حرية كريم يونس.. ماذا حركت في نفوس الفلسطينيين؟

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله- “القدس العربي”: لكونه حدثاً غير عادي، في ظل طول فترة الأسر التي قضاها كريم يونس، فإن تفاعل الفلسطينيين معه ومع إطلاق سراحه وتنسّمه هواء الحرية سيكون دالاً ومؤشراً على مجموعة من القضايا التي تتعلق بنضالهم المستمر، وتحديداً داخل زنازين الاحتلال.

ويبدو أن يونس أصبح حالة تغازل كل آمال الفلسطينيين وتطلعاتهم، وهو الذي يعتبر من أبرز قيادات الحركة الأسيرة، حيث يأتي الإفراج عنه بعد أيام من صدمتهم وشعورهم بالعجز إزاء استشهاد الأسير ناصر أبو حميد، الذي مات بطيئاً على مدى سنوات كان فيها مصاباً بالسرطان.

ورغم أن تفاعل الفلسطينيين تكثف في جانب استعراض المعاناة المرتبطة بأيام الأسر وساعاته، وسنواته أيضاً، بصفته أطول أسْر لفلسطيني، إلا أنها فجرت فيهم غضباً على حالة الأسرى في السجون الإسرائيلية، فـ “نهاية النفق” الذي وصله يونس وخرج عبره بانتهاء فترة محكوميته، البالغة أربعة عقود، هي في الحقيقة أمل متجدد يعيش عليه آلاف الأسرى الفلسطينيين.

الأطول والأصعب

وبحسب الأسير المحرر عصمت منصور، فإن ليلة يونس الأخيرة كانت أطول وأصعب ليلة تمر عليه، حيث سيعيش فيها رهبة أن يكون حرًا وأن يقوم بأشياء لأول مرة، بعد أربعة عقود.

وذكر منصور أمثلة: “كأن يمشي بلا قيود في قدميه، ولا سجان يرافقه مثل ظله، وأن يفتح الباب من داخل الغرفة، أو أن يجلس على كرسي سيارة جلدي بجانب السائق، وأن يطفىء نور الغرفة، ويطل من شباك بلا ألواح وسياج، ويقرر متى يأكل وأين ينام.. أن يعتاد أن يكون هو.. هو كما يريد”.

وتابع: “سيعيش أيضاً رهبة ألا يكون مع رفاقه الأسرى، وستنغص عليه شبهة التخلي وتركهم وحدهم. وأن يكون محاطاً بأشخاص يحبهم ويحبونه، لكنه لا يعرفهم حقًا، ولم يتعرف عليهم إلا كونهم أسماء وصوراً وفكرة هو كونها عنهم، فكرة وصورة تشبه واقعه أكثر مما تشبههم”.

ويشدد منصور على أن ما يحتاجه كريم هو “أن نحتضنه، نتصور معه، نحبه، نعانقه، لكن أيضاً أن نعطيه مساحته الخاصة والكافية كي يستوعب هذه النقلة الكبيرة بين عالمين متناقضين، خاصة من وسائل الإعلام”.

وأضاف: “يحتاج كريم عدم مناداته بكلمات: قائد وبطل وأسطورة.. الخ، وخلق حاجز بيننا وبينه، بدل ذلك أن نناديه باسمه وصفته الحميمية التي حرم منها”.

ووجه منصور حديثه للسياسيين قائلاً: “كريم ليس ساذجاً، هو يعرفكم، وعانى من سوء إدارتكم وفسادكم، وأتعهد لكم أنه لن يصدقكم وآمل أن يتحرر مع قيوده التي مزقها بصبره وصموده، وليس بفضلكم، من خجل وتواضع ورقة الأسرى، وألا يجاملكم”.

يوم وطني للفرح

أما الأسير أحمد شويكي، الذي كان يعتبر أصغر أسير فلسطيني فركز في حديثه على أن يونس، وقبل أكثر من أربعين عاماً، كانت غايته أن يحرر الأسرى ويحقق حلمهم، حيث خطط لأسر جندي إسرائيلي ليحقق هذا الحلم، إلا أنه ولسوء الحظ وقع هو بالأسر فلم يجد من يحقق هذا الحلم لا للأسرى ولا له.

أما الكاتب والأديب يامن نوباني فاعتبر يوم إطلاق سراحه يوماً للفرح في عموم فلسطين التاريخية، حيث قال: “لو كنا سليمين وطنياً، لكان الغد، فعلياً يوماً يستحق الاحتفال. يستحق أن تتعطل بلد بأكملها لتستقبل ابنها، ولو على شاشات التلفزة”.

وأضاف بخيبة: “لكننا يا كريم، وكما تعلم، نحتفل ونضرب ونتعطل في مناسبات ميتة، نحتفل بانطلاقات ميتة.. لو كنا بلداً صالحاً لاستبدلنا عيد الأم بيوم تحررك، كلفتة من أمهاتنا جميعاً، والتي لا تعوض شيئاً عن رحيل والدتك قبل نصف سنة، بعد أن انتظرتك 39 عاماً ونصف!.. ولو كنا بلداً لاستبدلنا عيد العمال بيوم تحررك، أنت الذي لم تمارس عملاً منذ 6-1-1983، لكنك طيلة تلك الـ40 سنة كُنت تعمل كل ثانية عنا جميعاً، وتصر على أن جسدك الهرم سيهزم هذه المهمة الموكلة إليك أنت دوننا جميعاً، مهمة قتال السجن والانتصار عليه”.

تعال ع رام الله

وخاطب الصحفي محمود حريبات الأسير المحرر قائلاً: “مرحباً عم الأسير كريم يونس”.

وكتب بعامية فلسطينية على حسابه على صفحة الفيسبوك متسائلاً عن آخر اللحظات في السجن، حيث قال: “هاذي الليلة الأخيرة، بشو وبمين بتفكر وشو بتعمل، مين خطر في بالك، ظبيت أغراضك، متذكر اغراضك اللي رح يسلموها الك بكرة، واللي انسجنت معك، زعلان فرحان، عمين بكيت ومين مقدرتش تودعه ومين ما بدكش تودعه، احكيلنا عم كريم وخرفنا قديش انخذلت وقديش مبسوط وقديش حزين وقديش تعبان”.

وأضاف: “تعال علينا ع رام الله والخليل ونابلس، وتعال ع كل الضفة، تعال تعرف ع جيل طالع واحكي معهم، وخرفهم عنك وعن اللي وراك عل وعسى يتعلم هالجيل ما يترك ثواره 40 سنة في السجون. تعال احكي معنا عصب علينا بهدلنا اعمل شو بدك بس تعال.. بنستناك وحاول بكرة تفرح لانها الفرحة بتلبق الك وعشانك. بستنى بكرة ع نار بنستناك عم كريم.. ع أمل يتحرر كل رفاقك.”.

وكان المحرر يونس، قبل أيام من إطلاق سراحه، قد وجه كلمة للجيل الشاب قال فيها: “سأترك زنزانتي، رافعًا قبعتي لجيل لا شك أنه لا يشبه جيلي، جيل من الشباب الناشط والناشطات الذين يتصدرون المشهد، في السنوات الأخيرة، جيل من الواضح أنهم أقوى وأجرأ، وأشجع والأجدر لاستلام الراية”.

فيما ربط بعض النشطاء بين الأسير المحرر والنبي يونس عليه السلام الذي خرج من بطن الحوت بعد 3 أيام، فيما خرج كريم يونس من بطن الحوت (السجن) بعد 14400 يوم قضاها في السجون.

فيما حوّل الناشط محمد قبلان العقود الأربعة التي قضاها بالسجن إلى ساعات، حيث قال: 350400 ساعة من القيود وبوابات الحديد الثقيلة والمغلقة والحيزات الضيقة والاقتحام ورش الغاز والعدد الصباحي والمسائي، تخللها 1200 يوم من صوم رمضان صيفا وشتاء، ومئات الأيام من الإضراب عن الطعام و80 عيد و40 رأس سنة”.

وتابع: “لا أعلم كيف يمكن لأحد ما في هذا الكون، ومهما بلغت قدرته على التفسير ترجمة كل هذا الصمود والعنفوان، وكل هذا البطش والغطرسة والإمعان بالقتل والاحتلال.

ووصف قبلان يونس بأنه أيقونة أخرى في شعب من “أنبياء العصر” الذين يكتبون تاريخهم بالدم والتضحية.

 رد الجميل

وانشغل الصحفي والكاتب عبد الباسط خلف بسؤال: كيف نرد بعض الجميل لكريم يونس؟ وحاول الإجابة عليه من خلال تخيله معلم الرياضيات الذي يطرح سؤالًا في امتحان الصباح على طلبته حول كيفية تحويل 40 سنة إلى ساعات، ثم طرح عدد فصول القهر منها. وسؤال أستاذ الفيزياء لطلبته حول احتساب السكون والحركة في زمن كريم. وطلب معلمة اللغة العربية من تلاميذها كتابة 40 قصة عن مهندس الشمس. وقيام محاضر التاريخ بتوجيه سؤال بحثي يقارن بين تجربة نلسون مانديلا وكريم يونس.

وأضاف في ذكر ما يمكن أن يفعله الفلسطينيون وفاء للأسير وسنوات عمره، طالباً أن يقترح عميد البحث العلمي في الجامعة (أي جامعة) على تكريس 40 أطروحة دكتوراة لتتبع الأسطورة كريم يونس، وأن يطلق المجلس البلدي اسم كريم على شارع المدينة الرئيس، وأن يختار محرر الصحيفة عنوان: كريم يونس يحرر نفسه!

وتابع في ذات المجال: “سيلصق السائق على زجاج مركبته صورة لجنرال الصبر. سيرسم الفنان لوحة في قلب المدينة لكريم قبل الحرية وبعدها. سيتحدث الواعظ عن مدرسة كريم في الصبر والإرادة. سيغرس الفلاح شجرة زيتون موسومة باسم الجنرال. سيصبغ مؤثر الإعلام الاجتماعي حسابه بصورة مهندس الحرية. وستقص الأمهات قصة كريم للأبناء قبل النوم. ستتزين الزهرات بقلائد ذهبية تحمل صورة فتى المثلث واسمه. وسيتغنى الزجالون باللحم الحي الذي هزم دولة نووية بمفرده. وسيصدر البريد طابعًا يُخلد ابن الأرض وعلامتنا الفارقة. وسيختار الكيميائي ترياقًا باسم القامة كريم. وسيؤلف الشاعر نشيدًا وطنيًا للجبل كريم. وسيسمي الأب والأم ابنيهما البكر تيمنًا بكريم يونس.

وختم مشدد على أن “ذلك أضعف الإيمان”.

ورقة لا تذوب

أما الأكاديمي والباحث أحمد جميل عزم فتذكر حادثة عاشها في جامعة بيرزيت قبل سنوات، حيث قال: “قبل ستة أعوام (يناير 2017)، في مثل هذه الأيام الباردة، كنت أسير في جامعة بيرزيت، وجدت أوراقاً بسيطة مطبوعة دون تنسيق أو زخرفة، صغيرة، مكتوب عليها “كريم يونس.. لا تنسوه”. تأكدت أن شاباً بمبادرة ذاتية فعل هذا.. وهذه أصدق وأنبل المبادرات التي لا تعلن اسم جهة خلفها.. هي في سبيل الوطن والقضية والعقيدة والمبدأ خالصة”.

وتابع: “تذكرت يومها، وأنا أشاهد المطر يقترب من الأوراق، ياسر عرفات، وهو يؤبّن رفيق دربه خليل الوزير أبو جهاد، فيقول إنّ دماء أبو جهاد “ستنفرش” في الأرض وتنبت ثورة.. يومها تخيلت هذه الأوراق قد تذوب مع الماء فتنتشر في أرض بيرزيت”.

وأعاد عزم نشر مقال له كتبه عن سيرة وتاريخ كريم حمل عنوان: “كتبنا اسم كريم على ورقة تذوب”، واستذكر فيها عندما استشهد خليل الوزير، حيث قال ياسر عرفات يومها إنّ اغتيال أبو جهاد أو أبو عمار لن يوقف الثورة. وقال في حمأة الغضب: “إن هذه الدماء ستنفرش في الأرض اشتعالاً وناراً”.

وتابع في مقاله: “قد تذوب ورقة هؤلاء الشبان من المطر المقبل. لكنها بحكم “العِلم الثوري” (الذي لم يفهمه العلماء بعد)، ستذوب في الأرض وستنبت ثورة، مثلما ينبت شهداء يوم الأرض للعام 1976، تحدّياً في سخنين العام 2017، من أجل أم الحيران، وتنبت روح كريم من أسره أملاً في جيل جديد، “ستنفرش” ورقته البيضاء في الأرض، وتنبت دبكة، وعلماً، وحياة، وقيادة ثورة.

وجاء في رسالة الأسير يونس، قبل أيام من الإفراج عنه، والتي عنونها: “سأغادر زنزانتي” أنه تمنى مغادرة زنزانته منتزعًا حريته برفقةِ إخوة الدرب، ورفاق النضال، متخيلًا استقبالاً يعبر عن نصرٍ وإنجازٍ كبير. “لكني أجد نفسي غير راغب، أحاول أن أتجنب آلام الفراق، ومعاناة لحظات الوداع لإخوةٍ ظننتُ أني سأكمل العمرَ بصحبتهم، وهم حتمًا ثوابتٌ في حياتي كالجبال، وكلما اقتربت ساعة خروجي أشعر بالخيبةِ وبالعجزِ، خصوصًا حين أنظر في عيون أحدهم وبعضهم قد تجاوز الثلاثة عقود”.

وأضاف: “سأترك زنزانتي وسأغادر، لكن روحي باقيةٌ مع القابضينَ على الجمرِ المحافظين على جذوةِ النضال الفلسطيني برمته، مع الذين لم ولن ينكسروا، لكن سنواتِ أعمارهم تنزلق من تحتهم، ومن فوقهم، ومن أمامهم، ومن خلفهم، وهم لا زالوا يطمحون بأن يروا شمس الحرّيّة لما تبقى من أعمارهم، وقبل أن تصاب رغبتهم بالحياة بالتكلف والانحدار”.

وعن الخروج من الأسر الذي يعيد الأسير للأسرة مرة أخرة يؤكد عصمت منصور أن يونس لا يبالغ عندما تكون أولى كلماته عن زملائه الذين تركهم خلفه في السجون حيث قال إن “الموت يمشي معهم”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية