أورهان باموق في روايته “الحياة الجديدة”: إحياء الحياة عبر شعاع من كتاب

هاشم شفيق
حجم الخط
0

إن عالم الدأب والمثابرة والكتابة الدائمة، إضافة إلى الموهبة، ذلك ما يحقّق الوصول إلى الشهرة والذيوع والانتشار، ومن خلال ذلك قد يتوصّل كاتب ما إلى مراده وتطلّعه وهدفه المحلوم صوب ما كان يسعى إليه، وهو يخطو أولى خطواته الإبداعية والتعبيرية في ميدان الكتابة الروائية. كل ذلك سيتم بعد غزو جهة المتخيّل، إلى حيث الابتكار، والكشف الفني، اللغوي والخيالي والأسطوري، فهنا يتعايش العالم الواقعي مع الخيالي، لينتجا المُبهر والمُختلف والمُثير في مصنع الرواية، ومشغلها المتعدّد، والمتكاثر، والمتراكم، بفضل الصنيع المتقدّم كل يوم في هذا الميدان الجميل، الميدان الذي يحمل ميّزات الشعر، والنثر والفن، وملامح من النسق السايكولوجي، والتركيبي من التاريخ البعيد، والتاريخ القريب والحاضر، حيث اصطراع الإنسان مع محيطه الاجتماعي، وتشابكه مع واقعه وحاضره اليومي، المليء بالتفاصيل، والمنحنيات، والمتشابكات، من الرؤى، والأحلام، والأوهام، والمشاغل الإنسانية.

لعلّ كلّ هذه المؤشرات، والمراسم والغايات هي التي تدفع الخلاق، والمبدع، والفنان لأن يتخطى كل هذه المواضعات، من أجل إحياء الحياة، ومحاولة دفعها إلى التخليق، والارتقاء بواقعها إلى الفراديس، والعوالم المتخيلة، وتقديم الحياة الأخرى الكامنة في الرواية، وهذا ما يؤكده العمل الجديد للروائي التركي أورهان باموك في اجتراح “حياة جديدة” موازية لحياته العادية والروتينية.

نال الروائي التركي الشهير باموق لمثابرته وجهده الخلاق في عالم الرواية العالمية، جائزة نوبل على صنيعه الذي قدمه للأدب العالمي والإنساني، وكان ذلك في عام 2006. وهو من مواليد اسطنبول سنة 1952 ويتحدّر من عائلة تركية مثقفة، وشبه أرستقراطية. درس العمارة والصحافة، قبل أن يتجه إلى الأدب والكتابة، ويعد أحد أهم الكتاب المعاصرين في تركيا، وترجمتْ أعماله إلى 34 لغة أجنبية، من بينها العربية، وله قرّاء ومتابعون، ومحبّون في أكثر من مئة بلد غير بلده تركيا.

 في عام 2003 وكان ذلك قبل نيله جائزة نوبل، صرّح باموق لمجلة سويسرية بأنّ هناك “أكثر من مليون أرمني وثلاثين ألف كردي قتلوا على هذه الأرض، لكنّ لا أحد غيري يجرؤ على قول ذلك”.

تكشف رواية “الحياة الجديدة” عن واقع شخص يدرس الهندسة، ويقرأ كتاباً اشتراه من باعة كتب الرصيف مصادفة، وحين يبدأ في قراءة أولى صفحاته تبدأ الحياة تتغير أمامه، وهو من خلال قراءته لصفحات الكتاب، يجد أنه بات يتغيّر، وأنه أمسى يعيش حالة من الواقع الآخر، واقع سيُهيمن عليه، ويجعله شخصاً مختلفاً، فتطرأ عليه التغيّرات والحالات الجديدة، فيرى إلى نفسه قد تبدّلتْ، وراح يلاحظ شخصيته كيف بدت مختلفة عن السابق، يشوبها القلق والهواجس والوسوسات “قرأتُ كتاباً في يوم ما فتغيّرتْ حياتي كلها، من الصفحات الأولى شعرتُ بقوة الكتاب … إلى حد اعتقادي بأنه ثمة ضوء يتدفق من الكتاب، أنه ضوء يعمي عقلي ويجعله متلألئاً، في آن واحد، أعتقد بأنني سأعيد بناء نفسي مع هذا الضوء، وشعرتُ بأنني سأنحرف عن الطريق، مع هذا الضوء، وأحسستُ بظلال حياة سأعرفها وأقترب منها فيما بعد، كنت أقلّب الصفحات، وراء الطاولة، وبزاوية من زوايا عقلي أعرف أنني جالس، وأنني شعرتُ بأنني غير مستعد ومأزوم إزاء ما سيقع لي، فأبعدتُ وجهي عن الصفحات بتصرّف غريزي وكأنني أريد حماية نفسي من الضوء المنبعث من الكتاب، حينئذ شعرتُ متوجساً بأن الحياة من حولي تغيّرتْ من قمتها إلى قاعدتها، وسيطر عليّ شعورٌ بالوحدة لم أشعر به من قبل، وكأنني بقيتُ وحيداً في بلد لا أعرف لغته وعاداته وجغرافيته”.

في سياق الرواية التي تشي بتحوّلات الإنسان، إزاء حياته وتاريخه الشخصي، ستقع لبطل الرواية الذي يتحدّث بضمير المتكلم حوادث غريبة، والشخوص الآخرون هم مُكمّلون لعمل هذه المَهِمّة، تلك التي سوف يقوم بها الراوي العليم، وهو الشخصية المركزية في الرواية، في محاولة البحث عن المؤلف على ما يبدو، وهذه المحاولة هي سفر أيضاً في عالم الوجود، وتوغّل في خفايا الكائن الإنساني وأسراره، ورحيل في كينونته البشرية ومصيره، في عالم يسوده العبث، والتخيّلات الغرائبية، والتهيؤات، والمنافذ الداخلية للوعي الباطن.

يدخل المهندس وهو الراوي، والبطل في آنٍ، في عالم متشابك من الشك واليقين، بوجود عالم آخر غير هذا الذي يحيا فيه، وكل هذا يتولد من شروح الكتاب عن الحياة الأسطورية الأخرى. له صديقة اسمها جانان يشرح لها رؤيا الكتاب، فتتفهم الأمر وكأنها قد قرأته، أو سمعت به، أو تعرف أحداً غيرها يعرف المؤلف، ولكن ثمة عقبات تواجه كل من يقرأ الكتاب، هي القتل، فثمة من يعرف القراء، وكأن هناك عيناً رقيبة تراقب من يقرأ الكتاب ويقتنيه ويشتريه، وكأن جانان المتيّم بها المهندس حدّ الغياب والتلاشي، جرّاء الحب الذي يكاد يعصف به أيضاً، من خلال قبلة جانان التي منحته إياها وجعلته أسيراً لها، أسيراً لعالمها وتابعاً لحبّها اللاهب الذي ورَّثته له القبلة.

كان يدور بينهما حوار حول الكتاب، هو معجب بعالم الكتاب، وهي لديها اطلاع عليه وتعرف سرّ قراءته، لمن هو مأخوذ مثله بخفايا الكتاب، فقال لها “تغيّرتْ حياتي كلها بعد أنْ قرأت الكتاب، غرفتي وبيتي وعالمي الذي أعيشُ فيه، شعرتُ بنفسي أنني مشرد في عالم غريب، قولي لي ما يجب أن أعمله لكي أطأ ذلك العالم، اشرحي لنا سبب استمرارنا هنا حتى الآن، كيف يمكن لهذا العالم أنْ يكون مألوفاً مثل بيتي، وكيف أنّ بيتي غريب مثل العالم كله، إشرحي لي هذا”.

وأضاف لها هُيامه بما استحوذ عليه، وجعله عبداً للكتاب، يتبع سطوره، ووصاياه، ورؤاه السرّية والداخلية فيقول: “أعمل كل شيء من أجل إيجاد العالم الذي في الكتاب” فتردّ هي عليه وقلبه يخفق بالحب والجمال المجسّد في جسد جانان التي بدأ يسمّيها حين قرأ الكتاب بملاك، أو يا ملاكي لتسأله “ما هي الأشياء كلها التي يمكنك أنْ تعملها” فيجيب “لا أدري لماذا خطر ببالي السفر الطويل، الطويل جداً إلى حد عدم انتهائه، والمطر الأسطوري غير المتوقّف، والشوارع الضائعة، المفتوحة كلها على بعضها البعض، والأشجار المكدّرة، والأنهار الطينية، والحدائق والبلدان، إذا احتضنتها يوماً ما فعليَّ أنْ أذهب إلى تلك البلدن” فتقول له: “هل تأخذ الموت بعين الاعتبار مثلاً؟” فيجيب “آخذه “… وتضيف” حتى لو علمت بوجود من يقتل قرّاء الكتاب؟”.

بعد ذلك تتغيّب جانان عن لقائه، فيقع فريسة الحب والالتياع والشوق المضني، الشوق من أجل الظفر بها، والتسامر حول الحب وشؤون العالم، فيذهب إلى الجامعة حيث تدرس هناك، ولها زميل اسمه محمد كان قد قرأ الكتاب، وسافر إلى ذلك العالم الذي يشرح الكتاب، وهو عاد من ذلك العالم “وهو مؤمن بأن آخرين يمكن أن يؤمنوا بالكتاب ويذهبوا إلى هناك، فهو عاش أحداثاً رهيبة وفقد إيمانه”.

وحين يلتقي الراوي بمحمد عند إحدى القاعات في الجامعة التي يدرس فيها الراوي أيضاً وله زملاء مثل جانان ومحمد قارئ الكتاب، سوف يسأله:

“سمعتُ أنك قرأت الكتاب، ماذا وجدت فيه؟”

“حياة جديدة”

“هل تؤمن بهذا؟”

“أؤمن”.

قال “انتبه، اسمعني، أنا أيضاً آمنت، أعتقدت أنني سأجد ذلك العالم، ركبتُ حافلات، ونزلتُ من حافلات، وتجوّلتُ في المدن معتقداً أنني سأجد ذلك البلد وأولئك الناس وتلك الأزقة، صدقني أنه لا يوجد غير الموت في النهاية، إنهم يقتلون الناس دون رأفة، يمكن أن يكونوا يراقبوننا الآن”.

لكن الراوي الهائم بأجواء الكتاب وعوالمه السحرية، لم يرضخ لما حكاه ورواه له محمد، صديق جانان، فهو يرى أن عالم الكتاب يناديه، لكي يخترقه ويحقق الوصول إلى حلمه، وهدفه في العيش، وفق حياة مختلفة ومتغيّرة، وفيها الناس مختلفون، فيعتزم السفر والرحيل، بغية البحث عن ضالته المنشودة، والضائعة في السفر، والترحال والبحث عن البلاسم لعلاج الخيال، والروح، والبصيرة، التي يكاد الضوء أن يعميها، ويعمي معها البصر، من خلال الضوء المتدفّق من صفحات الكتاب.

فجأة تغيب جانان حبيته المغرم بها عن حياته وعن الجامعة، فيذهب بعد رحلة مضنية إلى أهلها متسائلاً عنها، هو أيضاً يصيبه السأم والوحدة، وعدم المبالاة، في مواصلة دراسته في قسم الهندسة، وليس له من عزاء سوى اللقاء بأمه كل مساء، تلك الأم التي تحضّر له الطعام وتغسل ملابسه، وتعتني بشؤونه اليومية، هناك أيضاً العم رفقي كاتب قصص الأطفال والموظف في السكك الحديدية وزوجته الخالة رتيبة، وهم من سكان الحي الذي تسكن فيه عائلته، إلى أن يجد نفسه بعد مسيرة من العناء، أنه قد سافر “ركبتُ في حافلات، ونزلتُ من حافلات، ونمتُ في حافلات، ونزلتُ في بلدات، وذهبتُ طوال أيام إلى داخل الظلام، وقلت لنفسي: يا لحزم هذا المسافر الشاب المتجرجر على الطرقات التي ستؤدي به إلى أعتاب ذلك البلد المجهول!”.

أورهان باموك: “الحياة الجديدة”

 ترجمة عبد القادر عبد اللي

دار المدى، بيروت 2019

288 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية