«ماذا لو كان الأدب ماء؟» هذا سؤال ربما يصعب إن لم يكن مستحيلاً الجواب عنه. سؤال عنوان بالمقابل. ماالذي يقرّب الأدب من الماء، ليكونَه في المحصّلة؟ هل يمكن للأدب أن يكون ماء أو في مرتبته؟
لعل أهل العلْم أدرى بذلك، وهو أن الماء بدون لون وطعم ورائحة. إن كل ما يقرّبه من ذائقة حسّية، من الرؤية، ومن الشم، لا صلة للماء به. كما لو أن الماء موجود بسواه، حين نشربه، ونحس ببعض مما تقدَّم ذكره. إنما كيف للأدب أن يكون هكذا؟ ثمة ذاكرة وثمة تاريخ حول ذلك!
هل يمكن لأحدنا أن يقبِل على قراءة أدب أو تسطيره من دون الإحساس بجانب مما تقدم؟
ألا يمكن للأدب أن يكون في أكثر حالاته انفتاحاً، واستحالة تأطير، كما هو الماء في خاصيته العلمية؟ أليس سؤال كهذا، يجرّد الأدب من كل قيمة نفسية وحسّية؟ أم تراه في الحالة هذه، الحالة هذه وحده، يطابق فيها اسمُه مسمَّاه؟
ألا نتحدث عن ألوان الأدب، بأجناسه المختلفة، عن الأدب بتشبيهه بالطعوم: حلاوته، مرارته، تجرده من كل طعم، فيكون للذوق في هذا نصيب معتبَر؟
ومنذ متى كان للأدب هذا التداول، وهذا التقريب الحسي من الأذهاب كذلك، دون الاستعانة بما هو كيميائي، فثمة أدب كريه المضمون، منفّره، وفوح الرائحة بالمقابل؟
بالطريقة هذه، ألا يصبح للأدب تجنيس مناظِر لما هو جسدي، في مختلف إفرازاته وأنشطته النفسية والحسية بامتياز؟ وفي مبتغى الأدب ما يخرجه عن التجنيس بوصفه تلبيساً له.
هنا، في هذا المقام، لا يعود لمَا له من نسَب حسي، أي أثر، أي حضور، فيختفي الأدب إذاً!
بين اعتبار الأدب أدباً يطرَح محرَّراً من كل وصاية أو فضيلة حسية مسيَّرة، ومؤثّرة في كل علاقة نفسية معه، واعتباره معرَّفاً به، أو مأخوذاً به معلوماً باسمه كذلك، وأهلاً للتداول، حيث يكون منظوراً إليه بنسَب مختلفة من الثالوث الحسي ذاك. ينبري الأدب مفهوماً وتاريخاً!
في قراءة الماء كتأريخ، يكون ذلك التقابل الحدّي بين ما يكون الماء ماء بعيداً عن أي مؤثر مذكور، وما يحمّله به، حيث يُستأثر بالماء ويعرَّف به كحقيقة دون أن يكون كذلك.
في النظر إلى الماء كمفهوم، يُنظَر إليه مدشّن الحياة، مجسّدها، والشاهد عليها، في تنوع حالاتها، إنما لا صلة بالماء بما عرِفت به الحياة ألواناً وطعوماً وروائح، من جهة كائناتها الحية، فالماء يسمو على كل ذلك بما لا يقاس.
وبصدد الأدب وكنظير مائي، ينظَر إليه في نشأته شفاهة، وكتابة، على أنه ذلك التقابل المفصلي بين كونه الأدب الذي لا يقبل حداً، ولا سقفاً ولا قاعاً. إنه اللامتناهي، ليكون متقدماً على كل لغة، على كل ذاكرة استئثارية به، على كل توصيف جانبي له.
الذين سعوا، ويسعون إلى طرح مفهوم الأدب مائياً، وبالصيغة المعلَنة، ويكابدون جرّاء ذلك، إنما يقدّرون في داخلهم، وتبعاً لتلك الذائقة غير المقرَّرة بما هو معهود، أو معطى باسمها، ما ينبغي أن يكون عليه الأدب، وهم يوسّعون في محتواه وفي مفهومه وفي تاريخه الذي يصفّي المحلي، والآني، والجهوي فيه، توخياً للطليق فيه.
يخرج الأدب بالطريقة هذه عن كل تصنيف وتعريف وتوصيف، مثلما لا يعود الماء يُرى أو يُشَم أو يُستطعَم، بينما يعايَن وهو يحيل ما يلمسه بهاء وزهواً ومتعة تتعدى حدود كل ذات!
كيف يمكن للأدب أن يكون ماء؟
هو أن الماء نفسه ينظَر إليه في تحرره الثالوثي، داخلاً في كل ما ينفذ فيه ويتلاشى فيه!
كل ما يُسمّي الأدب أدباً باسم معين، بتوقيع معين، ويشاد به، كما لو أنه حقيقة الأدب، تعمية للأدب كمفهوم، وإقصاء له!
في العودة إلى الماء الذي يعوَّل عليه كثيراً، في ربطه بالحياة، أي في اعتباره أس الحياة، كان سعي الذين قاوموا فيه ما يقلّل من جوهره، أو حقيقته المتعالية على كل عالق فيه، ومعزَّز به، هو أن ينبّهوا إلى أن الحياة إن أريد لها صفاء، أو مكرمة كونية، تنتظرنا، حياة مؤجَّلة!
ربما كان في الذي اجتهد فيه غاستون باشلار الفرنسي مائياً ضرباً متقدماً ونوعياً من ضروب تفهّم الماء المفارق كثيراً لما يخصه. إننا إزاء استطيقا الماء وانفجار دلالاته.
في كتابه عن الماء، سعى إلى رسم لائحة طويلة، ومتشعبة له، في توزعه، وأفانين منطلقاته: انبثاقاته، مجراه، توزعه، تسربه، وانتثاره هطولاً من السماء، وكمونه: من المفهوم الينبوعي، إلى النهري، إلى البحري، فالأوقيانوسي، والجدولي، والكامن في الأعماق، هي حالاته بالمقابل، ليكون له هذا النسب الغفير الأثير، وهو جنس ثري الأنواع، وما ينعطف عليه مائياً، وهو سعي لا يغفَل عن بدعة مأثرة منطلقه الفكري والنفسي. أكان باشلار مأهولاً بما هو مائي لا جسدي توصيفاً؟
ربما كان الذي تفتقت عنه قريحة باشلار على الصعيد المائي، وفي المأثور المأئي، وفي الامتداد المائي، شاهداً لا يتكرر بسهولة لدى سواه، لحظة النظر فيما أفصح عنه في الأبعد من جمالية العنصر السائل ومكانه وتحولاته فيه.
لم يكن باشلار وريث طاليس المراهن على الماء بوصفه أصل الحياة، إنما تمكن، كما تعلِمنا بذلك رؤيته بمرجعيتها المائية، من أن يفعّل ما هو طاليسي، ويعمّقه، ويخصبه مفهوماً، وقد أفصح عما هو مائي في فنون الأدب المختلفة. ومن يقرأ مستهل كتابه ذاك يلاحظ كيف يحدد مدى «سرَيان» فعل العلاقة بينه وبين الماء، حيث كان مسقط رأسه معززاً بينابيع مائية ومصباتها، وما في ذلك من معايشة مائية الطابع.
نعم، في مقدور قارئه أن يشير إلى مدى اعتنائه بالنار، بالهواء، والتراب، حيث تتفاعل الأسطقسات «العناصر» الأربعة في الوجود، سوى أن الماء بأثرياته الوجودية، له اعتبار آخر، إذ الشعور بما هو مائي، والتنفس بما هو مائي، بطريقة ماء، والتفاعل مع ما هو مائي، بصورة ما أو بأخرى يجيز لنا مثل هذا التشديد على الحقيقة التي تتقدمنا أدبياً.
ماء في الداخل، ماء في الخارج. ماء يتفعل على طريقته، هي ذي الفضيلة الكبرى للماء، إخلاصها لمبدأها.
أين تموقع الأدب؟ هو ما يصار إلى النظر فيه، متجاوزاً لكل ما عُرِف به، أو توقف عنده.
في كل توصيف، أو تعريف، أو تصنيف للأدب، إرجاع بمفهوم مائي موجَّه حسي المقام، ومن زاوية معينة، إلى الالتفاتة عليه، وتجييره. فليس من أدب يستحق الاعتناء به إلا حين يتقدمنا ويتجاوزنا لنحسن التنفس ونمتلىء به بحيوية أكثر.
يتلاقى هنا الماء والأدب. أي حيث يكون الأدب ماء، وقد استحال كونياً، عالمياً، أبعد من أن تكون له شواطئ، أو ضفاف، أو سدود، مسطحات وغيرها مما يعيق حركة الماء، ويؤثر في تكوينه، وحيث ينقلب الماء نفسه، أدباً، وهو يُرتشَف، أو يُغترَف منه، فلا ارتواء منه، كما هو المنتظر من ذلك.
ثمة دروس في هذا اللاسياق الفضائي، ومنها: أن الأدب يمكن أن يفعّل الكوني في كينونتنا إن نظِر إليه خارج كل تسمية أو علامة فارقة. ليس من علامة فارقة للأدب المائي النسَب، خشية أن يصار إلى تعكير معناه.
وأن الأدب، في الحالة هذه، وحده الضامن الأبدي على الدفع بكلّية الجسد إلى النظر في الجهات كافة، نداء للآتي أكثر.
وفي مقدور الأدب، كما تخبِرنا أفانين القول فيه، بفنونه المختلفة، أن يشكل الحاضن الأكبر لما هو إنساني، خارجاً عن كل معطى مؤطَّر. إنه الماء الذي في مقدوره أن يعكس في صفحته، مختلف الوجوه دفعة واحدة.
أوَليس الذين يتحدثون عما ينبغي أن يكون عليه الفكر نفسه، وليس الأدب وحده، متضمناً مختلف الأصوات بلغاتها، وما في ذلك من ثراء الوجود بموجوداته، تأكيداً على هذا المنشود والذي يؤجَّل دائماً، وعليه أن يكون في حكم التأجيل إلى ما لا نهاية، طالما أن هناك حياة، وهناك من يحتفي بالحياة، ويطمح إلى الأفضل؟
في العودة إلى باشلار، في أثره النفيس عن الماء، أليس الذي انشغل به، كان يستهدف كيفية الدفع بمفهوم الأدب بالذات، إلى أقصى مدى، وهو تعرية تلك العناصر الدخيلة عليه: ثالوثياً، والتي مثّلته من دون أن يكون ذلك؟ أن لا يُرى أو يُشعَر بالماء بقدار ما يكون حاضراً ما يتأتى باسمه مشهديات حياة؟
أن يكون الأدب على هيئة مائية، أو ماء باختصار، هو أن يُقبَل على قراءته، على كتابته فقراءته، وهكذا، تعبيراً عن هذا اللامتناهي وهو الرغبة الأقصى لأبدية عابرة لحدودنا المتقطعة الملغومة، هو أن يتحرر نصه من خاصية المتن، من إطاره، ومن قراره، ومداره، وقد أصبح في مقدوره الآن أن يمنح كل قارئ، كل كاتب، ما من شأنه الامتلاء بهذا اللاتناهي، ولعل البالغ لهذا الحد والمرتقى، هو القادر دون غيره على معايشة ما لم يتسنَّ له الانسكان به من قبل.
أن يكون الأدب ماء إقرارٌ يتعدى مفهوم المألوف، ولا بد أن يكون كذلك، لأن الأدب، وبوصفه أدباً، وكونه وليدَ إبداع، في اللحظة التي يغدو فيها مألوفاً، يستنقع في محتواه، كما هو الماء في ركوده، ولهذا يمتلك الأدب شهادة بالغة الأثر في مكاشفة نوعية الحياة التي يعيشها هذا المجتمع أو ذاك، استناداً إلى مغذّيه الماء.
لا مناص للأدب، ولكي يكون أدباً، ومنشودنا الغدوي، كما هو الماء الفعلي، من أن يختفي بقائمة العناصر التي تثقِل عليه، وتضييقاً لمفهومه، وتقليصاً كارثياً كذلك لمعناه، في تلك الروائح، الألوان، والطعوم الجانبية، ومردودها الغائي الضيق.
أن يكون الأدب ماء، هو ألا يُستبقى فيه إلا ما يصفّيه، ما يكفيه لساناً يلهج بمختلف اللغات!