الباحث العراقي فالح مهدي في”تاريخ الخوف”: منابته     وأصوله ورعب القوى المتسلطة    

هاشم شفيق
حجم الخط
1

للخوف تاريخياً، منابته وجذوره الأولى، فهو حقل خصب لتجارب القوى العليا، والمتسيّدة والمتجبّرة على الكائن الإنساني الهش والضعيف والمجرّد، أما الجبروت والراعي والمهيمن على المُقدرات والسلطة والحياة كلها، منذ بدء التاريخ، فهو الملك، كالملك السومري والبابلي والآشوري والأكدي، والفراعنة، فهم الآلهة قديماً وهم ممثلو الإله، وهم النخبة التي تقود شؤون العامة حيثما كانوا. ولا يفلت من العقاب أي كائن حي يخالف أوامر الآلهة والحاكم بأمره، على مرّ الأزمنة التاريخية، وحتى يومنا هذا، حيث يرتدي الخوف مزايا مختلفة، على يد الطاغية والديكتاتور والرئيس المتجبّر والدموي، وما أكثرهم في التاريخ الحديث، بدءاً بهتلر وموسوليني وفرانكو، وليس انتهاءً بصدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي، وميليشيات العصر الحديث التي تعيث في العراق ولبنان واليمن خراباً وتدميراً وقتلاً يومياً، وتحت دواع ودوافع ومذاهب شتى.

تحت أفق هذا المنظور، يقدم الباحث والمفكر العراقي فالح مهدي كتابه الجديد “تاريخ الخوف”، متناولاً وعلى نحو علمي وفكري وفلسفي، تواريخ الخوف ونشأته في العالم، بطريقة بحثية علمية، تستند إلى المداليل والأسانيد والبراهين الحديثة والمعاصرة.

يبدأ الباحث كتابه بمقدمة ضافية، يوضح فيها معنى الخوف قاموسياً، عربياً وإنكليزياً وفرنسياً، لكي يكون ملماً بموضوعه ومطلعاً على أس الموضوع مدار بحثه العلمي، وهو يلج منهجاً يعتمد على مقدرته الفكرية والفلسفية والنظرية، ولا يتبنى في بحثه هذا نظريات أيديولوجية ماركسية، أو قومية ودينية، بل يتبنى رأيه ونظريته الشخصية، تلك التي تعتمد الفكر الحر، غير الخاضع لنهج وطريق معيّنين، فسبيله هذا فيه آراء جريئة، حادة، وشخصية، كرّست له عبر تآليفه الفكرية العديدة، منهجاً مائزاً وأسلوباً فكرياً خاصاً به، أي خاصاً بنهجه وبحثه ورؤيته للموضوع من منظار مختلف، وغير منحاز لنظرية ما، تستدعي فكراً مادياً ومثالياً وفلسفياً معيّناً، بل هو يقدم مشروعه الرؤيوي حول مفهومة الخوف، دون أن يستغني بالطبع عن النظر في رأي سديد من تلك النظريات، وشواهدها الفكرية، والعلمية، ولكنه على سبيل المثال، وفي الوقت ذاته ينتقد النظرية العلمية الماركسية، وينتقد الدين ورجالاته، وينتقد الطغاة الكثر، وهو يمرّ مستشهداً وناقداً لهذا القائد والفليسوف والمفكر. ففي معرض تقديمه للكتاب يُنحّي الباحث الأيديولوجيا من طريقه ولا يسمح لها أن تقود أفكاره ورؤاه نحو وجهتها، بل هو هنا في المقدمة ينتقد الدين، ونقد الدين الذي نادى به ماركس، كونه قد جاء بدين جديد قائم على أيديولوجيا الخوف والرعب والامتثال والطاعة، تلك التي برزت جلية لدى لينين في خطبه، وتجسّدت في أفعال وأقوال وقوانين ستالين المرعبة للحياة والبشرية.

يتضمّن الكتاب ستة فصول ذات بعد أنثروبولوجي، تتسم بالبحت والتقصي في تواريخ الزمن، كما يوضّحه الفصل الأول، كالزمن الأيديولوجي، ودور الكتابة في أدلجة الزمن، إلى جانب الزمن التوحيدي، والزمن الهندوسي، والزمن الإلهي المقدس، وزمن الفلسفة والعلم، ومن ثم دور اللغة في صياغة الزمن.

وبذا وجرياً على هذا التقسيم، ينفرد كل فصل من الفصول الخمسة الباقية، بأبواب دالة، ذات حمولة فكرية تخص المبنى العام لكل فصل في الكتاب.

في الفصل الأول تحدث الكاتب عن مفهوم الزمن الدائري والسهمي، فالديانة التوحيدية تؤمن بالزمن السهمي، كما كان موجوداً لدى المصريين القدامى وحضارة وادي الرافدين، وثمة الزمن الأغريقي، فالأغارقة يرون أن العالم ليست له بداية، ولن تكون له نهاية، ثم يعرّج المؤلف على حضارة المايا التي كان لديها الزمن الدائري، فهذا الزمن الذي قام منذ مئات السنين، وتمتع بنظام حسابي دقيق، من ناحية الزمن في ذلك التاريخ البعيد، من حضارة المايا التي كانت لها مدن ومعابد، وسلطة حاكمة، وكذلك جيوش، ونظام سياسي واجتماعي واقتصادي، بينما الزمن لدى السومريين والأكاديين أفقي، ولدى الصينيين القدامى عمودي، وهذا ما وضّحه باب “دور اللغة في صياغة الزمن”.

في الفصل الثاني، يخصّص الكاتب هذا الفصل للذاكرة والزمن، فالذاكرة هي مخزن المعلومات لدى الإنسان، وهي تشكل وتصوغ معاني الحياة الماضية والحالية وما سوف تحصل عليه مستقبلا “عبر المقدرة الذهنية لخزن وتذكر ما هو قريب وبعيد، كما يمكن اعتبارها الرغبة النفسية باستحضار الماضي، ولا يمكن تخيّل الإنسان بدون ذاكرة، فمن تذهب ذاكرته كما يحصل مع مرضى الزهايمر، يصبح في عداد الموتى، ومن تضِع ذاكرته، يشبه مكتبة عامرة بالكتب والمجلات والصحف والموسيقى تهب فيها النيران”.

يرينا هذا الفصل أن الذاكرة مقسّمة إلى أصناف، كالذاكرة الحسية التي تقوم باستقبال المعلومات من خلال إحدى الحواس، وهناك الذاكرة القصيرة التي تصفّي المعلومات، تهمل بعضها، وتخزّن البعض الآخر من المعلومات في رفوفها العالية، وثمة الذاكرة الطويلة التي تساهم في صناعة الأفراد والجماعات، حسب تعبير المؤلف، وهذ الفصل، وهو من الفصول المهمة، يستوفي مفاهيم القداسة مع الذاكرة، وكذلك مفهوم الذاكرة والمعرفة “فالذاكرة بطبيعتها انتقائية بالنسبة للأفراد، في حين نجد كل الخبث في الذاكرة الجماعية، فهي تقوم على مبدأ التلاعب بسلوك الأشخاص وإخضاعهم للمنطق الذي تريده. في الذاكرة الجماعية ليس للأفراد من شأن في محتوى التذكر، ولا القدرة على التحقق من أن فعل التذكر خاضع لمبادئ الشرف ولم يتم التلاعب به، إن الذاكرة الجماعية انتقائية، مخادعة، قائمة على الكذب والزيف… لا يمكنها أن تبقى على قيد الحياة دون الفعل الأيديولوجي، وهو من طبيعته بعيد عن الأمانة العلمية وعن مبادئ الشرف، لذلك نجد الغالبية العظمى من أتباع أي دين أو مذهب أو حزب سياسي ذي طابع شمولي أسرى تلك الذاكرة”.

وإذا ما تجاوزنا الفصل الثالث الدائر حول مسألة الموت وثقافته لدى الشعوب والأديان، فإننا بعد ذلك سندخل في الرابع، وجلّه مكرس لموضوعة الجحيم، تلك التي نادت بها الديانات التوحيدية، لتطمئن نفسها بوجود الآخرة، ويوم الحساب، ومثول بني البشر أمام الله، وهو يصدر أوامره باتجاه خلقه، والجحيم والفردوس، هاتان الكلمتان كانتا حجر الزاوية في كل دين توحيدي، فالفردوس كما هو متداول وشائع، هو من حصة الكائن الصالح المطهّر، الخالي من الموبقات، والجحيم كرديف مضاد، هي المكان الذي يعاقب فيه الكائن على أفعاله ومساوئه، فهو مكان للقصاص، عكس الفردوس الذي هو مكان للنعيم، وهو يعد كمكافأة للرجل الصالح جرّاء أفعاله الحسنة، وكل ذلك يأتي بفعل الخوف من الموت وعدم العودة مرة ثانية للحياة، ولكن الأديان عموماً تعد روادها وتابعيها ومناصريها بحياة أخرى أكثر جمالاً من الحياة الحالية “وقد كان إنسان القرون الوسطى على يقين بأنه لن يدخل في عالم العدم بعد موته، لا يخاف الناس من الموت بقدر خوفهم من يوم الحساب والعذاب الأبدي الذي سيتعرض له مَن لم يلتزم بطريق الرب، فيرمى في تلك النار الأبدية، الخوف من ذاك الذي لا يراه، لكنه على يقين بوجوده، وسيكون في انتظاره، إنه على يقين من استمرارية الحياة بعد الموت”.

بينما نجد الكاتب في الفصل الخامس يتقصى دور الخطيئة في صناعة الخوف، وهو يبدأ من الزمن الدائري لدى الهندوس الذين يرونه كالعجلة، وهم عكس الديانة المصرية، والعراقية القديمة، والديانات التوحيدية الثلاث، يؤمنون بمفهوم التناسخ والتجسّد، ومن هنا يعتقدون أن الذي ابتلى بعاهة ما، فهي قد جاءته من حياته السابقة، كعقاب نتيجة أفعاله السيئة مع الخلق والكائنات، بينما الديانات التوحيدية الثلاث، تجد آدم هو من يتحمّل وزر الخطيئة البشرية، تلك التي ولّدت الخطايا المتسلسلة، حتى الطاعون اعتبرته الديانات التوحيدية نوعا من العقاب الإلهي للبشر، بينما هو بكتيريا انتقلت نتيجة الحرب بين المغول والصين، بسبب انعدام النظافة لدى المتحاربين في القرن الثالث عشر، وظل مستمراً حتى القرن التاسع عشر، وحصد الملايين في أوروبا والشرق، وسمّاه البريطانيون الموت الأسود.

ولهذا نجد الخطايا تملأ تاريخ الأديان في كل من العهد القديم والجديد والقرآن، فلدى المسيحية الخطايا السبع، وهي: الكبرياء، الشهوة، الغضب، الطمع، البخل، الحسد والكسل، وهي ذات طابع أخلاقي واجتماعي واقتصادي، ومن هنا جاء الاعتراف أمام الكاهن في الكنيسة من أجل التخلص من الخطايا التي تلاحق الإنسان خلال سنيّ حياته القصيرة.

يُعد كتاب “تاريخ الخوف” من الكتب اللافتة، لانطوائه على مادة بحثية وفلسفية وفكرية وعلمية ونفسية غنية، استقصت بروح الباحث الجاد والمفكر المُلم بتاريخه وتراثه وفكره العربي، فضلاً عن الأجنبي، كل ما تعلق بالخوف وتاريخه البعيد الموغل في تلافيف الأزمنة.

فالح مهدي: “تاريخ الخوف”

بيت الياسمين، القاهرة 2020

 222 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية