منذ بدء نشوء الحركة التجديدية الثانية في القصيدة العربية، في النصف الثاني من القرن الفائت، وسيل الكتابة النظرية لا يتوقف حول آليات واستراتيجيات قصيدة النثر العربية، الوافدة من الغرب، مثل شقيقتها القصيدة الحديثة التي عُرفتْ بالقصيدة الحرة. وهي تسمية فيها التباس مبين، كونها لم تكن حرة، بل ظلت مقيّدة بالعروض الذي اقترحه البصري، الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهي وحدة قياس، يقوم عليها الشعر العربي القديم المعروف بالكلاسيكي. إنها بحور نغمية حافظت على تاريخ الشعر العربي، من خلال حفظه وروايته شفاهياً، ومن ثَم تمّ تدوينه كفن للعرب جميعاً، تجد فيه تاريخهم وأمجادهم وحروبهم ومناسكهم، وتحوّلاتهم الاجتماعية والسياسية. وكان الشعر العربي هذا بمثابة السجل الذهبي لكل ما مر بتاريخ العرب، من انتصارات وفتوح وفخر، وكان شاهداً على ولادة ملوك، وأمراء، وخلفاء، وسلاطين، وصولاً إلى رؤساء الجمهوريات للعصر الحديث، وما شابههم من حكام.وحين وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، انطلقت في العراق، وتحديداً في عام 1948 الثورة التجديدية الأولى في الشعر العربي، انطلقت من العراق، على يد نخبة صغيرة من طلاب كلية الآداب أو « دار المعلمين العالية» كما كانت تعرف حينذاك، متمثلة بالشعراء بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، عبر اطلاع كل من السياب ونازك الملائكة على تجارب الشعر العالمي، ولا سيّما الشعراء الإنكليز الذين كانوا هدفاً جمالياً لهذا الجيل، ينضاف إليهم من خارج الجامعة بلند الحيدري، ليكونوا أربعة، مع داينمو الجيل، الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا، وبعض الأسماء التي لم تكن مؤثرة حينذاك.

أما الحركة التصحيحية، إن صحّت العبارة، فقد قام بها السياب بواسطة شعره الذي أنقذ الموقف، ووضع رواسم للثورة الجديدة في الشعر العربي عبر ديوانه المؤسس» أنشودة المطر» إذ حرّر التسمية عبر شعره المنشور من «الشعر الحر» الذي أطلقته نازك إلى «الشعر الحديث» أو «الشعر المعاصر» وبمساعدة من نقاد بارزين في ذلك الحين، مثل إحسان عباس وجبرا ابراهيم جبرا، ومن ثم جاءت التسميات الأخرى مثل «الشعر الموزون» أو «شعر التفعيلة». ولم يمض أكثر من عشر سنوات على هذه الثورة حتى تجلت الحركة التجديدية الثانية متمثلة بما يعرف الآن بـ «قصيدة النثر» وهي أيضاً تسمية وقعت في مطب التسميات الخاطئة، أو الملتبسة، إذ كيف يصح أن نسمي النثر قصيدة، وهي تسمية مستوردة من الكاتبة الفرنسية سوزان برنارد التي كتبت كتاباً تحت مسمى «قصيدة النثر من بودلير حتى أيامنا» مما أدى اطلاع شعراء مجلة «شعر» اللبنانية على هذا الكتاب إلى المسارعة في تبني هذا الشكل الجديد من الشعر، الذي يتخلى نهائياً عن الوزن والقافية، وذلك عبر أبرز شاعرين لتلك المرحلة، وهما اللبناني أنسي الحاج والسوري أدونيس، الذي سارع إلى المبادأة في التسمية «قصيدة النثر» ونشر أول قصيدة نثر في مجلة «شعر» حينها هي قصيدة «مرثية القرن الأول» بينما سارع أنسي الحاج إلى توكيد تجربته في ديوان كامل، وكان الأول له هو «لن» مع مقدمة توضح مسار هذه التجربة الجديدة، فرسم لها خطوطاً ومسمّيات، ووضع تعريفاً لهذه القصيدة المارقة، القصيدة التي عدّها ملعونة يكتبها شعراء ملعونون، وهي على حد تعبيره تتسم بشروط ثلاثة: الإيجاز، التوهّج والمجانية. ثم أصدر بعد ذلك ثلاثة مجاميع تتسم بهذا الشكل الجديد، أبرزها «ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة» ليؤازره في هذه التجربة كل من الشعراء، أدونيس، وشوقي أبي شقرا، ويوسف الخال، وجبرا إبراهيم جبرا، ومن ثم محمد الماغوط، هذا الشاعر الذي شكلت تجربته الشعرية في مجال قصيدة النثر حالة استثنائية، فريدة ورائدة في مسار الشعر العربي عموماً.
اليوم نعود وعبر كتاب ناقد متمكن ومقتدر، وله اطلاع واسع على حركة الشعر العربي الحديث، هو الناقد حاتم الصكر، الذي قدم للمكتبة العربية كتباً نقدية لافتة، خاضت في تفاصيل التجارب الشعرية العربية الشابة، ولا سيّما قصيدة النثر الحالية، والجديدة، التي بات يكتبها شعراء لا يحصون، وعبر إصدارات لا تحصى، بحيث لا يستطيع القارئ المتتبع إحصاءها، ومعرفة ما يجري في هذا البلد العربي أو ذاك من تجارب شعرية جديدة.
من هنا يسعى كتاب الصكر « الثمرة المحرّمة « قدر المستطاع، لإلقاء الضوء على بعض التجارب الحديثة، في هذا المضمار، مبيّناً، ودارساً، ومتفحّصاً قدر الإمكان، تجارب بعض شعراء هذه القصيدة، التي حوربت في بدء انطلاقتها من النشر، إذ جوبهت بالرفض من قبل جمهرة من الكتّاب، والشعراء، والنقّاد، والأدباء، واتهموها بشتى التهم، وبأقذع الأوصاف: القصيدة الهجينة، القصيدة المستوردة، القصيدة الخرساء. وكان الهجوم يأتيها من الكتاب اليساريّين واليمينيين، على حد سواء، والكل كان يحمل التهمة الجاهزة لها، ويحاول أن يسبغها على هذه القصيدة التي مضت في خطها التجديدي والتصعيدي نحو الأفضل، وشقّت طريقها، ولكنها بقيت حتى الآن تحارب من هذا وذاك، وإن بطريقة أخف وأقل من السابق.
كانت الشاعرة والمنظرة العراقية نازك الملائكة قد وقعت في خطأ التسمية منذ بدء حركة الشعر العربي الحديث، وكان إطلاق «القصيدة الحرة» على الشعر الذي جاءت به هي وقريناها السياب والبياتي، يعد خطأً تاريخياً فادحاً، فشعرهم الجديد لم يكن حراً مطلقاً، فله قيوده وأوزانه وقوافيه، والتجديد الذي طاله هو انتقاله من وحدة البيت إلى وحدة القصيدة، وكان من المفترض في هكذا مقام أن تسمى قصيدة النثر بـ «القصيدة الحرة» كونها متحرّرة كلياً من القيود الشعرية، ومن هنا ساد الخطآن اللذان أطلقا على ثورة الشعر الحديث التي قادها الشعراء الرواد العراقيون، وعلى قصيدة النثر التي تبناها أدونيس وأنسي الحاج وشعراء مدرسة «مجلة شعر» اللبنانية، لكن الذي حصل بعد ذاك، هو رسوخ مصطلح «قصيدة التفعيلة» كما يسمّى حالياً، ليتعايش على مضض، مع مصطلح «قصيدة النثر» العربية .
بيان القول إن هذا الجدل الذي أمتد إلى أكثر من سبعين عاماً، سيبقى مستمراً لعقود أخرى، حتى تحل أشكال جديدة أخرى وتمحو، أو تؤسس لمفهوم شعري مغاير ومختلف وجديد عابر للأنواع .
تحت ضوء هذه التجارب يأتي كتاب «الثمرة المحرّمة» ليضيف تجلياته ومسمّياته، ونظرته النقدية التي يطرحها ناقد له باع، وخبرة، ودراية بحركة الشعر العربي الحديث وتياراته الفنية الجديدة والمتباينة .
يتناول الناقد حاتم الصكر كل هذه الإشكالات، والطروحات والمسميات، في كتابه هذا، متطرقاً في فصوله الأولى إلى بدايات حركة التجديد لقصيدة النثر، مشيراً إلى روادها وإلى رواد شعراء المدرسة الحديثة للشعر، وكاشفاً في الوقت عينه عن أهم مراحل تطوّرات قصيدة النثر، على يد روّادها من الشعراء، ومشيراً في رحلته النقدية هذه، لكل ما مرّ بالشعر العربي من تطوّرات، على صعيد الكشف الجديد والتأثر بالمدارس والمنابع العربية والمرجعيات الشعرية الغربية، كل ذلك حدّده في مقدمة الكتاب التي قسّمها إلى أبواب ومحطات، ليصل فيما بعد المقدمة إلى تناول بعض الشعراء الذين كتبوا في هذا المضمار، وهو حسب تفحّصنا للكتاب وتمحيصه، قد قدّم قراءات وليست دراسات لشعراء عرب، منهم مَن رحل عن دنيانا اليوم، كتناوله للشاعر الأردني أمجد ناصر، وللعراقي سركون بولص ولليمني محمد حسين هيثم، والمصري محمد عيد إبراهيم، هذا إلى جانب لفيف من الشعراء الأحياء، من بينهم وديع سعادة، عباس بيضون، صلاح فائق، قاسم حداد، سيف الرحبي، صلاح بوسريف، أحمد الفلاحي، ياسين عدنان، خزعل الماجدي، عبده وازن، جرجس شكري، عبد الفتاح بن حمودة، باسم فرات، هاني الصلوي، عبد الزهرة زكي، طالب عبد العزيز، وغيرهم من الشعراء الذين تناولهم الناقد، خلال العقود الماضية، ووجد أنهم يمثلون ما تحدث عنه في دراسته النقدية المتميزة هذه التي أصبحت مقدمة لهذا الكتاب.
أفرد الناقد لمقدمته التي تعد بمثابة دراسة معمّقة لقصيدة النثر، مصحوبة بثورة الشعر الحديث وتطوّراته، ونقلاته، وتمظهراته الجمالية، الفنية، والأسلوبية، والشكلية، عبر أنساقه اللغوية واللفظية والإيقاعية، وتجلياته التعبيرية خلال السنوات والعقود التي صاحبت هذا الشعر، منذ ولادته وحتى الآن، أفرد أقساماً ومداخل وأبواباً ومنافذ لغرض الدخول لهذا الشاعر أو ذاك، أو لتناول ظاهرة شعرية وأدبية معينة، لغرض تسليط الضوء عليها وكشف حيثياتها وتمفصلاتها المعرفية.
تشتمل الأبواب على الثيمات، والسبل المعرفية النقدية التي تناولتها هذه المقدمة، وهنا بعض منها: إشارات في البنية والراهن والمستقبل ـ في البنية والتشكلات النصية ـ في الراهن الشعري، هل ثمة أمل؟ مستقبل قصيدة النثر ـ قصيدة النثر وحجاب التلقي ـ قراءات في المقترح والنصوص ـ المهمات الجماليةـ البلبلة الاصطلاحية وفوضى التسميات ـ تناقضات ذاتية ـ الموقف النقدي ـ تجربة مجلة «شعر» ومأزق التلقي، ليختم بقصيدة النثر في العراق، مشيراً إلى بداياتها وأبرز محطاتها، والأسماء التي كتبتها وأبدعت فيها، وجعلتها فناً شعرياً معترفاً به في الأوساط الصحافية والأدبية والثقافية العراقية.
د. حاتم الصكر: «الثمرة المحرمة، مقدمات نظرية وتطبيقات في قراءة قصيدة النثر»
شبكة أطياف الثقافية للدراسات والترجمة والنشر، الرباط 2019
200 صفحة.