بدأ الروائي الأمريكي إرنست هيمنغواي في حفر اسمه بدأب وصبر لافتين، منذ يفاعه وطلوعه المبكر، حتى وسمته الشهرة والعظمة والذيوع الواسع.
كان فتى صغيراً حين دخل مضمار الأدب، وعالمه المبهر والمتنوع، حيث ميادين القصة القصيرة والرواية، والمقالة النقدية والأدبية، والريبورتاج الصحافي. كان كاتباً نادراً، لا مثيل له، مغامراً ومخاطراً بحياته، ويخترق كل الصعاب والشراك والمهاوي، يتحدى وينجح في تحدّيه، يشرب ويدخن ويسهر، ويسبح، رياضي، متسلق جبال، متزلج على الثلوج، ملاكم من طراز خاص، مصارع ثيران، رحّالة وعاشق للسفر، مصوّر، صياد ماهر للطيور والغزلان والأيائل، وصياد سمك، وهو من النوع الصابر، والعارف بطبيعة صيدها، سائق زوارق، وسيارات وطائرات، لا يهاب الموت والطبيعة ومطباتها، يهوى سباق الخيول، ويُراهن عليها، فارس وسائس جيّد للخيول، مقامر ناجح، لاعب روليت ممتاز، كريم، شجاع، ومنافح عن القضايا العادلة، محارب، ومنحاز للإنسانية جمعاء، صديق الفقراء والأميرات والقادة، وصديق أيضاً للكلاب والنمور والأسود، هدّاف متمكن من هدفه الذي أمامه، ولذلك كان يُجرح ويسقط أحياناً، ويُصاب ويحصل على جروح وقروح، ومصائب، وبلاء، وديون، وله فضلا عن ذلك أصدقاء في كل مكان من العالم، ولا سيّما الأمكنة التي كان يتحرّك فيها في أوروبا والأمريكتين وأفريقيا. إنه شاعر، وقاص، وكاتب أدب رحلة، وسكير نوعي، يُحب الطعام ويعشق النساء، والكتب، وباريس ونيويورك وإسبانيا وهافانا. تزوج ثلاث زيجات وأنجب ولدين. وهو مُحاور ومُحاضر ويتقن لغات من أجل التحدث بها حيثما يكون، صعب مرات ومتسامح مرات مع الناشرين، ومسؤولي الصحافة، ومرّوجي كتبه، يقول الحقيقة على الدوام، ولا يلتفت لما سوف يحصل فيما بعد، يقول رأيه ويدافع عنه، شرس، وعنيف ومُشاجر، ولكنه إلى جانب هذا يبدو في منتهى الرقة والحب والبهجة، حين لا يقف في دربه أحد ويحاول أن يعيق مسيرته، يمضي أحياناً في طريقه من دون عوائق، وأن وجدها فإنه يعرف كيف سيتكفّل بها، يحلها بأناة، ودقة، بدون أن يقدّم خسائر نفسية كبيرة، يتعب أحياناً ويمرض ويخور، ولكنه في نهاية المطاف ينهض، يثب، نشطاً، مرحاً، متوهّجاً من جديد لمواصلة المسيرة.

الروائي الأمريكي إرنست هيمنغواي، حائز جائزة نوبل، كتب روايات كلفته حياته كلها، منذ كان فتى صغيراً يكتب المقطوعات الشعرية والقصص القصيرة وينشرها في مجلات أدبية، وحتى قبل رحيله المأسوي، منتحراً ببندقية صيد، في منزله بهافانا، كان يفكر بالقصص الجديدة والرواية الجديدة. جل أعماله الروائية تحولت إلى السينما، مثل رواياته الذائعة “وداعاً للسلاح” و “الشيخ والبحر” و “لمن تقرع الأجراس” و”الشمس تشرق أيضا”.
حياة حافلة ومليئة ومترعة بالوقائع، والأحداث الكبرى والصغرى، حروب، ومجازفات، فهو مرشد ومسعف طبي، مساند للثورات وللثوار الإسبان ضد فرانكو الديكتاتور والطاغية، صديق فيتزجيرالد صاحب رواية “غاتسبي العظيم” الشهيرة، وصديق جيمس جويس صاحب رواية “يوليسيس” المعروفة، و صديق ملازم لإزرا باوند الشاعر، وصديق مخلص للرسامين، وللممثلات والممثلين، والمخرجين السينمائيين، والناشرين الذين يرحبّون بما يكتب وينشر من روايات وقصص، كل هذا سنجده ونعثر عليه في رسائل هيمنغواي، التي ترجمها الشاعر والمترجم المصري عبد المقصود عبد الكريم.
تحضر في الرسائل أسماء شخصيات لعوائل وأقرباء وأهل وجيران، هذا فضلاً عن أسماء لكتاب عديدين، مهمين وعابرين، أصحاب دور نشر، أصحاب مجلات وجرائد وجوائز، أسماء محرّرين للكتّاب والروائيين والقصاصين، أسماء مشهورة وأخرى مغمورة، أسماء لمصارعي ثيران وملاكمين وشعراء، أسماء لاعبي خيل، وسائسي خيل، وأسماء مقامرين، وبائعين، ومزارعين، وتجار، تعجّ الرسائل بالتفاصيل الشخصية للعديد من هؤلاء، الذين مرّوا في حياته وتركوا شيئاً من الذكريات، والأحلام، والأقوال، والطبائع، والمسرّات، وكذلك الخيبات والمصائب والمشاكل العويصة.
رسائل هيمنغواي التي كان يوصي بعدم نشرها، غزيرة بمعلوماتها، وهي شبه دليل، وكشاف، وموسوعة لعالم مضى عليه قرن كامل، فهي تبدأ منذ كان في الثامنة عشرة، أي في عام 1917 وصولاً إلى الستينيات من القرن الماضي، ولهذا نجدها تغص وتكتظ بعوالم كبرى من التحولات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، فهو عاصر أحداث حربين عالميتين الأولى والثانية، وتطوّع للدفاع عن الجمهورية الإسبانية، وتطوع خلال الحرب العالمية الأولى كمسعف للجرحى ومقاتل أيضاً. فهيمنغواي يهوى الجوانب الإنسانية، والبطولات والخوارق، لا يأبه لحياته مقابل الدفاع عن رأيه، أو رأي الآخرين، يتحامى في الدفاع عن المظلومين، والخائرين، والمهزومين، وشخصيته محبوبة عالمياً، وثمة من اقتفى خطاه متأثراً بنهج كتاباته، وحياته المتنوعة، والمختلفة عن حياة الآخرين.
كان لهيمنغواي الكاتب والروائي والقاص، وكاتب المقالة الصحافية، وناقد الكتب في المجلات والصحف، أسلوبه الفريد والمغاير لكتاب زمانه، أسلوب تمتع بقِصَر الجملة والتكثيف والإيجاز، والتعبير الرشيق والأنيق والمميز، ولو نظر القارئ ودقق على سبيل المثال في روايته “الشيخ والبحر” التي نال عليها حسب خبراء الأدب، جائزة نوبل للآداب، لوجدها قصيرة، معدودة الصفحات، ولكنها مكثفة وموجزة ومختصرة في كل تعبير وصورة ورأي ومثال، وبذا أصبح أسطورة الأدب الرفيع، فهو غير هنري جيمس وبلزاك وفيكتور هوغو وغيرهم من العمالقة الذين سبقوه، لقد اختصرهم بالشدِّ والتنقيح والتشذيب، يتحدث عنه تلميذه هوتشنر الذي كتب سيرة حياته تحت عنوان “بابا هيمنغواي” أن همه كان يتركز على الاختصار والحذف، ليس إلا، يقص مقصه القصة حتى تقصر، ويقص الرواية الطويلة المتكونة من 500 صفحة ليختصرها إلى النصف أو الأقل من ذلك.
انطلاقاً من هذه التمايزات والمتغيرات والانتقالات الفنية والجمالية والتعبيرية، نجد الرسائل لديه عبارة عن قطعة أدبية، تحوي المعلومة، والفكرة، والتصميم والإرادة، وتحتوي على الزمان والمكان أيضاً.
ومنها سندرج بعض النماذج، فمن رسالة مبكرة إلى والديه كتِبت في عام 1918
“أبي وأمي من المؤكد أنني سعدتُ بتلقي رسالة منكما، كل شيء يسير على ما يرام هنا، يتساقط المطر بشدة الآن وكان يتساقط طول اليوم، أرتدي معطفي القديم، أرفع الياقة إلى أعلى وأترك المطر يتساقط، طول هذا الأسبوع كنت أعالج مسألة التجنيد، وأكتب قصصاً عن الجيش، والبحرية، ومشاة البحرية البريطانية الكندية، ومؤخراً سلاح الدبابات الجديدة، أرفق قصتين من قصص الدبابات”.
وفي العام ذاته يكتب لأسرته بعد أن ذهب إلى إيطاليا برتبة ضابط بعد تخرجه وجُرح هناك “آمل ألا تكون البرقية قد أزعجتكم كثيراً لكن الكابتن بيتس أعتقد أن الأفضل أنْ أُبلغكم قبل أنْ تعرفوا من الصحف، أنا أول أمريكي يجرح في إيطاليا، وأفترض أن الصحف كتبت شيئاً عن ذلك، المستشفى ممتاز وفيه حوالي 18 ممرضة أمريكية يرعين أربعة مرضى، كل شيء رائع وأنا مستريح جداً، وأحد أفضل الجراحين في ميلانو يعتني بجروحي، ما زالت في الداخل شظيتان، رصاصة في ركبتي، أظهرتها أشعة أكس”.
تزوج هيمنغواي في عمر الثانية والعشرين، وقد كتب رسالة إلى أخته التي يحبها كثيراً حول هذا الأمر قائلا: “مرفق صورة لهادلي في فستان الزفاف، لكنك أختي، أليس كذلك؟ يا إلهي سأكون سعيداً برؤيتك هنا في هذا الزفاف يا أعز طفلة كبيرة”.
الروائي الأمريكي إرنست هيمنغواي المشغول دائماً بأعماله، ووقته، ورياضته، ومتعته، وكتابته، وقراءته، قد تزوج ثلاث مرات، يذهب مع زوجته الأولى حين يترك إيطاليا إلى بلدته في أمريكا، وهناك يقرر الحياة في باريس والعيش من خلال مهنته التي لا يتقن غيرها، الكتابة. يصل إلى باريس نهاية عام 1921 صحبة زوجته الأولى هادلي، لاعبة التنس والعازفة الموسيقية.
في باريس وهو في الثالثة والعشرين من العمر، يكتب رسالة إلى صديقه شرود أندرسون عن صديقه الشاعر إزرا باوند “أخذ باوند ست قصائد من قصائدي وأرسلها مع رسالة إلى سكوفيلد ثاير، ربما سمعت عنه، يعتقد باوند أنني شاعر رائع، أخذ أيضاً قصة لمجلة ليتل ريفيو، أُعلّم باوند الملاكمة بنجاح ضئيل، فهي رياضة تجعله يخاطر بوقاره وسمعته النقدية في شيء لا يعرف عنه شيئاً. أنه رجل رائع حقّاً، باوند بلسان لاذع ولطيف، كتب مراجعة جيدة عن عوليس لعدد أبريل من الدايل”.
يقصد هيمنغواي هنا في هذه الرسالة رواية “عوليس” أو “يوليسيس” للإيرلندي جيمس جويس الكاتب الشهير.
ثم يكتب إلى صديقه الروائي الأمريكي فيتزجيرالد الذي كتب “غاتسبي العظيم” وحقق شهرة كبيرة من خلالها، خصوصاً حين تحولت الرواية إلى فيلم هوليوودي، ودرت عليه الكثير من الأموال، بعدها انتقل إلى الجنوب الفرنسي في الريفييرا، ليواصل الكتابة هناك، بعد أن لحِق بزوجته زيلدا مرض نفسي:
“سعدت بتلقي رسالتك، وسعدت بملاحظة أنك كنت في العربة، آسف كانت رسالتي متعجرفة، كنت تتحدث عن عدم تقديرك للمقالات النقدية، إذا لم تكن مناسبة لأغراض عملية”.
ثم يكتب إلى محرّر كتبه ورواياته ماكسويل بركينز رسالة حزينة قائلاً فيها: آمل العودة إلى كي ويست صباح الثلاثاء والعمل في الكتاب مرة أُخرى، أطلق أبي النار على نفسه، لا أعرف إن كان الخبر في صحف نيويورك، لم أر أي صحف، كنت معجباً جداً به، وأشعر بأسى شديد نتيجة ذلك، ذهبت إلى أوك بارك لفترة طويلة لترتيب الأمور، كانت الجنازة عصر السبت، أصلحت كل الأمور”.
وبذا تُعد رسائل هيمنغواي المترعة بالأسرار، والنوادر، والحكايات، والمشاغل، والأسفار الدائمة، بمجلديها الضخمين، تحفة ترجمية نادرة.
إرنست هيمنغواي “الرسائل” الجزء الأول
ترجمة عبد المقصود عبد الكريم
دار آفاق، القاهرة 2019
702 صفحة.