شغلت النار منذ انطلاق شرارتها الأولى حياة البشرية، كونها عنصراً أساسياً في حياة الإنسان، وعبر النار نهضت حياة أخرى وتطور الكائن الآدمي، من كائن كهفي إلى كائن برّي. فبالنار نهضت مدن وحضارات، وتأسست تواريخ ومحطات في المسيرة الإنسانية، وتبلورت رؤى وفلسفات وأفكار، وقامت أساطير وآلهات تُمجِّد النار وسرّها الأزلي، على يد الآلهة أنفسهم، حتى تحوّلت النار نفسها إلى آلهة، فكان هناك برومثيوس وزيوس والعنقاء أو الفينكس، أو طائر الفينيق الذي يحترق، ويعود ويتجدّد، لينهض مرة أخرى من رماده. أساطير التحمتْ بحياة المجتمعات حيثما كانت، ورافقتها منذ بدء التكاوين الأولى للنشوء، ومن ثَمّ الارتقاء بعملية الخلق لتتدرج وتصل إلى يومنا هذا، حيث النار مادة وعنصر ملازم لنا في كل شيء، كالماء والهواء والتراب، بها تتقوّم الحياة، وتنشأ وتنهض الأجيال عبر أتونها الذي اندلع في الكون والحياة، ليضيء الأزمنة التاريخية للبشرية جمعاء.
من هنا اتخذ علماء وفلاسفة وشعراء وكتاب وفنانون من النار مادتهم الأدبية والفنية والنقدية، وليس بعيداً عن هذا الناقد الفرنسي الشهير غاستون باشلار 1884 ـ 1962 الذي لجأ في مطلع ستينيات القرن المنصرم، وبعد كتابته كتبا ملهمة، قدَّمها للأدب الفرنسي مثل “مبحث للعلوم التاريخية” و”التحليل النفسي للمعرفة العلمية ـ تكوين العقل العلمي” و “تحليل المتخيّل الشعري ـ الماء والأحلام”، وصولاً إلى كتابيه “شعرية المكان” و”شعرية الهاجس”، وتالياً مخطوطة أعدتها ابنته للنشر وكتبت مقدمتها لتكون تحت عنوان “شعرية النار” لتغدو فيما بعد ثلاثية نقدية حول الشعر وهمومه، وأسراره وصوره ومعانيه الكثيرة، تلك التي ملأت الحياة بالغنى والتنوع والتفكّر، ومن ثم الولوغ في تأمل الوجود والكون، وكشف معنى الحياة.
يضم الكتاب ثلاثة فصول قيِّمة وثمينة، فكرياً ونقدياً وأدبياً وهي:
الفصل الأول: العنقاء ظاهرة لغوية
الفصل الثاني: برومثيوس
الفصل الثالث: أمبيدوقل
هذا فضلاً عن المقدمة التي كتبتها سوزان باشلار الابنة، للكتاب الذي كان جاهزاً عبر ملفات كثيرة، تركها والدها الناقد والمفكر باشلار.

ويضم الكتاب أيضاً مقدمة جاءت كعتبة للنصوص، ومفتاح للقراءة، وهادٍ للعمل كتبه باشلار تحت عنوان “نظرة استعادية على حياة عمل صانع كتب”، وفيها يوضّح باشلار الآتي: “وهكذا بمراكمة صور الشعراء، اعتقدت لزمن طويل، وما زلت بعض الشيء اعتقد، أنه بتلق بسيط عرفتُ حرية المتخيّل، وصارت لي هنا بداية جيدة لتحرير النفسية بواسطة الشعر … وقد بدا لي أنني مع الصور الأدبية أتتبع دفقات الخيال الذي يُرغم على الكتابة”.
يجنح باشلار في فصله الأول إلى التشخيص الفينومونولوجي، مستقصياً أبعاد الصورة، وتمظهراتها الفنية، في صورة العنقاء، وذيوعها كمادة شعرية وجمالية وتعبيرية لغوية لدى الشعراء، وهي مستنزحة من عالم ميثولوجي، فيه دلالات على تحولات البعث والموت، التجدد والفَناء، البدء والنهاية، ولا يجد خير دليل سيميائي على شهادته التطبيقية، غير صورة العنقاء، او الفينيق، أو الفينكس، وهي أسطورة رافدينية، فينينقية، تحمل عنصرها الأزلي في داخلها، في الهواء المستولد من أجنحتها الأسطورية، وهي تتفكك وتُعيد بناء نفسها من خلال ذاتها، أي استيلاد التواترية، وفعل الديمومة، والتأبيد الحركي لسرّها الأزلي، من فعل النار الذي تحترق فيه، ومن ثم تعود وتتجدد وتتصيَّر، لتكون الطائر المثالي الهائل، والكبير الذي لا يفنى، أو الذي يفنى، ثم يعود إلى الحياة في رحلة جديدة، تتمظهر في صورة ثانية، ليستمر في فعل الطيران، والعيش في الفضاء، بغزوه للريح والسماء والهواء الذي يعيد تخليق صورته، على أنه الطائر الأبدي الذي لا يموت، وإن مات فلسوف يعود وينبع من بين تلافيف الرماد، بعكس الإنسان الذي ينتهي وليس لديه من عودة ثانية، إلا ضمن مفهومة الفهم التوحيدي للروح، بعودتها بعد يوم الحساب، ونيل استحقاقها الجديد، إما بالذهاب إلى الجنة أو إلى النار، ثم ملاقاة العذاب فيها كعقاب لبني البشر على أفعالهم في الدنيا.
وعن العنقاء يقول باشلار: “بقدر ما يقال عن العنقاء من أنها صورة خرافية، فهذه الصورة الخرافية تندرج في الأساطير الأكثر تعقيداً، ولا بد من الحصول على ثقافة ميثولوجية عظيمة لتتبع تأثيرات هذه الصورة، وبإيرادنا بالصفحات السابقة لبعض الملامح المسندة للتقاليد، أردنا إعداد الإشكالية الأساسية الأدبية التي تشغلنا: هل هناك حاجة لرمز تقليدي، لتتمكن شعرية العنقاء من الظهور، وبشكل أعم هل يحتاج البعض للأساطير؟”.
يتخذ باشلار نماذج شعرية سانداً بها نظريته، ودرسه، ومشروعه الناري، من خلال شعراء مثل أيف بونفوا، وجان واهل، وبيير جان جوف، ووليم بليك، وأكتافيو باث، وبول إيلوار، وإليوت وغيرهم من الشعراء.
بينما في الفصل الثاني من الكتاب نجد باشلار يتوسّع في تتبع أثر برومثيوس على الأدب، وبخاصة على الشعراء، ورحلتهم مع الخلود والأبد، ليتوقف هنا ويستفيض هناك، مرجّحاً بالتعليل والشرح والدرس والتفحص، أهم البوادر الأساسية لتناول حياة برومثيوس، الخصبة كمثال للديمومة، والتوهّج، وإضاءة ما يمكن إضاءته عبر النور الذي بثّه برومثيوس، حين سرق النار ومنحها للبشرية، كعطاء خالد، عطاء أبدي حارب فيه الظلمة، وأضاء عالم القابعين في سرادقها وكهوفها المعتمة، معرضاً الكون للشعاع والوهج.
“فالبطل برومثيوس، هو رمز العصيان البنّاء، فلا بدّ من عصيان بنّاء للتفوق عليهم، فالعصيان من أجل الفعل هو شعار المُبتكِر، فتاريخ البشر في تطوره هو سلسلة من الأحداث البروميثية، ولكن في مكوّن الحياة الشخصية نفسه، فالاستقلال المنتزع صنع من سلسلسة قوائم العصيان البروميثي، وأعمال العصيان البارعة التي تمت متابعتها بصبر، فالعصيان بوسعه أن يكون رقيقاً لتجنب العقاب، ولا يتبقى سوى عقدة ذنب مبهمة، عقدة ذنب متفشية، وهناك معنى كما نعتقد لدراسة دينامية العصيان الذي يحرك كل معرفة”.
يتطرق باشلار برؤيته الثاقبة للفعل الشعري، وللملاحم والأساطير، بعين الناقد الرائي، المتمكن والدقيق، فيعرّج في دراسته لبرومثيوس، ملتفتا إلى كبار الشعراء والملاحم، كتتبعه لبطله عوليس في رحلته مع الأدب والأساطير، ولا سيّما في الإلياذة الخالدة، وكذلك ميله إلى تجارب شعراء كبار مثل غوته، ودي نرفال، وإلى فريزر في أساطيره التي كانت بمثابة ورشة لكبار الشعراء والكتاب الذين استقوا معارفهم الأسطورية من كتابه “الغصن الذهبي”، وكذلك في تعريجه على يونغ وبسط البسكيولوجي في تمثيلاته الأدبية، ولكون برومثيوس من سلالة الجبارين، عبر قيامه بفعل سرقة النار، حيث وجب عليه العقاب، من قبل المتجبّر جوبتر، فطاله اضطهاده له، بخروجه إلى بقعة سينثيا حيث جبل القوقاز، ليكون هناك في القمة، ويغدو كبده لقمة للنسر الذي التهمه.
ومن الأمثلة التي يوردها لغوته:
“من الذي ينجدني
من فظاظة الجبارين؟
من الذي ينقذني من الموت
ومن العبودية؟
ألم تكتمل أنت ذاتكَ
أيها القلب المضطرم، القلب المتطلب؟
وأنتَ تُحرق في شبابك وطيبتك”.
بعد أن يورد باشلار الكثير من الصيغ التعبيرية، والنقدية، والتحليلية البحثية، في مبحث النار ومداراتها التاريخية، والميثولوجية في حياة الإنسانية، ويوفي هذا الفصل حقّه بالمعرفة والأسانيد، يميل في الفصل الثالث إلى أسطورة أخرى وهي أدبية أيضاً، يشرحها في فصله الثالث، عن شخصية أمبيدوقل الأسطورية كذلك.
إن أمبيدوقل لمن لا يعرف كنهه، هو المفتدى بالنار والأتون، والرامي نفسه في قمة جبل إتنا، وهو جبل بركاني، لكي يتطهر في المآل بالنار، ويعيد بناء نفسه من جديد، وفق وتيرتي الموت والبعث, وتبدو هنا الصورة الأمبيدوقلية، في وجه من وجوهها، قريبة الشبه من صورة الفينكس، أي العنقاء، وهي صورة التحدي الشخصي للنار، وبعث الحياة الثانية في الشخصية التي أرادها أمبيدوقل. وثمة بعض الشعراء والكتاب من مال إلى وضع أمبيدوقل في عمل شعري ونثري ومسرحي، يوحي بالتضحيات والطهارة بالنار، كما هو الحال مع الألماني نيتشه، والشاعر الألماني هولدرلن، هذا الشاعر الذي كتب عملاً لم يكتمل سمّاه “موت أمبيدوقل” وقد وجدنا ماثيو أرنولد الشاعر يكتب عملاً درامياً عنه أيضاً، فهولدرلن قال:
“هنا على هذه القمة،
هنا وأنا غني ونشيط
وملك أسكن الشرارة التي امتلأ
بها العقل للحافة”.
بينما ماثيو أرنولد سطر فيه كتاباً لم يلفت النظر، ولم يبع سوى خمسين نسخة منه، قال في بعض من سطوره:
“أوه لو أمكنني
أن أشتعل كهذا الجبل،
أوه لو أن قلبي من تموّج البحر،
أوه لو أن روحي امتلأت بالضوء
كهذه الأنجم،
أوه لو أنها حلقت كالهواء فوق العالم”.
لكن المفاجئ في هذه الدراسة حول الأمبيدوقلية، أن نجد أن باشلار يعتبرهؤلاء الشعراء الثلاثة الكبار قد أخفقوا، وهو يوضح ذلك بالآتي: “أن إخفاق الشعراء العظام الثلاثة هولدرلن وأرنولد ونيتشه، أعفانا كما نعتقد من تفحّص الأعمال الأقل مرتبة، ونحن نعتبر هذه الإخفاقات بمثابة أدلة على عدم كفاية الشرح النفسي”.
غاستون باشلار: “شعرية النار”
ترجمة: محمد سيف
المركز القومي للترجمة، القاهرة 2019
147 صفحة.