«إننا صحارى، لكننا معمرون بقبائل وحيوانات ونباتات»: كتابة الصحراء وخاصية البداوة

إبراهيم محمود
حجم الخط
0

ثمة تقاسيم صحراوية، مراتب حديث، وهي تحتفظ بعلامات متمايزة ومتفاوتة في القيمة: صحارى يسهل قطعها، وصحارى متوسطة لا تخيف كثيراً، وصحارى هائلة المساحة، متاهاتية، محفوفة بالمخاطر، مثيرة للمتخيل، صحارى تمتد إلى ما وراء الأفق، كما لو لا متناهية، وما في ذلك من جواز التسمية بالأوقيانوسي، شأنها شأن المحيط في عظمته وروعته معاً.
هناك الكثير مفصَح عنه، على صعيد المسح الجغرافي، والحفْري، والتنقيبي، والاستعاري بالمقابل، وفي كل ذلك ما يدل على قابلية الصحراء هذه لأن تكون حمالة رموز، عبّارة لأوصاف، وما يتحدى التعريف كذلك.
المضي إلى الماضي الغابر، التنبُّه إلى الحاضر، الدخول في لعبة أوصاف الاسم، النظر في كل وصف على حدة، محاولة الإحاطة بالصحراء وتبين معالمها، استحضار القائمة الكبرى من تلك الكتابات التي تناولتها، بلغات مختلفة، من ألسنة مختلفة، وبصدد تنوع الجماعات فيها. وما يعزّز هذا الاسم مكانة، وحضورَ أثر: المؤثّر الميثولوجي، الديني، الاعتقادي، والطبيعي المركَّب، فيكون لدينا هذا الأرشيف، ضاماً إليه كائناته، جغرافيته الخاصة، هويته البيئية كما سنرى، ما أمكن الوصول إليه، وما يبقى في وضعية اللانفاد اعتباراً واكتشاف قوى.
لنجد تمثيلاً فلسفياً وجمالياً مبتكراً من داخل هذا الحضور اللامتناهي للصحراء، مع جيل دولوز، كما لو أنه (نظير باشلار) عاش حيوات الصحراء، حكاياتها، خفاياها، استلهاماتها.
ما يخص التنبيه إلى الحضور الجغرافي: الصحراوي داخلنا.
حين يقول دولوز هذا منوّهاً إلى المكانة التليدة والمرئية في العمق صحراوياً: «هناك داخل كل واحد منا نوع من التزهد يكون جانب منه موجهاً ضدنا، إننا صحارى، لكننا معمرون بقبائل وحيوانات ونباتات، ونقضي وقتنا في ترتيب هذه القبائل وإعادة وضعها، وفي تنحية بعضها وإغناء البعض الآخر. وكل هذه الحشود وهذه الأفواج لا تتعارض مع الصحراء التي هي زهدنا ذاته، بل العكس، إنها تسكنه وتمر عبْره وفوقه».
وما يترتب على هذا الاهتمام المعمق من اهتمام من قبل سواه، بما انشغل به دولوز، وخاصية البداوة، ولعبة المجهول التي لا تقدَّر قيمة، أو لذة منْح واكتشاف، إلا من قبل من أوتي إياها، ومقام الإبداع، أو الجذمور في ذلك، حيث يكون الاختلاف الذي يشغل موقعاً مثمَّناً لدى دولوز، حيث الشجرة الواحدة، بعائدها الجذموري إلى غابة.
فلسفة دولوز هي «علم البدو»، الذي يدعو الفكر إلى نشر نفسه في حالة انعدام ثقة جذرية تجاه «آلة الحرب» التي لا تتحرك. ومع ذلك، كان هو نفسه متردداً في السفر. «يجب ألا تتحرك كثيراً حتى لا تخيف المستقبل. لقد أدهشتني جملة من توينبي: البدو هم أولئك الذين لا ينتقلون، يصبحون بدوا لأنهم يرفضون المغادرة».
الحضور الإنسي طي أو في حضرة الحضور الصحراوي مجال واسع وجدير بالنظر فيه، ولو بإيجاز، حيث إن الصحراء تحتفظ بمقامها المترامي الأطراف، بقوّتها الخفية، وبوصفها المنفتحة عالياً على المتسامي، وذات الميزة الخاصة بالصمت الباعث على الخشوع. ولهذا كانت مصدر إلهام لمستويات مختلفة من التوحد مع فضائها أو مع لا تناهيها، باعتباره «ظلاً» متخيلاً لقوة ضاربة، علامة رفعة لصانع لا يجارى، أو مطلق القوة.
ومن هذا المنطلق بالذات، ومغزى الإحالة هذه كذلك، كان الحديث عن نيتشه وصلته بالطبيعة وبالصحراء عينها. «عندما نتحدث عن الإنسانية، فإننا نبني أنفسنا على فكرة أنه يمكن أن يكون ما يفصل الإنسان عن الطبيعة ويميزه عنها؛ ولكن، في الواقع، هذا الفصل غير موجود: الخصائص «الطبيعية» وتلك التي يقال إنها «بشرية» بشكل صحيح متشابكة بشكل لا ينفصل. والإنسان في أنبل وأسمى ملكاته هو طبيعة بالكامل ويحمل في داخله غرابة هذه الشخصية الطبيعية المزدوجة. إن قدراته الهائلة، التي تعتبر غير إنسانية، ربما تكون حتى الأرض الخصبة التي يمكن لأي إنسانية أن تنبثق منها في شكل عواطف بالإضافة إلى أفعال وأعمال».
ومن المؤكد أن المعني بأمور الصحراء، بالمعالم الحسية وتلك الواقعة في إثرها أو وراءها، ومن يتأمل امتدادها في «سريرها» الرملي الكبير والهائل المساحة والمتحرك، يقدّر توجهاً كهذا، ومن ثم تقديراً لمعاينة قاعية، وما يفيض عن المعنى نفسه عبْر حالات توحد مع الصحراء.
وننظر في رابطة القرابة الرمزية بين الكتاب والصحراء، بين ما ينتمي إلى الصحراء، وما يشكل مشهدا منظوراً فيه دائماً: الرمل، وما يخص حركته والتحرك فيه، وخلاف ذلك، ما يجعل الكتاب ميْتاً، أو في حالة موات، وما يبقي الكتاب في وضعية موت، دائماً، وقابلية الانبعاث من صمته، أو رقاده، منبسطاً على مجموع جهاته، مفاجئاً من له علاقة به، ومن يتحرى أثره. ما يكون عليه صمته من إشهار ثراء المعنى، وما في أصل الصحراء من ميتات ومن حيوات، ما يصل المقيم فيها باللامتناهي، بالساعة التي تعتبَر كونية، حيث تحال ذاكرة كاملة، في حجمها وهيبتها، على ماض له أزمنته الخاصة. وقد تراسل الأنبياء والرسل فيما بينهم، وسقفهم العالي: السماء، وفي الوسط حيث البرزخ المحلق يكون العابر للأثر عالياً، وما ينزل عبرهإ إلى الأرض، وحيث اجتهد أهل الكتاب من حِرفييه، ومن لهم شغف بالصحراء، من هم مأهولون برهبتها، في أن يكون الأكثر قرباً منها، الأكثر مرونة للوصل بين الكتاب والصحراء كما في حال إدموند جابيس.
من المؤكد أن الكتابة البدوية لإدموند جابيس تتميز، من بين أمور أخرى، بمحاولته إحاطة ما لا يوصف بطريقة ديناميكية. ولكن بينما يأمل أدورنو في تحقيق مكاسب موضوعية للمعرفة من خلال تكوين المصطلحات، فإن جوهر السلبية المستهدفة لدى جابيس لا يتم تأكيده إلا في الوجود دون فك شفرته. لهذا السبب يستخدم جابيس الاستعارات الصحراوية بدلاً من المفاهيم، حيث يمكنه توسيعها بطريقة تكوينية. فقد كتب على سبيل المثال في «كتاب الشبهات»: «الصحراء مرآة إلهية مسحوقة».
وفي كل ما تمّ التذكير به، وعلى أكثر من مستوى، في مقدور القارئ، أو المتابع لهذا التنوع في الكتابة عن الصحراء، النظر إلى الصحراء، وقراءة أثرياتها التاريخية والجغرافية، وكيفية الصهر بين مجموعة الأُثريات هذه.
وإذا هناك ما يزيد مفهومَ الصحراء، وما أسنِد إليه من تنوع في الدلالات، إنما من تأكيد على المكانة والرهبة والحضور القدسي لما يعجز الوصف عن التعبير عنه، فإنني أتوقف عند علي شريعتي المفكر الإيراني المعروف. وهو انطلاقاً من كتاب يحمل الاسم نفسه «الصحراء» ويتنقل بين كمّ وافر من تلك العلامات المحفّزة للمتخيل لأن يحلّق عالياً، كي يعيش حالة النشوة في الشراب اللامرئي لهذه الصحراء، أي لـ «صحرائه» كما عاشها، كما تخيلها، وربما كما تفاعل معها روحياً، وما في تلك التعابير ذات الألق الصوفي المشرقي، وجانب الاستغراق فيه وغياب الوعي المادي. حيث إن طائفة من التعابير التي تحيل القارئ إليه، تزيد الروابط بين البيئي: الصحرواي، والإنسان هنا، خصوصاً إذا كان يعرَف بحيوية فكرية، وجموح أدبي إبداعي كذلك حين يُخرِج الصحراء في مشهديات سينمائية، لها ألوانها وأصواتها، حيث تبرِز كثافة انشغاله بها، بمقدار ما يرتد بنا هذا الوصف إلى الذاكرة التصويرية لديه، ورؤيته لهذا العالم ومسقطه الاعتباري:
«الصحراء! حيث العواصف الدائمة والسكون الدائم، دوماً في طور التحول ولا يتحول أي شيء، كالبحر، لكن ليس بحر الماء والمطر واللؤلؤ والسمك والمرجان، بل بحر التراب والرمال والغبار والأفاعي والخنفساء وكثير من الزواحف، وفي بعض الأحيان تحليق طير وحيد تائه، أو سرب خائف ومن دون وكر، حكاية طاغور وببغائه، ليس في الهند بل في أرمينيا».
وما يستوقفه، ما يستدرج به قارئه إلى جهة غير معلومة، وهي بصفتها المجازية: الخيال! والخيال ليس حصيلة بحث حفري، أو جرّاء تجربة مخبرية، وإنما نتيجة معايشة روحية لها عراقة تاريخ بصورة إجمالية، وما يدخل الخيال في عهدة الأسطوري، والديني وصوب الأعلى، وما يمارس في الخيال نفسه، من تنقية الاسم، أو طرحه ليكون أكثر إثارة بمحتواه الإبداعي:
«الصحراء هي نهاية الأرض، نهاية موطن الحياة، في الصحراء كأننا قريبون من حدود العالم الآخر. لذلك يمكن رؤية ما وراء الطبيعة – الذي تتحدث عنه الفلسفة ويدعو إليه الدين – بأمّ العين ويمكن الشعور به. ولذلك نهض الأنبياء كلهم من هنا واتجهوا صوب القرى والمدن. إن «الإله حاضر في الصحراء!» لقد أدلى بهذه الشهادة كاتب روماني جاء إلى صحراء الجزيرة العربية من أجل أن يعرف محمّداً ويرى صحراء تُسمع فيها دوماً ترنيمة أجنحة جبرائيل، تحت غرفة سمائها العالية، وحتى أشجارها وكهوفها وجبالها وكل صخرة من صخورها وحصاها ترتل آيات الوحي وتصبح لسان الله الناطق، لقد جاء إلى هذه الصحراء ليُشمَّ عطر الإلهام في جوها الغامض».
إنها استعارات لها جذورها، كما أن لها إشراقاتها في تمثّلها لعوالم متداخلة، عوالم حية، ضاجة بالحركة، رغم أن المرئي أو القائم هو الصمت، غير أن هناك عالماً ثرياً داخل هذا الصمت.
وفي ضوء هذا اللامتناهي، كيف يكون في مقدور السرد، أن يؤدي مهمته، حين يشد على محرّكه الروحي الخاص، ويفعّل أثره مراعياً الصحراء وومضاتها، حين يتراءى اللامتناهي بالنسبة إلى الكاتب المعايش للصحراء، ما هو بهي، ما يمكن أن يُسمَّى عميقاً، حيث التغير علامة فارقة في العمق، وليس الجاري سطحياً طبعاً، ففي أي نقطة من الصحراء يمكن لحركة قاذفة أن تدوّي محيطياً، أن يتبلبل الزمن، وألا يكون في مقدور من يسعى إلى تبيّن لغتها التمتّع بروح تلتقط أدق الإشارات فيها، كما تبثها هذه ما يصلها بها، وما يجعل من العلاقة أكثر من مجرد علاقة، جرّاء هذا اللاتناهي، وأي ملء عجائبي، مترِع بالخوارق والكائنات الخفية والدقيقة فيها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية