزام يحمله مجرم، غاية تفكيره وخلاصته هو القتل المجاني.

هذا دون أن ينسى الشاعر الكتابة عن مدينته الجريحة بغداد، هذه العاصمة التي كانت محطاً للطغاة واللصوص والقتلة، وآخرهم الحكام الجدد في العراق، هؤلاء الذين فاقوا حتى المغول، والتتار، والفاشيست في أذاهم لهذه المدينة التاريخية، حيث الانتقام من أهلها أولاً، ومن انتمائها العربي ثانياً، وثالثاً الانتقام من جمالها المعهود، وبهائها الأسطوري الخالد، كونه يُعميهم ويُرعبهم هذ الضوء الأخاّذ، والوضّاء كالشعلة الأزلية، وفيها يقول:

“بغداد يا أمّنا التي ثكلتْ

وأصبحت كتلك التي لا ترى دجلة،

هذا حطامك، أيتها المدينة المدللة،

ها أنتِ مقيدة وتكابرين،

فيما معروف ابن عبد الغني البغدادي الرصافي،

كان أميناً على شارع الرشيد

ولم يغمض له جفن

وظلت قصائده الحامية للشارع

من اللصوص والقتلة على مرّ السنين”.

ثمة نغمة مختلفة، تنتسج بعض المطارح، وهي الغرابة في حياكتها لبعض القصائد، مما أضفت عليها ملمحاً من التموج السوريالي، المطبوع بالصورة الفانتازية، والتعبير الذي يحاكي بعض الشعراء الذين أحبّهم هادي الحسيني، مثل جان دمو على سبيل، وقد برز ذلك في أكثر من قصيدة، ولكنه كان الأطغى في قصيدة “التماثيل” كقوله:

“الريحُ ذُبحت قرباناً للأشجار المورقة من دمي،

حينها انتحرت المعادنُ في الأرض ….

قوّة العقل هذيانُ ثعلب مغلوب

والقلبُ العادلُ يوتوبيا….

التماثيلُ التي نُحتت من ظلال المجهول

تتقدم نحو كتدرائية القلوب”.

باسم فرات: “مبكّراً في صباح بعيد”

الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة الإبداع العربي، القاهرة 2019

80 صفحة.

هادي الحسيني: “رحيل الملائكة”

وزارة الثقافة، بغداد 2019

100 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية