تعاني تونس كما هو معلوم من أزمة اقتصادية خانقة ساهمت بدورها وعلى مدى السنوات العشر الماضية في خلق أزمة اجتماعية حادة بعد استفحال الفقر والبطالة والتهميش الذي لم يعد حكرا على الجهات الداخلية بل طال المناطق التي كانت تصنف في السابق على أنها محظوظة تنمويا. ولا يبدو الحل صعبا لتجاوز مخلفات هذه الأزمة بحسب تأكيدات عديد الخبراء وذلك بالرغم من أن الأرقام الكارثية المسجلة وعلى رأسها نسبة النمو السلبية التي لم يعرفها البلد على مدى تاريخه، قد توحي بخلاف ذلك.
فيكفي أن تعود بعض القطاعات إلى نسق إنتاجها الطبيعي حتى تتحرك قليلا عجلة الاقتصاد ليتم لاحقا الشروع في إصلاحات هيكلية حقيقية تطال جميع الميادين أي الفلاحة والصناعة والسياحة والخدمات والمنظومة المالية. فالفوسفات على سبيل المثال، والذي تعطل إنتاجه في الحوض المنجمي، يؤكد الخبراء أنه إذا ما عاد إلى نسق إنتاجه وتصديره العادي، سيدر أرباحا هامة على الحزينة، ناهيك عن الموارد الطاقية، والمنتوجات الزراعية العديدة التي تحتل تونس في إنتاجها وتصدريها مراتب عالمية متقدمة على غرار زيت الزيتون والتمور والقوارص أو الحمضيات وعديد أنواع الأسماك المتوسطية ذات المذاق الرفيع.
كما أن هناك قطاعيا سياحيا قد شل بالكامل نتيجة لجائحة كورونا وقبل ذلك تم استهدافه، من أطراف قريبة وبعيدة، بعمليات إرهابية جعلته يتراجع على مستوى المداخيل المتأتية منه بالعملة الصعبة وإلى مستويات قياسية غير معهودة. كما أن القطاع الصناعي يساهم بدوره في الدورة الاقتصادية إنتاجا وتصديرا وقد تضرر كثيرا بفعل جائحة كورونا وبحاجة إلى ضخ بعض السيولات البنكية حتى يستأنف نشاطه خصوصا وأن نسيجه مشكل بالأساس من المؤسسات الصغرى والمتوسطة.
وبالتالي فإن عودة هذه القطاعات الإنتاجية إلى سالف نشاطها ستخفف كثيرا من الأعباء وقد تساهم في الترفيع في نسبة النمو، لكن ذلك لن يحل الأزمة بصورة نهائية باعتبار أن البلد بحاجة إلى إصلاحات جذرية حقيقية. ومن بين الإصلاحات الواجب القيام بها، النظر في وضعية المؤسسات العمومية والدواوين على غرار شركة فوسفات قفصة التي أفلست بفعل إغراقها بالعمال والموظفين وبفعل كثرة الاضرابات وتعطل الإنتاج، هذا بالإضافة إلى عديد الإصلاحات الأخرى في قطاع الفلاحة والصيد البحري وفي السياحة التي تنتظرها ورشة عمل كبرى خصوصا فيما يتعلق بإيجاد حل للسيولات المالية المتأتية من السياح الأجانب والتي يحرص أصحاب الفنادق على ضخها في حسابات بنكية خارج البلاد ولا تنتفع منها الدولة التونسية التي تمكن الفنادق من المواد المدعمة.
لكن أي رغبة بالإصلاح الاقتصادي تصطدم بواقع سياسي مرير حتى أن البعض يرجع السبب لوجود هذه الأزمة الاقتصادية إلى السياسة والسياسيين وإلى حالة عدم الاستقرار التي يعيشها البلد. فكيف يمكن لحكومة لا تستمر إلا بضعة أشهر أن تضع الخطط والبرامج للإصلاح الاقتصادي على المدى المتوسط والبعيد خاصة وأن التجربة قد أثبتت أنه يمكن الإطاحة بالوزراء حتى قبل استقالة رئيس الحكومة أو جبره على الاستقالة؟
الاضرابات في مختلف القطاعات
كما أن الصراعات المستمرة في هذا النظام السياسي الهجين الذي أقره دستور سنة 2014 تجعل إمكانية الإصلاح الاقتصادي أمرا ثانويا بالنظر إلى انصراف الأحزاب والشخصيات السياسية إلى ما تعتبره «الأهم» وهو فض هذه الخلافات فيما بينها بالابتزاز والتهديد تارة وبشراء الذمم طورا وبعقد الصفقات بمنطق هذا مقابل ذاك في أحيان كثيرة. فحتى عند تشكيل الحكومات بمنطق المحاصصة تذهب أغلب الأحزاب إلى المطالبة بوزارتي الداخلية والعدل حتى تتمكن من مسك الملفات لتهديد وابتزاز بعضها البعض، وتبقى الوزارات الاقتصادية في الأخير إما لترضية «كبير» لم يسعفه الحظ للحصول على غنيمة كبرى، أو «صغير» لضمه إلى الائتلاف الحكومي أملا في حزام حكومي أوسع.
وتحول كثرة الاضرابات أيضا، وكذا التحركات النقابية غير المقدرة للعواقب، دون الإصلاح في المجال الاقتصادي، وهي أيضا من أهم العوامل المتسببة في هذه الأزمة التي عاني منها البلد في العشرية الأخيرة وعجز معها عن إيجاد الحل. فلا يوجد بلد في العالم سجل هذا الكم الهائل من الاضرابات في القطاعين العام والخاص بسبب انتشار عدوى الثورية لدى الجميع، وهو ما جعل كثرة المطلبية تتغلب على صوت العقل والحكمة اللذين يحتاجهما التونسيون اليوم لتجاوز أزمتهم.
فمنذ عشر سنوات والبلد يعيش على وقع الاضرابات في مختلف القطاعات وبشكل يومي لا يكاد ينقطع، فما أن يهدأ هذا الطرف من خلال استجابة الدولة لمطالبه أو بقمعه أو بإرجاء البت في مطالبه بالاتفاق معه، حتى ينتقض طرف آخر سواء أكان مهنيا أو جهويا أو غيره. ويمكن الجزم في هذا الإطار أنه لا يوجد قطاع لم يضرب في تونس طيلة هذه السنوات العشر وإن اختلفت أسباب الاضراب من قطاع إلى آخر، فهناك من يضربون من أجل الزيادة في الرواتب، وهناك من يضربون من أجل تحسين ظروف العمل، وهناك من يخوضون مع الخائضين ويتحينون الفرص للتخلص من أعباء العمل لا غير، ولديهم عشق فطري وميول غريزية إلى الفوضى.
ويجمع عديد الخبراء على أن بلدانا بحجم تونس وأخرى تفوق الخضراء حجما، لو شاءت الظروف وعاشت وضعا مشابها لذلك الذي عاشته تونس فيما يتعلق بكثرة بالاضرابات، التي تندلع بنسق جنوني وخارج عن المألوف، قد تسير نحو الاندثار والفناء لأن اقتصادياتها لا تحتمل. في حين أن الخضراء صامدة رغم كل شيء ومستمرة بفضل بعض الشرفاء من أبنائها وبفضل اقتصاد متنوع تعددت مصادره، وبفضل بعض الداعمين على غرار الاتحاد الأوروبي الذي ضخ خلال أزمة كورونا مبالغ هامة في شكل هبات خلافا لذوي القربى.
كما يصطدم أي إصلاح اقتصادي قد يتم التفكير في إجرائه في تونس بإملاءات صندوق النقد الدولي الذي فرض خطته الإصلاحية الخاصة به والتي قد تتعارض مع تقاليد الدولة التونسية الاجتماعية. وبالتالي لا يمكن الإصلاح خارج إطار ما هو مسطر سلفا من هذه المؤسسة المالية المانحة التي انضوت تونس تحت وصايتها خلال العشر سنوات الأخيرة بسبب حكومات ثورجية متعاقبة أساءت إلى البلاد ورهنت أجيالها القادمة. فالمفاوضون مع هذا الصندوق قبلوا بما تم تقديمه لهم ولم يسعوا إلى تحسين شروط التفاوض وتجنب بعض الإملاءات التي لا قدرة لهم على تنفيذها أو تلك التي ستمس بالطبقات الفقيرة والكادحة على غرار إنهاء وجود صندوق الدعم وتسريح الكثير من موظفي وعمال القطاع العام وغيرها. وبالتالي فلا مفر من الالتزام بهذه الإملاءات الشبيهة بما سمي مع نهاية القرن التاسع عشر بـ»الكومسيون المالي» الذي فرضته فرنسا على تونس لاسترجاع ديونها وانتهى الأمر بالبلاد مستعمرة فرنسية فاقدة لكل أشكال السيادة بعد أن أخضع ملكها الجنرال الفرنسي بريار الزاحف بجنده من البحر ومن الجزائر التي فقدت سيادتها قبل أكثر من نصف قرن من ذلك التاريخ.