من شاهد سلسلة الأفلام الوثائقية الشهيرة «أبوكاليبس»، المؤلفة من ستة أجزاء، وتناولت أهوال الحرب العالمية الثانية، لا يخطئه ما يحصل اليوم من تشابه كبير في أوروبا.
حرائق وألسنة نيران تلتهم شاشات التلفزيونات في الدول الغربية – ولا نتكلم هنا عن سعير الحرب في أوكرانيا – بل هي موجات من اللهيب تغزو الشاشات، وترصد تحولا تاريخيا يدق ناقوس خطر داهم على بيوت الأوروبيين، بعد أن وصل موس الطقس الى ذقون الأوروبيين، للمرة الأولى في التاريخ.
أوروبا تحترق، هذا ليس سيناريو لفيلم هوليوودي، بل أسوأ حقيقة تختبرها أوروبا هذه الأيام مع موجة احترار أيبست خضرة أوروبا النظرة، وأدت الى حرائق في عموم بلدان القارة.
عايشنا هذا الأسبوع كيف ضربت موجة من القيظ غرب أوروبا مخلفة حرائق ضخمة في الغابات والمنازل. فتسببت الحرائق المستعرة في إسبانيا منذ يوم الأربعاء الماضي، في تدمير ما لا يقل عن 60 ألف هكتار من الغابات.
ودمرت بالفعل أكثر من 100 ألف هكتار من الأراضي في إسبانيا منذ بداية العام، وهو ما يزيد بنحو 13 ألف هكتار من الأراضي التي دمرتها النيران في عام 2021 بأكمله.
وللمرة الأولى تحتل حرائق أوروبا الخبر الأول في نشرات الأخبار وواجهات الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبح الإعلام مسرحا لها.
وأجبرت موجة حرائق الغابات فرنسا واسبانيا والبرتغال وكرواتيا واليونان على إخلاء أكثر من 50 ألف شخص على الفرار وإخلاء منازلهم، مع إنشاء ملاجئ طارئة لمن تم إجلاؤهم.
بينما شهدت المملكة المتحدة أشد أيامها حرارة على الإطلاق، حينما تجاوزت الأربعين درجة مئوية لأول مرة في تاريخها، ما أشعل النار في غابات وبيوت في العاصمة لندن، وتبخرت معها شلالات «أيسغارث» الشهيرة في مشهد رهيب.
ويقول الخبراء إن أجزاء من فرنسا تواجه «كارثة الحرارة الشديدة»، بعد أن سجلت مدينة نانت الغربية 42 درجة مئوية. بينما أدى حريقان هائلان يستعران منذ 12 تموز/يوليو في مقاطعة جيروند (جنوب غرب) إلى تدمير 19,300 هكتار من الغابات، حسب آخر المعطيات.
أما في بلجيكا فتم تسجيل مستويات قياسية أيضا، حسب المعهد الملكي للأرصاد الجوية، الذي قرر وضع محافظتي فلندرا الغربية وإينو في حالة إنذار «أحمر»، وهو المستوى الأعلى. وفُتحت المتاحف الكبرى التي تديرها السلطات الفدرالية مجانا بشكل استثنائي لمن هم فوق سن الخامسة والستين هربا من الحر. وتقول المفوضية الأوروبية إن نصف أراضي الاتحاد الأوروبي تواجه راهنا خطر الجفاف بسبب الانحسار الطويل للمطر ما يرجح تراجع المحاصيل الزراعية في دول مثل فرنسا ورومانيا وإسبانيا، والبرتغال، وإيطاليا وغيرها.
هذا التغير المناخي يقتل الناس ويقضي كذلك على نظامنا البيئي وعلى تنوعنا الحيوي والأهم يغير مآلات المستقبل.
دول الغرب ساهمت وما زالت في النصيب الأكبر من تلويث أجواء العالم عبر تاريخها الصناعي، وبسببها – ومعها الولايات المتحدة والآن الصين والهند – ارتفعت الحرارة في العالم ثلاث درجات مئوية، ما ينذر بكوارث بيئية في عموم مناطق الكوكب. ففي تقرير أصدرته الأمم المتحدة في فبراير/ شباط الماضي أفادت أنه مع تغير المناخ، الذي يسببه الإنسان، والذي يؤدي إلى الجفاف، المتوقع أن يزداد عدد حرائق الغابات الشديدة بنسبة 30 في المئة في العالم.
ويأتي تنامي موجات الحر هذه نتيجة مباشرة للاحترار المناخي على ما يرى العلماء، إذ أن انبعاثات غازات الدفيئة تزيد من حدتها ومدتها وتواترها.، إضافة الى الاستعمال المفرط الوقود الاحفوري.
وإذا كانت الدول الصحراوية في الشرق الأوسط تعايشت مع ارتفاع الحرارة حتى الآن، بفضل بنيتها التحتية الضخمة المكيفة والإمكانات المادية الهائلة، غير أن دول الغرب غير مهيأة أبدا لهذه الحرارة، ويعتبر هذا الارتفاع وبالا حقيقيا، قد يدفعها الى خسائر مهولة، إضافة الى إعادة تكييف البنى التحتية فيها مع هذه التغيرات السريعة والمستمرة، والتي ستستمر سنوات طوال.
لكن إذا كانت معظم دولنا تكذب حتى في درجات الحرارة، ولا يحاسبها أحد، فان الناشطين البيئيين هنا في بريطانيا مثلا حطموا صباح الثلاثاء زجاج نوافذ مقر وسائل إعلام، منها «نيوز يو كاي»، التي تصدر صحفًا مثل «صن» و«التايمز» للاحتجاج على طريقة تناول موجة الحر الحالية في بعض وسائل الإعلام.
وتهكمت المجموعة منددة «اختارت صن أن تضع في صدر صفحاتها نساء بلباس البحر وشواطئ وأطفالا سعداء مع مثلجات»، بينما الناس تحترق!
وعنونت صحيفة «ديلي اكسبرس» الشعبية أيضا «هذه ليست نهاية العالم، حافظوا على برودة أجسامكم وأمضوا قدما».
زرت الشارقة ودبي قبل سنوات وتفاجأت كيف غرقت الشوارع والطرق بالمياه وتحولت في لحظات الى أنهار تحتاج الى قوارب صغيرة لتعبرها، وكذلك كان الحال في قطر والكويت والسعودية.
عند التساؤل تعلم أن هذه البلاد غير مهيأة في بنيتها أبدا لهذا التدفق من المياه والأمطار، باعتبارها حلما ليس أكثر، إلا أن هذا الحلم أصبح حقيقة واقعة وملموسة، فمن كان يحلم أن يشاهد الثلوج في قلب جزيرة العرب وأسراب الجمال تسير فوقها، ومن كان يتوقع أن يشهد زخات المطر فوق مكة وعموم الخليج العربي؟
العالم فعلا يتغير وبشكل قياسي سريع، نتيجة التغير المناخي المتسارع، ومن يعجز عن اللحاق به سيتلاشى، وإذا كانت الدول الصحراوية سارعت الى التكيف مع التغير الجديد، فان دول الغرب وتحديدا أوروبا عليها اللحاق بالموكب، رغم تأخرها، وإلا فان الطقس والمناخ لا يرحم، ولن تجدي معه ترساناتها الضخمة من الأسلحة العسكرية المدمرة.
التنجيم وجائحة العقول الالكترونية
تغص مواقع التواصل منذ بداية جائحة كورونا حتى الآن بجبال من التنجيم وقراءة الطالع واستقراءات المستقبل، بل صار الحفر في كتب التاريخ الشغل الشاغل للكثير من المواقع والإعلام في الدول العربية.
البعض يعتبر قراءة الطالع والأبراج مجرد تسلية فقط، لكن كثيراً من الناس يعتمدون على هذه في معرفة حظوظهم خلال اليوم أو الشهر أو السنة أو المستقبل!
ولعل انتشار التنجيم في بلادنا العربية مؤخرا يعود إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانة، التي تعاني منها مجتمعات نا للتعيسة، مما دفع بظهور طبقة عريضة من المنجمين في لبنان ومصر والمغرب، والذين يستفيدون من ظروف الفقر والحيرة والقلق والخوف عند كثير من الناس.
وصار كثير من المنجمين يعتقدون أن ما يقومون به هو شكل من أشكال علم الفلك أو ما يطلقون عليه التنجيم العلمي، بل إن بعض أولئك المنجمين يعتمدون على البرامج الحاسوبية للتعرف على حظوظ الناس!
رغم أن الدين الإسلامي يرفض كل شكل من أشكال التنجيم، باعتبارها تتعلق بالأمور المستقبلية وهذا من علم الله فقط.
ومع التطور التكنولوجي تحوّل هذا السلوك إلى نشاط يومي عبر الإنترنت، وأصبح أكثر تنوعاً مع دمجه بعلم التنجيم الغربي. فلا غرو إذا علمنا أن حساب للتنجيم الإلكتروني على منصة «دو يين» الشهيرة، منذ إطلاقه مطلع العام الحالي، جمع أكثر من 20 مليون متابع، بينهم مليونان انضما خلال أسبوع واحد فقط! ويبدو أن الصين صارت مهوى أفئدة العرب الذين يضعون مصيرهم في أيدي «عرّافين عنكبوتيين». ويكشف هذا تزايد القلق في شأن أنماط الحياة الجديدة في المجتمعات العربية، مع الانجرار وراء مجموعة من «الروحانيين» الذين قد يغررون بالشباب بذريعة مساعدتهم في استعادة اتزان أمور حياتهم وإيجاد الحب وتيسير الأمور لهم.
ويعتبر سوق التنجيم الإلكتروني في الصين أحد أكثر الأسواق الناشئة ازدهاراً اليوم، إذ استغلّ عدد من العرافين الثورة التكنولوجي، التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي لإطلاق منصات خاصة بهم تقدم خدمات التنجيم عبر تطبيقات يمكن تنزيلها على الهاتف الخلوي.
وتفيد بيانات رسمية صادرة عن إدارة «ويشات» أن شبكة الإنترنت في الصين تضم أكثر من 300 منصة تُعنى بالتنجيم يتابعها أكثر من 400 مليون مستخدم، علماً أن منصة «أنكل تونغ داو» تحظى بالمتابعة الأكبر حجماً عبر 97 مليون شخص، ثم منصة «جين لي دا وانغ» بـ 55 مليونا، و»تاو باي باي» بـ 20 مليون شخص.
ويحتل موضوع التنجيم الآن في الدول العربية مرتبة متقدمة، رغم غياب الأرقام الصحيحة وانتشار مواقع المنجمين على كل المنصات، بحيث تقتحم خصوصياتك سواء ردت ام لم ترد.
وهؤلاء المنجمين صاروا صنوانا لأخبار الفنانين والمشاهير، والمناطق السياحية في البلاد العربية. فهل صار قارئو الفنجان إرثا من الماضي حل مكانه منجمو التكنولوجيا، وأي تكنولوجيا؟!
كاتب من أسرة «القدس العربي»