قليلة هي الكتب النقدية التي تتناول رواية بعينها لأديب وروائي معيّن إلا فيما ندر، وفي حالات تكاد تكون استثنائية، كحال الروائي الشهير نجيب محفوظ، كونه الروائي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل التي مكنته من تحقيق هذا الهدف، في دراسة بعض رواياته الرئيسة، كـ»أولاد حارتنا» و»الثلاثية» و»ثرثرة فوق النيل»، على سبيل المثال لا الحصر، أما الاستثناءات الأخرى فهي نادرة. ويمكن هنا الإشارة إلى رواية «الهجرة إلى الشمال» للسوداني الطيب صالح، ورواية «الحي اللاتيني» للبناني سهيل إدريس، ورواية «المتشائل» للفلسطيني إميل حبيبي، ورواية «النخلة والجيران» للعراقي غائب طعمة فرمان، و»المصابيح الزرق» للسوري حنا مينا، و»الخبز الحافي» للمغربي محمد شكري، وكذلك روايات الجزائرية أحلام مستغانمي «ذاكرة الجسد» و»فوضى الحواس».
هنا نحن مع كتاب يتناول رواية لروائي مصري هو محمد سعيد شهاب الدين الذي كتب «درب التيه» وهي رواية تتناول الجوانب الدينية التي تنحرف بفعل التفكير التكفيري، أحادي النظرة، والمحتكر للحقيقة دون الحقائق الأخرى التي تملأ الحياة، وهو مثله مثل الأحزاب الشمولية التي تنادي بأفكارها هي، وتحارب الأفكار الأخرى التي ترى عكس ذلك.

الكتاب من تأليف الدكتورة أميمة منير جادو، ويتكوّن من أربعة فصول، وكل فصل له أبواب متفرّعة، كما هو الحال مع الفصل الرابع ومحاوره المتعددة.
تجنح المؤلفة في كتابها هذا إلى الإفادة من عدة مناهج بحثية، من إجل إشباع دراستها بالبحث المتعمق، لدراسة الحالة، والفكرة، والجوانب المحيطة بالبطل الذي يشكل محور رواية «درب التيه» متوغلة في تفاصيل نشأته في ريف محافظة المنوفية، في محاولة منها لاستكناه أبعاد هذه الشخصية، أي شخصية المؤلف الطبيب، والمتمكّن إبداعياً، من كتابة عمل روائي وأدبي رصين، تجلى في إنتاج بعض الأعمال الأدبية القريبة من الشأن الروائي، كالمسرح، والسيرة، والقصة، ومن ثم عكس حالة المؤلف على بطل رواية «درب التيه» التي بدت للمؤلفة كأنها سيرته الشخصية في تلك القرية المصرية البعيدة.
إن دراسة تحليل المحتوى، برأي المؤلفة، هي الحل الأمثل، بغية التوصّل إلى اعتماد الفكرة كمادة تحليلية، تستطيع من خلالها، تسليط الضوء على أهم المفاصل الرئيسية في العمل، ومن ثم القيام بفك شفرات النص، والتوغّل في محتواه الجمالي، عبر تفنيد كل جزء منه، وردّه إلى منهجها المعتمد في تشريح بنية النص.
ولعل رواية «درب التيه» تكاد أن تكون ملمة بفن التعبير الروائي، وتحاول عبر منطوقها الجمالي، أن تقدّم صورة الريف، من خلال صورة البطل محمود سالم، ومتابعة سيرته، منذ نشأته في الحي الريفي، البحري، وملابسات علاقاته المتدرّجة في الحياة، بين الصبوات الأولى للصبي، وبين الفتوة ومراحل تحولاتها باتجاه الشباب، والتطلع نحو أفقها المستقبلي، حيث الجامعة والتجمّعات الشبابية، السياسة اليسارية والدينية والقومية، والتفرّعات التي تنشأ باتجاه حزب معيّن، حيث التيارات والأجنحة الراديكالية، القومية والشيوعية والإسلامية، وانخراط الطلاب نحو ما يحرك هواجسهم، ودواخلهم، نحو هذا الحزب أو ذاك.
في إطار هذا المفهوم فإن رواية «درب التيه» بحسب المؤلفة «تجمع بين الواقعية الاجتماعية والسياسية والرومانسية أيضاً، فهي معنية بسرد ووصف الكثير من المناظر الطبيعية، ومناخاتها، وجمالياتها، وتصوير الأماكن وأنسنتها أحياناً، ومخاطبتها وتأنيثها في أحيان أخرى. كما يقف القارئ دوماً على الحالة النفسية الداخلية للبطل والشخوص، فيعبر عن الألم والوحدة والحزن والشعور بالاغتراب عن العالم المحيط، والأقران، مما يجعلها تنتمي لجماليات وخصائص الرومانسية.
كما أنها رواية نفسية أيضاً، تصف الكثير من الحالات النفسية الشعورية واللاشعورية للبطل، وتغوص في سرائر شخصيات الرواية الأخرى ليرسم سماتها باقتدار» .
تتطرق المؤلفة إلى الزمان والمكان في الرواية، فزمانها هو يوم وعى الطفل وهو في السابعة، لحظة مقتل السادات على التلفاز، ولكنه لم يعِ الحدث ويستوعبه بسبب صغر سنه، ولكنه حين يتدرّج في العمر، سيلتفت إلى تلك اللحظة الهاربة من وعيه في تلك السنوات. أما المكان هو الريف المصري الحافل بالجمال والمتناقظات، والتقاطعات، والاختلاف في الوعي والتفكير من شخص إلى آخر، فضلاً عن العيش السمح بين الجميع، كريف زاخر بالمصائر المتباينة فيما بينها، على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
وكذلك تشير إلى لغة السرد المقتدرة بالفصحى لدى الروائي ومقدرته في تطعيمها بالمفردات العامية، والريفية التي تشيع في بين العامة، وقد أفردت لذلك أبواباً تفنّد فيها المؤلفة الأسباب، والمعطيات، والحيثيات التي أدّت إلى هذا النسيج المتشابك والمنتسج مع الفولكلور، وطقوسه، ويومياته، وتشاكيله المجتمعية، كالحديث عن الخرافات والجن وما شابه، مما يسكن عقلية الناس البسطاء، ينضاف إليها التبرّك بمقامات الأولياء، والمعتقدات الدينية التي يسعون من خلالها إلى التقرّب من الإمام، والولي، والشيخ، وغيرهم من الرجال الصالحين الذين لهم رموز، ومقامات، كمقام الحسين والسيدة عائشة والسيدة زينب والإمام الشافعي في القاهرة، والسيد البدوي في طنطا، والسيد الشبل في المنوفية، والمرسي أبو العباس في الإسكندرية، ليزوروهم في أعيادهم، وموالدهم، مُشعلين لهم الشموع ومُقدّمين النذور والتبريكات لمؤازرة مشاكلهم، والخطوب، والمصائب التي يمرون بها في الحياة «ولا يقتصر الأمر على أضرحة المسلمين المقدّسة، بل هناك أيضاً كنائس وأديرة النصارى ذات القداسة أيضاً في نفوسهم، بل أحياناً يتبرّك بعض المسلمين بزيارة أضرحة الرهبان النصارى، والعكس صحيح، بما يعكس روح التآخي والمواطنة الضاربة بجذورها في المجتمع المصري منذ قديم الأزل».
وتورد المؤلفة في هذا الجانب مقتبساً من الرواية على لسان البطل للتدليل على ذلك:
«كان للصمدي قدسية خاصة عند أهل القرية أجمعين، يعتقدون في بركته المطلقة، يزورونه كل خميس بعد صلاة المغرب ليلة الجمعة، يطوفون بالضريح الذي يضج بالنسوة والأطفال، وروائح البخور وزجاجات العطر الرخيص المنثورة فوقه، تهبه بعض الفتيات مناديل قماشية، وبعض الشموع».
وحين يتطرق الروائي في تفاصيله السردية إلى العادات والتقاليد والخرافات، تنحو المؤلفة إلى توكيد تلك الخاصية بالقول «تمثل حكايات الجن والعفاريت في القرية إحدى موروثاته الشعبية المهمة التي تساهم جلياً في تشكيل شخصية الأطفال، فيما بعد سلباً أو إيجاباً بحسب طبيعة كل طفل، وهي أحد الأبعاد التربوية الفولكلورية في التنشئة الاجتماعية للأطفال في القرية والتي تعتمد على الإثارة والتشويق والتخويف معاً، وتكمن فلسفة التخويف الضمنية في المعتقد التربوي الشعبي في الخوف على الأطفال أنفسهم كيلا يخرجوا وحدهم ليلاً، حتى لا يسقطوا في الترع، أو يصابوا بأذى محتمل».
ولا تغفل المؤلفة وهي تتطرق إلى الصغيرة والكبيرة في الرواية إلى عتبات النص، متواصلة في رؤيتها التحليلية للعمل على نحو متكامل، ومنتبهة في الوقت عينه، إلى جانب يُعتبر أساسياً في المفهوم الجمالي للسرديات، وأحد الأركان الرئيسة لفهم مناحي النص الروائي، ومعرفة هدفه، ورؤيته الفنية، ودواخله التعبيرية، في توجيه القارئ إلى محطة هامة في تشريح الحكاية، وفك رموزها الداخلية، لذا نراها تتوغّل في اسم الرواية، وموقعه في الغلاف الأول، ومن ثم موقع اسم المؤلف، والرسمة التشكيلية التي يحملها الغلاف، وكذلك الانتباه إلى لون الغلاف، وتحديد دلالته مع الرسمة الموضوعة للغلاف. ونراها فيما بعد تنتقل إلى الغلاف الأخير، وما يحمل من معان وتأملات، فالمجتزأ من مادة الرواية، سوف يحمل الدلالة المرجوّة، تلك التي تفي بالغرض، لدى من يتطلع إلى الغلاف الأخير، وكذلك موقع صورة المؤلف، واسم الدار التي طبعته، وتحديد مكان الشارة الخاصة بدار النشر، كل ذلك ستتطرق له المؤلفة بعلم وخبرة ودراية.
وها هي ذي المؤلفة تقوم بتفسير ذلك: «تصنع العتبات مجتمعة نصّاً احتمالياً هو نتاج تفاعل مقصديات كل من الكاتب والناشر والقارئ، مضمونه ينتسب للقارئ أكثر من انتسابه للمؤلف والناشر، فهو ابن قراءته التأويلية ومخزونه المعرفي وقدراته على تضفير الخيوط المتوازية لصناعة كيان له وظيفة جمالية وأخرى تداولية، لكنه نص احتمالي وجوده مرتبط بالمتن اللساني القابع خلفه، الذي يؤكد صحة معطيات جزئياته، وصدق وظيفته».
وضمن كل هذه التطبيقات النقدية والنظرية والعلمية، تستنطق المؤلفة أبعاد شخصية البطل وتدرسها سايكولوجياً بدءا من طفولته ومراهقته حتى وصوله إلى طور الشباب والرجولة، مراقبة كل مرحلة بعينها ضمن منطوقها النقدي المُلم بمراحل وتحولات البطل محمود سالم، وهو الشخصية المركزية التي تقوم علهيا مداميك رواية «درب التيه» للمؤلف محمد سعيد شهاب الدين المتماهي سيروياً مع بطل الرواية، فهو ذلك الشخص الذي يقبع خلف تلك الشخصية المحورية، ليحركها ويرسم خطوطها الرئيسة.
د. أميمة منير جادو: «الإرهاب في الإبداع الروائي»
الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2019
299 صفحة.