من يتابع الفضائيات العربية هذه الأيام تصدمه ثنائية لم يعهدها في تاريخه تتمثل في تقمص النقيضين الديني والإنحلالي، بحيث يصنع هذه الإعلام هاتين الذائقتين المتطرفتين اللتين باتتا تعلوان على كل شيء في حياتنا اليوم.
فبعد أن صنع هذا الإعلام العربي متبوعا بالغربي، بطبيعة الحال، أسطورة «التنظيم» من خلال نقل خلجاتها وتصرفاتها ويومياتها باعتبارها نجما ينافس نجوم السينما، التفت بعض الإعلام الخليجي واللبناني لمواجهة هذه الظاهرة بظاهرة على نقيضها وهي تصعيد برامج الجنس وأخبار العري بطريقة تفكهية كي يتم قبولها، أي محاربة النقيض بالنقيض.
تماما كما أصبحت قضايانا في الاعلام الغربي تتمحور حول «الجهاديين المتطرفين» وظاهرة نجمات أفلام الجنس العربيات، بينما تراجعت أخبار الثورات لتصبح ثانوية، كما بدت مؤخرا في «سكاي نيوز» و «أي تي في» و»فوكس» وغيرها.
الثورات عبر التاريخ الإنساني كانت تفرز فلاسفة ومبدعين ينيرون الدرب بعد إظلامه، إلا لدى الإعلام العربي، الذي استسهل مقارعة النقيض بنقيضه، وفي هذا إزدهار لحياة النقيضين. وفي الوقت الذي تشاهد برامج وأخبارا تمجد أبو بكر البغدادي وصحبه بشكل مبطن بنقل أفعالهم كلها، كنوع من الدعاية المجانية، تجد أخبار ممثلتي الأفلام الإباحية العربيتين اللبنانية ميا خليفة والأردنية ديانا جهاد أيوب تملأ معظم البرامج والصحف ووسائط التواصل الإجتماعي مؤخرا.
والأنكى من ذلك، ودعما لدور الفضائيات العربية تدلي خليفة المتعرية بحديث تطالب العرب بدل الإهتمام بحياتها الشخصية التوجه لمحاربة ظاهرة داعش التي تسيطر على حياتهم. وما حد أحسن من حد!
التحرش الجنسي
لا يوجد مجتمع تحلق عنده ظاهرة التحرش والاعتداء الجنسي عاليا، كما بات في بلاد العرب، وكما يُقال فان الضغط يولد الإنفجار، لكن الإنفجار لدينا كان منويا وليس نوويا، أسوة بإيران واسرائيل مثلا!
فبعد مصر التي انقسم إعلامها بين الديني والانفتاحي، وكثرت فيها ظواهر التحرش التي باتت تهدد السلم الأهلي، ها هي تنتقل الظاهرة الى دول الخليج، بحيث أصبحت كذلك محط جذب وإهتمام إعلاميين لافتين. وبعد تصعيد بعض وسائل الاعلام السعودية لبعض وجوه المخنثين لتجعل منهم نجوما، ها هي باقي دول الخليج تختبر انتشار ظواهر غريبة على رأسها «البويات» (الفتيات السحاقيات)، وعبدة الشيطان، والتحرش الجنسي المتبادل بين الجنسين. فهل هي حركة إعلامية عفوية أم سياسة رسمية للإلهاء والإستقطاب؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.
أنجلينا جولي وموسى السوري
لم يقاس لاجئون في التاريخ الحديث ما عاناه اللاجئون الفلسطينيون ليأتي السوريون فيبزون أشقاءهم وتصبح التغريبة شامية متدحرجة.
قصص المشردين والأيتام والثكالى قد تغني حقول الدراما والمسرح العربي والأدب والأشعار لعشرات السنين، لكن هذه القصص تحمل من التناقض والغرائب والمفارقات والعجائب الكثير، فقد عرض التلفزيون التركي صورة مؤثرة جدا لسفيرة النوايا الحسنة أنجلينا جولي وهي تزور مخيم «التنوز» للاجئين في هاتاي التركية، وعندما رآها طفل سوري يدعى موسى، فقد أبويه في الحرب، صار يبتسم بسعادة كبيرة، وقبل أن تصل إليه تقدم إليها وعانقها، وهي كانت حنونة وعاطفية معه للغاية، ولم تسيطر على دموعها، لتعلن مؤخرا أنها تبنت هذا الطفل.
وسينضم موسى السوري لأبناء جولي وبراد بيت الستة، وهم مادوكس 13 عاماً، باكس 11، وزهرة التي تبنتها من إثيوبيا 9 سنوات، وشيلوه 8 والتوأم فيفان ونوكس البالغين من العمر 5 سنوات.
المفارقة هنا أن في وطننا عشرات آلاف الأغنياء والمتخمين والفنانين الميسورين، لكن لم يفعلها واحد منهم، ولا حتى زعماء أو دول، حتى على سبيل التنافخ، كما جرت العادة، وعجز النفط العربي كله أن يدفىء قلب طفل يموت بردا في مخيمات اللجوء، وضاقت أرض العرب، على شساعتها، التي تغنى فيها السوريون وإعتبروها «بلاد العرب أوطاني من الشام لبغداني» أن تستوعب طفلا بعد أن أوصدت أبواب العرب في وجوههم وصاروا بحاجة لفيزا مستحيلة، وبات هذا الطفل أكبر من كل هذه الأوطان ومن فيزات دخولهم السوداء.
اللاجئون بين الفنانين المؤيد والمعارض
في الوقت الذي جبن فيه الفنانون العرب والسوريون عن الإقتداء بجولي سجل الفنانان السوري مكسيم خليل وزوجته سوسن أرشيد «المعارضان» بادرة طيبة، حين زارا مخيمات اللاجئين السوريين في البقاع، وأشرفا حسب تلفزيون «المستقبل» على توزيع بطّانيّات شتويّة وحطب لثمانين عائلة، بينما بكى النجم السوري «المؤيد» قصي خولي على الهواء مباشرة في مقابلة معه على قناة «الجديد» عندما تمّ سؤاله عن أوضاع اللاجئين في ظل هذا البرد القارس، فقال «في ناس في أطفال في كبار في أهل في أباء في ناس عندهم أحلام وطموحات وأمال قبل فترة كان لازم تتحقق صاروا لاجئين تحت خيام ولسبب ما صاروا مشردين ولسبب ما ما عاد في أي دعم والطفس في لحظة من اللحظات صار صعب جدا وقاسي جدا وما في أي قوة في العالم ممكن تتحملوا وحكما هذا الشي مؤذي»، وهنا لم يستطع حبس دموعه فأدار وجهه وبدأ في البكاء.
فيما ذهبت الممثلة «المؤيدة» كندا حنا، خلال حوار في برنامج «المختار» مع الإعلامي باسل محرز، عبر إذاعة «المدينة أف أم»، لدعوة اللاجئين للعودة الى سوريا، وقالت إنه ورغم ما تمر به البلاد، إلا أن الظروف في سوريا أفضل بكثير من الظروف التي يعيش فيها اللاجئون، كما أبدت رفضها لقرار النقيب زهير رمضان بفصل بعض الفنانين من النقابة تبعاً لمواقفهم السياسية، وهذا موقف يحسب لها، في الوقت الذي يهرب أغلب الفنانين المؤيدين من التعليق على هذه الوصمة الفنية السوداء. لكن الفنانة الحنونة لم تبين كيف ستضمن لهؤلاء العودة لديارهم دون أن يقتلوا.
وبين مؤيد ومعارض يسجل الفنانون موقفا على الأرض يتجاوز مواقف السياسيين مجتمعين مؤيدين ومعارضين، وهذا يحسب لهم.
سقوط الفنانات في لجان تحكيم البرامج
اذا صدقت الأخبار حول قرار المطربة نجوى كرم ترك برنامج «آرب غوت تالنت» في الموسم المقبل فانها خيرا تفعل، فمن الأفضل للكثير من المطربين أن يبقوا في غنائهم مميزين وعدم التطفل على حقول ليست من اختصاصهم.
فقد غدت أحلام ونجوى كرم ونانسي عجرم مثارا للسخرية والتهكم، لكن الأنكى أنهن إستمرأن الحالة هذه، وصرن يتخذن منها وسيلة للشهرة والإستقواء.
وخيرا فعلت نوال الزغبي حين نصحت نجوى كرم بالانسحاب من البرنامج، كما نصح الكثير وما زالوا أحلام ونجوى، فهل يفعلنها.. فأصواتهن حقا جميلة.
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»
أنور القاسم