أعود إلى الجزء الثاني من رسائل هيمنغواي، لأهميته في حياة الكاتب الأمريكي إرنست هيمنغواي، تلك الحياة النهمة بالنسبة لمرتادها، مثل هيمنغواي المُحب للحياة والصداقة والكتابة، تلك التي توجته في نهاية فصول الجزء الثاني هذا لجائزة نوبل، بعد سلسلة من الجوائز النادرة، تلك التي كان يرفضها أو يتقبّلها على مضض كجائزة نوبل، جائزة كافح من أجلها بعمله وكدّه الكتابي والروائي، وحين وصلت إليه لم يذهب إلى تسلمها، بل كلف المسؤول في القنصلية الأمريكية في السويد باستلامها بدلاً منه، ليس ترفّعاً، بل هو عائد إلى شخصيته ومشاغله الحياتية الكثيرة، كالكتابة والصيد مثلاً، ورؤيته المتقلّبة حسب الأحوال والمزاج والأهواء.
واللافت في الجزء الثاني، هو نضج شخصية هيمنغواي الكتابية والحياتية والاجتماعية، حيث واصل النشاط المحموم حول هدفه المميز لا غير، وهو كتابة القصص والرواية، وشيئا فشيئاً نراه في هذا الجزء يصبو إلى الكمال والتكامل، وتقديم منجز مختلف عن بدايات حياته، حيث كان يكتب الرواية والقصص والشعر وعروض الكتب والمقالات، بينما في الجزء الثاني من رسائله وجدناه يحقق حلمه، وتقدّمه في الكتابة الروائية الرؤيوية، الحالمة، والجامعة لكل صفات ومميزات الكتابة الناجحة واللافتة، من ناحية الأسلوب والتعبير اللغوي المشوّق، والشكل الكتابي الخاص به، معتمداً بذلك على تجاربه الشخصية الباهرة، والمثيرة، والنادرة في مسيرته، ومن ثم سيرته الشخصية التي تعد من السير الغريبة والجوهرية، بالنسبة للكتّاب عامة، وللنقاد ومُحبّي القراءة.
يحفل الجزء الثاني من رسائله بأخبار نشاطاته الساحرة، في مجال الفن الروائي، وتقدّمه في كتابة أهم ما كتبه الأدب العالمي من أدب، فهنا، أي في هذا الجزء الكبير، كسابقه الأول من رسائله، نراه يتحدّث بشغف لا يلين عن رواية «وداعاً للسلاح» ووفق تدرجه في العمر وتوغله في السنوات، يمضي إلى رواية «الشمس تشرق أيضاً» وصولاً إلى روايته اللافتة والغريبة حينها والتي كتبت عن تجارب حقيقية «الشيخ والبحر» وكتابه الممتع والفريد «باريس مأدبة متنقلة» وروايته الذائعة «لمن تقرع الأجراس» تلك التي تحوّلت إلى فيلم نادر ومثير، مثّل فيه كبار عمالقة هوليوود، مثل غاري كوبر وأنغريد برغمان، وغيرهما من الممثلين المشهورين.

لعل العمل المضني، وإعادة الكتابة مرات ومرات لرواياته، بغية الوصول إلى الصوغ السليم والحسن، والمُرضي لشخصه هو، وليس لأحد آخر غيره، ذلكم الذي جعله يلقى حس الترحاب والمقروئية لدى جمع غفير من القراء، بدءاً من أمريكا، مروراً بفرنسا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، ليمضي فيما بعد باتجاه العالم كله. فشخص مثل هيمنغواي مُتخم بالتجارب والمحن الزمانية والمكانية، والمجبول على موهبة واضحة، لا بدّ وأن يكون عمله آية في الصوغ الأسلوبي والاكتمال الفني، من كل جوانبه، عمل يلتفت للصغيرة والكبيرة، في تقصّي المظان والهواجس والشكوك لدى الكائن البشري، هذا الذي دهمته حربان كبريان، أدتا إلى تدمير جزء كبير من سنوات حياته الإنسانية، ذلك أنّ الإنسانية في قاموس هيمنغواي لكبيرة، رغم ما اعتراها من خروج عليها في لحظات عمله كمحارب، ومراسل أثناء الحربين العالميتين، فضلاً عن الحرب الإسبانية، وانخراطه في حرب تحرير باريس من النازية، مع مجموعة من المحاربين، وكان من أولئك الأساسيين الذين دخلوا إلى باريس وقاتلوا من أجل تحريرها، حيث حرّروا حينها فندق الريتز الشهير.
ولكن هذه الحروب الطويلة والمتعدّدة لم تمنع هيمنغواي من جنوحه خلال تلك الحروب من أن يتصرّف كجندي، ومقاتل يقتل مثله مثل غيره، ويصوّب البندقية والسلاح باتجاه الآخر، بحكم قوانين الحرب التي كانت تشمل الجميع، ابّان تلك الفترة التي تجلى فيها حس المحارب المقاتل من أجل قضية ما، حيث تسود مفردتا الانتصار والخسارة في الجبهات المتصارعة، ولا يخسر في النهاية، حسب مفهوم اليوم، سوى الإنسان الأعزل، الحالم بالسلام والأمن والاسقرار.
أخذت كتابات أرنست هيمنغواي القصصية والروائية تترجم تدريجاً إلى غالبية اللغات العالمية، بدءاً بالفرنسية، يوم أقام بباريس ردحاً، هو وبعض الكتاب الأمريكيين البارزين، من بينهم فيتزجيرالد وزوجته زيلدا، ولسوف يمران في رسائله كثيراً هو وزوجته ومشاكلهما العويصة، شراب وسكر ومعارك لا تنتهي، إلا بوصول زيلدا إلى العلاج النفسي، والمكوث في مستشفى لعلاج مرضها النفسي، زيلدا نغّصت عيش زوجها الكاتب الشهير صاحب رواية «غاتسبي العظيم» التي تحوّلت للسينما، وأكسبته شهرة إضافية ومالاً للعيش، ولكن هذه الرواية كانت العقبة الكأداء، إذ أن صاحبهاـ وهو سكوت حسب تسمية هيمنغواي له، لم يتجاوزها أو يكتب غيرها، ما خلا روايته التي أعقبتها «رقيق هو الليل»، وهو عمل اشتغل عليه سنوات طويلة، بدّل فيه وغيّر، وأضاف وحذف، وكأن هذه الرواية لا تريد أن تكتمل، أو تنتهي إلى شكل معيّن.
في الرسائل سيظهر من جديد ناشره وتظهر زوجتا هيمنغواي، إلى أن ينتهي بالثالثة، هذه التي انسجمت، وتماهت معه في الرؤى، والأهوال، والمغامرات وأسفاره الكثيرة، إلى أن ينتهي شبه وحيد في مزرعته الكوبية، يصطاد ويسافر ويكتب، ويساجل ويتمشكل مع الناشرين، والنقاد، وبعض الأصدقاء من الروائيين، وعلى رأسهم وليم فوكنر، مواطنه والحاصل على نوبل قبله بعقود.
كان هيمنغواي يعمل دائماً، وتأتيه موارد كثيرة، كانت تخضع للضرائب، وكانت لديه إعانات لأولاده، من زيجاته السابقة، فكان يدفع هنا وهناك، وبكرم باذخ ودون تردّد، أو استنكاف ومماطلة، بل كان يدفع بدافع الحب للكل، لأولاده وبعض أصدقائه وزوجاته، وإن اختلف معهنّ في مناقب العيش والمصير والسلوك والأداء.
يكتب هيمنغواي إلى زوجته ماري ويلش فيقول:
«أحبك دائماً، وسوف أحبك دائماً، أذهب الآن لتبدأ حياتنا، لا تدعي أي شيء يزعجك، آسف لأنني كنت مصمّماً جداً على الانصراف. سأكون رائعاً حين أراك، وأكون مخلصاً لك حقاً في كل دقيقة أكون فيها بعيداً، في قلبي وفي رأسي وفي جسدي».
وفي رسالة إلى ناشره تشارلز سكريبنر الابن يكتب:
«شكراً على الرسالة القصيرة، عن إرسال الكتاب في غياب والدك، أتطلع إليه، مرفق التصدير أو مقدمة الطبعة المصورة من «وداعاً للسلاح» أعتقدت أنه قد يكون من المفيد شرح ما شعرت به حيال الحرب حيث أنني شاركت فيها كثيراً برغم كراهيتي لها … أرجو أيضاً عدم الشعور بأن ما أكتبه قد يعتبر تخريباً، أهلي في البلاد، منذ فترة طويلة، نشارك دائماً في الحروب المختلفة، وهيمنغواي ليس اسماً مستعاراً، ويمكن أداء اليمين بأني لست عضواً في الحزب الشيوعي، ولم أكن قط عضواً فيه».
ويكتب إلى أخيه لحظة دخولهم باريس بعد تقدّمهم من شاطئ أوهاما في النورماندي، غبّ مجيئه على متن طائرة بريطانية، ليواصوا التقدّم وحصد الانتصارات: «دخلنا باريس وحرّرنا نادي المسافرين والريتز وقضينا وقتاً رائعاً … خضنا قتالاً صعباً للغاية أمس واليوم، لكن ذلك متوقع وكل شيء يسير كما ينبغي. أكتب مع استمرار صخب الهجوم المضاد، لا أستطيع كتابة التفاصيل لكن سأكتبها بمجرد انتهاء الحملة، ستفخر كثيراً بما فعلته الفرقة … في باريس قضيت يومين فقط شبه مجنون لكني رأيت سيلفيا بيتش وبيكاسو».
المثير في رسائل هيمنغواي عفويتها وصدقها وكمية المعلومات الهامة في السطور القليلة والمختصرة، تجد نفسك وأنت تقرأ الرسائل تعوم بين العوالم والبحور والفضاءات، وتنسى نفسك لتمضي مشاركاً في عالم مضى منذ زمن بعيد، وربما تكون طرفاً مساهماً في الانحياز لمسألة ما، أو قضية معيّنة، يطرحها هيمنغواي على مخاطبه، فما عليك في هكذا حال سوى الابتسام وهزّ الرأس، أو الإشاحة عن وضع ملتبس لهيمنغواي، نتيجة مشاكله ومغامراته وشربه المتواصل، وتقريعه لبعض الأصدقاء كأندريه مالرو، والسخرية منه باستمرار، عبر مخاطب آخر يكتب له، أو يسرد عليه واقعة ما قد مرّت به مع مالرو أثناء الحرب، وقيادة المجموعات لتحرير باريس من النازية، أو موقفه مع بعض الناشرين، وبعض الكتاب المشهورين كباسوس، ومن ثم فوكنر والسخرية من انتمائه الجنوبي، ولهجته الجنوبية، وذكر عدم تمتع أهل الجنوب الأمريكي بالصدقية، كما هو حال وليم فوكنر، صديقه وأستاذه الذي يكن له من جهة أخرى الإعجاب الكبير بأسلوبه الروائي والأدبي، وكذلك حول صديقه الأبرز ومعلمه إزرا باوند، هذا الشاعر الذي كان في السجن من أجل محاكمته بسبب انحيازه إلى الفاشية، وعمله في إذاعة تعمل ضد الحلفاء. ففي رسالة مرسلة إلى صديقه الشاعر والناقد أرشبالد ماكليش يوضح: «هل يمكن أن ترسل نسخة مصورة من بث إزرا الذي لديك؟ حين يحين موعد المهمة اللعينة ربما نستدعى، أو ينبغي أن نستدعى، وينبغي أن نعرف ما يدور حوله الأمر، إذا كان لإزرا أي شعور ينبغي أن يطلق النار على نفسه، أنا شخصياً أعتقد أنه كان عليه أن يطلق النار على نفسه … من المؤكد أنه عاش بكرامة قليلة».
إرنست هيمنغواي: «الرسائل ـ الجزء الثاني»
ترجمة عبد المقصود عبد الكريم
دار آفاق، القاهرة 2020
719 صفحة.