لا يمكن وصف الشاعر الراحل سعدي يوسف إلا بالنهر الثالث في العراق، لحجم عطائه الإبداعي المتدفق منذ كان في الثامنة عشرة حين أصدر «القرصان» ديوانه الأول، وحتى آخر ديوان له، وهو «ديوان البند» الذي حمله المجلد الشعري الثامن للشاعر، بعد عمر اقترب من التسعين عاماً، عمر مُشبع ومترع بالشعر والحياة والجدل، عمر تقاسمته المنافي بأنواعها، وأسمائها وتشكيلاتها العربية والأوروبية، منطلقاً من بغداد التي عمل فيها مدرّساً لمدة عامين، ثم سافر إلى الكويت للغرض نفسه، ليعود بعد ذلك إلى العراق مجدَّدا، فيسجن أيام انقلاب الثامن من شباط الدموي عام 1963 نتيجة نضاله اليساري، ومطاردة السلطات له، ثم يودع سجن «نقرة السلمان» في الصحراء العراقية، مع كوكبة من المثقفين العراقيين، من بينهم الشاعران يوسف الصايغ ومظفر النواب والناقد فاضل ثامر، وبعد مكوثه عاما ونصفاً في السجن يطلق سراحه، بعد انقلاب القوميين العرب والناصريين بقيادة عبد السلام عارف على الحرس القومي، وهي ميليشيا تابعة لحزب البعث العراقي، ليسافر مرة أخرى إلى دمشق، ثم بيروت، ومن هناك إلى الجزائر، ليعمل مدرّساً في مدارسها الثانوية.
وهو هناك نشط سعدي شعرياً، فأصدر دواوينه الأولى «51 قصيدة» و»أغنيات ليست للآخرين» و»النجم والرماد» وقد أهداه إلى الشاعر الرائد بلند الحيدري، وحين تمت طباعة أعماله الشعرية حذف الإهداء، وأصدر بعده «بعيداً عن السماء الأولى» ثم ديوانه الذي شكّل نقلة في حياته وتجربته الشعرية «قصائد مرئية»، من إصدارت «دار صادر» في «صيدا» وبتقديم من أدونيس، وحين تمت طباعة الأعمال الشعرية حذف تقديم أدونيس أيضا.
كان سعدي في هذه الأثناء يعزز موقعه في أهم المجلات اللبنانية، فعدد مجلة «شعر» الأول حمل في الصفحة الأولى منه قصائد لسعدي يوسف، وكانت مجلة «الآداب» أيضاً تحتفي بنصوصه الشعرية، مبرزة إياها في الصفحات الأولى، هذا ناهيك عن نشره لدواوينه الجديدة، وكانت مفاجأة سعدي يوسف للشعر العربي، هو ديوانه اللافت «نهايات الشمال الأفريقي» الذي رسّخه كشاعر مجدّد، نادر، ومختلف، في تجربة الشعر العربي عامة، وعندما عاد البعث مرة ثانية إلى السلطة، أظهر وجهاً مختلفاً، بسبب تاريخه السيئ، والفاشي مع طبقات الشعب العراقي إبان مرحلة الستينيات، فأظهر في مطلع السبعينيات ودّاً رمادياً في المجال الثقافي، قاده رجل نظيف وشاعر بعثي، وقائد من قادته المختلفين، هو الشاعر المغدور الوزير شفيق الكمالي، فعاد إلى العراق مستجيباً لدعوته كل من البياتي وبلند الحيدري والجواهري وسعدي يوسف، ليصدر سعدي في بغداد وعن وزارة الثقافة ديوانه اللافت والمؤسس لمدرسة جديدة في الشعر العربي «الأخضر بن يوسف ومشاغله»، حيث توغل الشاعر أكثر في رسم التجربة الشعرية المُغايرة، المعنية باليوميات، ومتابعة شأن الحياة، ومفاصلها العادية، مع توابل فنية، يسارية ووطنية، تعمّق مسار هذه الأعمال لدى القرّاء عامة، نخبة وقرّاءً عاديين، ليسطع اسم سعدي يوسف عاليا، في سماء الشعري العراقي أولاً، والعربي ثانية.

كان البعث مكروهاً في العراق، وأغلب المثقفين كانوا يميلون إلى جهة اليسار، فنشر سعدي يوسف في تلك الأيام ديوانه هذا، فكان الأهم والأكثر شيوعاً وذيوعاً، والأكثر حفراً في شأن القصيدة المتخفّفة من عبء الخطابة، والنبرة العالية. جاء ديوانه بنبرة خفيضة، لم تكن موجودة قبله لا في الشعر العراقي، ولا العربي، وبالمناسبة رمز الأخضر هذا أو القناع، أصبح أيقونة شعرية وسَمَتْ تجربة سعدي كلها تقريباً، فكتب قصائد أخرى لكيما يعزّز من أفق هذه التجربة، مثل قصائد «أوهام الأخضر بن يوسف» و «كيف كتب الأخضر بن يوسف قصيدته الجديدة» و»حوار مع الأخضر بن يوسف» و»عن الأخضر أيضاً»، وبعد ذلك نشر سعدي قصيدة «سيدة النهر» في جريدة «الثورة» الحكومية، مهداة إلى عبد الوهاب البياتي، ولكنه عاد فحذف الإهداء حين نشر الأعمال الشعرية الأولى في بغداد عن «دار الأديب»، وكانت تحمل مقدمة من الناقد طراد الكبيسي حملت عنوان «الشاعر الرائي» مع افتتاحها، أي الأعمال، بإهداء إلى زوجته سهام علي ناصر، وظلت هذ المقدمة موجودة في الطبعة الثانية التي صدرت في بيروت عن «دار العودة» في عام 1977، وهو العام الذي كان لا يزال فيه سعدي يوسف موجوداً في بغداد، ولكنه في الطبعة اللاحقة والجديدة حذف مقدمة الناقد طرّاد الكبيسي، وحين تجدّدت طبعات أعماله الشعرية في دور النشر مثل «المدى» و»الجمل» و «التكوين» حذف الإهداء المعروف إلى زوجته، والتي أصبحت طليقته فيما بعد، مكتفياً ببياض المساحة.
اتهم سعدي يوسف في العقدين الأخيرين بتكرار نفسه، واجترار صوره، وتعابيره، وجمله الشعرية، ومفرداته اللغوية، وإعادة صياغة ما قيل سابقاً، وتدويره جمالياً، ليظل موجوداً في الساحة الشعرية العربية، التي عرفت أشعاره منذ مطلع الستينيات، وحتى أواخر لحظات حياته، إذ توّجها بخاتمة رائعة، فكتب قصيدة لا تتعدى سطورها الخمسة، لخّصت كل تاريخه، وحياته، ويومياته، مع الشعر، والناس، والحياة التي عاشها مثلما أراد، اسم القصيدة «فخر» وهي لوحدها تحتاج إلى دراسة، رغم قصرها، وشدة كثافتها، واختصارها لمحطات عمره، وتاريخه الطويل، وحياته الجدلية، تلك التي لم تكن سهلة أو سلسة، بل مرت بمنعطفات، ومنعرجات، ومطبّات يومية، كانت تفد إليه بسبب مواقفه، وآرائه الباترة، وأغلبها كان هو من يستدعيها، لتكون الوليمة عامرة، بالسباب، والشتائم، والوشايات من طرفه الذي كان يحلو له ذلك، ومن طرف الآخرين الذين كانوا ينالون منه بحق أو دون وجه حق، كأصدقائه الخُلّص، ورفاق حياته، ورفاق مسيرته المديدة في المنافي المختلفة.
وعطفاً على مسألة التكرار، فهي طريقة مبهمة، تصيب الشعراء الملهمين، والتكرار هنا هو الإلهام والإيحاء والإيعاز العلوي، وقد مسّ شعراء كباراً مثل نزار قباني، والجواهري، وأدونيس، وهي طريقة مفروضة عليهم من قوى عليا، وبذا لا يستطيع الشاعر المُلهم هنا، أن يردّ العطاء والكرم اللذين يأتيانه من القوى الغامضة، الموكلة بالعطاء الإبداعي، لذا الشاعر يقف ذاهلاً أمام الرؤى، وهو يتسلم مندهشاً غذاءه الخيالي، وزاده الروحي.
من هنا وفي ظل هذا السبيل الرؤيوي، أصدر الشاعر ثمانية مجلدات شعرية كان آخرها مجلد «خريف مكتمل» وقد احتوى على ست مجموعات شعرية، هي : «طيران الحدأة» و»محاولات في العلاقة» و»خرف مكتمل» و»السونيت» و»البند» و «ثلاثون قصيدة»، وكانت مجموعتا «السونيت» و»البند» في هذا المجلد تنفيان على نحو واضح وقوع الشاعر في التكرار، فهو قد أعاد الروح لفن البند الشعري المهمل منذ أكثر من مئة عام، وكتب السونيتات مقتدياً بالشعر الأوروبي، فقدّمه سعدي لنا بطريقة عربية، مؤثّرة ونادرة، وفريدة في سياق الشعر العربي. ومن ديوان السونيت نختار قصيدة «سونيت دجلة»:
«نزلتُ بوادٍ بين ليلى ودجلةٍ
فلم ندرِ أيَّ الجنّتين نزورُ
كأنَّ بليلى من شمائلِ دجلةٍ
تقلّبُ حالٍ فالأمورُ تدورُ
٭ ٭ ٭
لقد كان لي في شطّ دجلةَ مرْبَعٌ
وعشبٌ على تلك الضفافِ نضيرُ
ولكنني إنْ شئتَ عودٌ مضيّعٌ
تسيرُ به الغلواءُ حيثُ تسيرُ
لماذا أرى الأشجار حولي كالدمى؟
وتلك المماشي الخُضرَ جرداءَ بلقعا؟
هل اللون يأتيكَ إذا انتمى
وتلك الأغاني … لن تدورَ فتُسْمَعا
٭ ٭ ٭
سلامٌ على أرضٍ تناهبها البِلى
سلامٌ على ماءٍ سَلوتُ كما سَلا» .
وهنا أيضا سونيت «فرات»:
«هذه الجمعةَ أقلعتُ إلى نهر الفراتْ
فاختفى عن ملمسي زانُ الشمالْ
ليس ما نحملهُ لون النباتْ
إنه المعنى الذي نخشى عليه من زوالْ
٭ ٭ ٭
كلّما جاء إلى ليلي الفراتْ
نزَّ ماءٌ منه، عذْبٌ في المخدّةْ
أيكونُ الماءُ أصلاً للحياةْ؟
ربما … هأنذا اقطِفُ وردةْ
لم أزلْ أسمعُ في «الرِّقَّةِ» سحْبات الرَّبابْ
وأغاني النسوةِ اللائي يخوِّضنَ قليلا
في مياه السمَكِ الفضّةِ، والطيرِ السّرابْ
لم أزلْ ألمُسُ معنىً مستحيلا
٭ ٭ ٭
فلتكن يا نهرَ أجدادي، رفيقي
ولْتكُنْ يا دربيَ إنْ غام طريقي!».
ومن ديوان البند نختار الآتي «الأمير متوّجاً» :
«لمن خرّبتَ يا سعدي حياتكَ؟
أيّ أرضٍ كنت تقصدها؟
وأيُّ رعيةٍ كنتَ ترعاها؟
هي الأيامُ قالوا منذ دهرٍ إنها دوَلٌ …
إذاً ما أنتَ والدولُ؟
الأميرُ الفوضويُّ، متوّجاً أنتَ!
……….
اللآلئُ في القرارْ».
وهنا قصيدة «اطمئنان»:
«رضيّاً
مغمضَ العينينِ
تجلسُ عند نافذةٍ تطلُّ على الحديقةِ،
إنه الفجرُ القديمُ
الفجرُ ذيّاكَ الذي ما عاد فجراً،
قد تساوى
الفجرُ والظهرُ،
تساوى الطُّهرُ والعُهرُ،
تساوى البيتُ والمنفى،
ولكنكَ ما زلتَ رضيّاً
مغمضَ العينينِ
تغفو عند نافذةٍ مضبّبةٍ
وتحلمُ».
سعدي يوسف: «خريف مكتمل»
دار التكوين، دمشق 2021
500 صفحة.