“على خاصرة الأرض”: التجليات العرفانية في أشعار المصري رفعت سلّام

 هاشم شفيق
حجم الخط
0

الشاعر رفعت سلّام أحد أبرز الأسماء الشعرية التي ظهرت في حقبة السبعينيات في مصر، وهي حقبة نشطة ومتحركة وتجديدية في عموم العالم العربي، ولا سيّما في بلدان منشأ التحقيب الزمني، مثل العراق وسوريا ومصر، فالجيل السبعيني وهو جيل مخضرم، عاصر الرواد والستينيين، وحتى اللاحقين من بعدهم كالجيل الثمانيني إن صحت التسمية، وصولاً إلى الأجيال الحديثة.

برز إلى جانب الشاعر رفعت سلام، شعراء آخرون عاصروه، وشكلوا بوجودهم ورؤاهم وتطلعاتهم الشعرية والثقافية والأدبية، منبراً أنار مسارهم الجمالي، ووضّح نهجهم الفني، فأسسوا من خلال طموحهم التعبيري والفني، مجلات وتجمعات ضمتهم، وأوصلت أصواتهم لجل المعمورة الشعرية العربية، شرقها وغربها، ساعين من خلال ذلك إلى تأكيد المساق المختلف والنسق المغاير للعوالم التي سبقتهم، طارحين الكثير من المعالجات التصويرية والتجارب الرؤيوية والمزايا الشكلية، بكل أنسقتها وتشكيلاتها وتعبيراتها، ليكونوا هم أنفسهم في النهاية، يَصْدِرون عن الجديد والمختلف، مهما رافق هذا التجديد من صور خارجة على الذائقة العامة، والتصور المعهود، وربما شابها بعض التراحيل الغامضة من الشعر الأجنبي، ذلك أنهم كانوا متلهفّين لتلقي ما جادت به القرائح البعيدة، الأوروبية والغربية، وما دفعت به موجات الحداثة من تحولات فنية على صعيد الشكل والمحتوى، خلال مسيرتها التي تجاوزت الخمسين عاماً.

من هنا سنجد بعض تلك التجليات البنائية متوافرة في هذه الأشعار التي بين أيدينا، وهي مختارات شعرية تمّ اختيارها من بعض مجاميعه الشعرية اللافتة، في مسعى لإعطاء صورة تقريبية لأهم مميزات هذا الشاعر الدؤوب، شعراً وترجمة وكتابة أدبية، تقع في مفهوم الشعرية، ومدارسها وتياراتها النظرية.

 في مفتتح المختارات نقع على قصيدة مدوّرة، كتبت على نسق تدويري، تتلاحق فيها الكلمات لتوصل الصورة بالأخرى، أو بالأحرى لتوصل محطة بأخرى، عبر قطار يرحل صوب بلدة “منية شبين” كما يوضح ذلك العنوان، وكأننا نجد أنفسنا في حالة دائرية، بين عجلات القطار التي سوف تبدأ بالتحرّك والدوران، وبين صفارة ستطلق الإشارة، دلالة الرحيل صوب المكان المعني، وهو يلتم على كمية من الدلالات والصور التعبيرية، فهناك القطار، سوف يمضي في رحلته إلى بقعة ريفية بعيدة، كما لمسنا ذلك في التدفق الصوري للمعاني الواضحة، والمترابطة مع بعضها، في حالة من الدوران الجامعة للتفاصيل والمَشاهد والتشاكيل العينية، حيث صورة القطار وحركته تشي وتدل على المغزى:

“ترحل القطارات للشرق بالأبناء لكن لا تعود… القطاراتُ الرحيلُ، اللوعة، الأبناءُ للحرب، مناديلُ الأمهاتِ، الصبية، الفتياتُ، السوادُ، الرصيفُ المقفرُ الخالي، نشيجُ بائعُ الكولا، مواءُ القطةِ، نظرة الدهشة من عين المدينة، المحطةُ، الأوراقُ طائرة من السلة للأسفلت، ضوءُ الريح يأتي من بعيدٍ، دقّة الساعةِ، صفارة البدءِ، صوتُ العجلاتِ”.

إذاً نحن أمام قطار ذاهب للقرية، وثمة جلبة وحركة وتفاصيل الغادين والرائحين والراكبين والواصلين، إلى جانبهم هناك أبناء للحرب، وقل هم جنود يذهبون للحرب ويعودون قتلى، وفي القرية ريح تبكي وسواد، وصراخ ونداء، والجو المحيط هو:

“الغبارُ، الجلابيبُ، الطواقي، رحلة العودة، صرخة مكتومة، سربُ الحمام، يطيرُ للشرق البعيد، سنابلُ القمحِ، الصغارُ، حوائط الطين، النخيلُ، التوتُ، صمتٌ صارخٌ، ظلمة القرية، الحارةُ البابُ الخشبيّ العتيق، الجرار المقلوبة، الصمت، السوادُ، الطرحة الباليةُ، بكاء”.

تتجلى في المشهد هذا النقلة الأخرى، وهو المكان الآخر حيث البيت، جلابيب، وجدران، وهناك الباب الخشبي العتيق والجرار المقلوبة، إلى جابنها صمت وطرحة وبكاء، نحن إذاً في البيت الريفي، والحمام ذاهب باتجاه الشرق، وبعد ذلك يظهر المشهد الثالث وهو ينطوي على جو العزاء الذي مهد له الشاعر بمشهدين سابقين متحرّكين، وديناميين يواصلان ربط الحركات والنقلات الفنية الواحدة بالأخرى، لهذا سنرى:

“مأتم القرية، أفواج المعزّينَ، انتظارٌ، تكنس الريحُ الحواري والأزقة، تخلع الفتياتُ أثوابَ الزفافِ، وتلبسُ القرية أحزان الحقول، وترحل الآن”.

لقد أتم الشاعر المشهد بالحركة، تحرك المشهد عبر الزمن، لتكون خاتمة هذا المشهد بلبس القرية أحزان الحقول وتهيئة نفسها للرحيل.

حين نخرج من المشاهد التفصيلية سنلم بإشراقات رفعت سلام، وهي إشراقات الباطن، وصوغ الروح، وحياكة ما يحتويه الداخل من المعاني، وما ينطوي عليه من الرموز المكللة بالاستعارات المديدة، والمتعدّدة والكثيرة. والإشرقات هنا هي نزوح نحو معارج عرفانية، نحو التشريق الصوفي، والتهدّج الباطني والهرمسي، وهو نسق ينبني ويقوم على الإيماضة الإشارية، والزيح المعنوي، لنعثر بعد ذلك، على بُعد مظلَّل يسوده الغبش، وبعد مضلِّل يعتريه الضياع والتيه والفقد الدال.

ففي قصيدة أو مقطع من الإشراقات، وهو يقع تحت عنوان “وقت” بعثر الشاعر الكلمة، وهي كلمة دالة لدى المتصوفة البغداديين، كالحلاج والنفري والجُنَيْد، وهي من كثرة استخدامها لدى أدونيس تكاد تبلى، فلقد اتكأ عليها أدونيس طويلاً وانتحل الكثير من الرؤى الصوفية البغدادية في أشعاره، وهنا أخص ديوانه “وقت بين الرماد والورد” و”مفرد بصيغة الجمع” وقبلهما “أغاني مهيار الدمشقي” لكن بعض الشعراء العراقيين والعرب وتحديداً السبعينيين، حاولوا أن يردّوا الاعتبار لهذه الكلمة القيمة والثرية، فأسبغوا عليها أبعاداً أخرى ومختلفة، ومنحوها أفقاً متحوّلاً، ذا مرامٍ ومغازٍ ومقاصد جديدة، فالوقت الأدونيسي هو غيره لدى الشاعر العراقي والسوري والمصري، وقت أدونيس ذاتوي، أنوي، فضاؤه ضيق، أفقي، وغير عمودي، رغم استنزاحه من تجارب العرفانيين القدامى، وهو مهلهل، فضفاض، لا يدل، بينما هو عند الشعراء العرب كمحمود درويش في “الجدارية” والسياب في “أنشودة المطر” على سبيل المثال لا الحصر، الوقت لديهم نراه متحوّلاً باتجاه أزمنة عدة، ومتخذاً صفة دهرية. وأحسب أن التجريب السبعيني، وبحثه في الأشكال والأنسقة الشعرية العالمية، قد أعطى للتجريب السبعيني العربي منافذ تتنافذ مع التشكيلات البصرية ذات البعد التشكيلي، وهو سيغدو هنا الزمن الفني، فالرسوم والرموز والإشارات ذات المنحى الصوفي، الحلاجي كما هو موجود في كتاب “الطواسين” للحلاج التي سعى اليها شعراء كثيرون مثل حلمي سالم وخزعل الماجدي ورفعت سلام في مجموعته “حجر يطفو على الماء” التي ضمتها هذه المختارات، هي نوع من التميمة، نوع من الأحجبة الرؤيوية، تلك التي تسبغ على النص هالتها العرفانية، وتمنح القارئ لقية خيميائية، ذات مفهوم رمزي، مترع بالتشكيلة البصرية وترسيمتها الزاخرة بالتمائم البصرية، والمرفقة بالعمل كدليل لإضاءة المحتوى والتبليغ عن الجوانية الداخلية للنص.

من أصفى ما تحمله هذه المختارات مجموعة “إنها تومئ لي” لوقوعها في سياق التبتل الشعري، غير الملتبس بالتجنيس، والمشغول بالجنوسة ومطباتها، وغير المحتكم للمعطيات العرفانية، إنه في الحقيقة أفضل ما موجود في المختارات، لاندراجه في سياق الشعر النقي، ذلك المحكوم بالكثافة والتقشف في القول الشعري، والمشغول بالتهذيب البنائي، كقوله:

“ماجت هنيهة وفرّتْ

وفي يدي رمادها

استلقى ونام،

لا طائر النسيان يأتيني

ولا تواتي طعنة السلام

في انتصافٍ آسنٍ ألوبُ

مثلما حجرٌ على زمنٍ،

نعاسٌ على غابات الكلام،

فرتْ وفي يدي

شبَّ الحطام”

وفي السياق ذاته ثمة مناجاة للمرأة البعيدة وغير الماثلة، تظهر في أكثر من قصيدة، لا بل في جل هذه المجموعة التي تبدو من عنوانها مكرسة لها، لتلك التي تشغله بالإيماء والإشارة:

“نظرة أخيرة،

شمسٌ تحتسي شاياً،

رياحٌ تنامُ في فراشي،

وغيمة تحت الوسادة،

نار تصعد الجدار،

أشياءُ صغيرةٌ تومئُ لي،

وعلبة السجائرِ خاوية

فأمضي”.

حاولت هذه المختارات رصد المسار الشعري للشاعر، في كل مناقبه وتطوراته وتحولاته الشعرية، منذ بدء مشواره، وحتى السنوات الأخيرة التي انطوت على مجموعاته الجديدة واللاحقة، مما أعطت صورة واضحة عن جلّ ما قدمه الشاعر في مسيرته الشعرية، هذه المسيرة التي تجاوزت الأربعة عقود، وبيّنت في الوقت ذاته، انعكاس التلاقح بين شعره وترجماته، وهذا ما أدى إلى تشعّب المساق العام لشعره ومروره في تقنيات وتشكّلات وروافد مختلفة، ساهمت دون شك في إغناء قصيدته، ووسمتها بروح الحداثة، تلك التي انشغلت بالتجريب والتقنيات التشكيلية، دون أن ينسى الشاعر بالطبع تاريخ الشعر العربي، ولا سيما المتمثل بالجانب الصوفي منه، فكلمة “إشراقات” على سبيل المثال، لها دلالتها في التجلي الصوفي، ومنابته النورانية، ولها تناصّها الساطع مع مساق الشعر الأوروبي، كإشراقات رامبو على سبيل المثال، والتنصيص هنا واضح بين مجموعته “إشراقات رفعت سلام” والعمل الجبار والفذ لرامبو الموسوم بـ”الإشراقات” وكان أول من ترجم العمل للعربية المصري رمسيس يونان، لتكر بعد ذلك الترجمات المختلفة.

رفعت سلام: “على خاصرة الأرض، مختارات شعرية”

الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2020

270 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية