عبور بأجنحة طائر الوحدات

حجم الخط
4

إلى أحمد دحبور

حين قامت حرب عام 1967 بين العرب وإسرائيل، كنت فتى في اليفاع، والبكوريات الأولى في التطلع لمعاني الحياة، كنت فتى مغرماً بالشعر والثورة والتمرّد والمغامرة. ولعلّ هذه الخصال الأربع هي التي جعلتني شخصاً قلقاً غير مستقر، فالشعر كان يحرّضني دائماً على الحلم، والخيال والطيران نحو اللامتناهي، والثورة كانت تفور في داخلي، وترغو، وتنحو لتهز الروح والأعطاف والجوانح، على كلّ شيء غير سوي، في سياسة حكم البلد، في الواقع المتردّي، في الظلم الذي يجول بين الأحياء الفقيرة، ليدفع بالفقر كي يعشش في أسقفها وزواياها، حيث الجوع يوزّع حصصه على الفقراء بالتساوي، ولذا زاملني التمرّد كصديق ورفيق دائم، لأعترض وأقول كلمة لا غالباً، في الوجه السلطوي، والوجه الدوغمائي، والوجه الوظيفي الصارم، المتلوّن بألف لون ولون.
كانت الـ»لا» هذه عشيقتي الجميلة، التي تسير معي في كل مكان أغشاه لتبتسم، وتقول للأحمق نفسها، متخطية وهي تنطلق، القيم والأعراف، والتقاليد والمواضعات الاجتماعية، بدءاً بالعائلة، ثم المدرسة، وكذلك العمل النمطي، والسياسي للأحزاب التقليدية، تلك التي تتحزّم بالأفكار الضيّقة، والأيديولوجيات الطوباوية، أو المبنية على الحتميات التاريخية، والفلسفات المثالية.
من خلال هذه الخصال، انطلقت وأنا فتى لأبحث عن الثورة الحقّة، وكان حليفي في هذا صديق الطفولة، وابن محلتي في بغداد، لنذهب معاً أيام بروز العمل الفدائي، وحدوث النكبة الباحثة عن متطوعين، من خلال أحزاب صغيرة، قومية لها علاقات مع مجموعات فدائية فلسطينية، أو مع أحزاب يسارية لها علاقة بمنظمات قتالية، ولها مكاتب في بغداد، إلى هذه المكاتب ذهبنا وسجلنا أنفسنا كفدائيين، أعطيتْ لنا حينها الثياب الزيتونية، من قبل تلك المكاتب الفلسطينية، العراقية، وسرعان ما تلقفناها ولبسناها، وذهبنا نتبختر بها في الحي، كوننا أضحينا مقاتلين وفدائيين، وانتظرنا أن يتم طلبنا عبر الجريدة، أو في الإذاعة كما قالوا لنا، وظللنا ننتظر حتى مرّ عام ولم يحدث شيء، ونحن بدورنا طوينا الأمر مؤقتاً، فالتحقنا بعد طول انتظار بمدارسنا، وعدنا إلى أوقاتنا العادية، فانشغلنا حينها بأمورنا العامة والشخصية، حتى جاء انقلاب البعث على الرئيس عبد الرحمن عارف، أفضل رئيس عراقي في رأيي، منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى الآن. كان عارف يتعاطف مع الفلسطينيين، كعبد الكريم قاسم الزعيم الوطني، الذي كان يساند في الوقت عينه، أي قاسم، الثوار الجزائريين.
مرّت السنوات ونحن كبرنا مع الشعر والسياسة، وهاجرنا لأسباب سياسية وثقافية، وظروف غير آمنة في البلاد، وغير مستقرة، في ظل تنامي الديكتاتورية، والسعي الحثيث لتصنيع الطاغية، في مختبرات أيديولوجية عربية وعالمية، وحتى في بلدان شيوعية من أوروبا الشرقية، فاخترت بإرادتي الشخصية البحتة باريس، وكانت إرادتي شعرية صرفة، بحثاً عن المكان الشاعري، والألفة الباريسية، التي سبق لي أن اختبرتها، قبل عام من ذلك الوقت. حين دهمني الضياع، وشعرت بأنه سيبتلعني في باريس، نتيجة طغيان البوهيمية عليَّ، وسيطرتها الكليّة على حياتي الشخصية، آنذاك، انتفض الحلم القديم في داخلي، واستفاقت الرغبة المثلى، مستدعية الزمن الفلسطيني، لذا قررت مغادرة باريس، بغية الذهاب إلى بيروت عن طريق دمشق، وفعلاً تمّ الأمر، فسافرت إلى دمشق، مع رسالة من كاتب سوري صديق، إلى روائي سوري، يرجوه فيها مساعدتي من أجل الوصول إلى بيروت، وتسهيل مهمة إقامتي لأيام في دمشق.

في تلك الأمسية المثالية، كان الشعر يفور في القاعة ويطفو، ويكاد يمس ضفاف دجلة والفرات، من شدّة تدفق العاطفة الفنية الحارة، الممزوجة باللوعة الشعرية، ذات البوح التعبيري المتوهّج، والمتموّج بالأبعاد الموسيقية، ولكأنّ الشعر بإهابه العالي في تلك اللحظة من الزمن، كان يهز أركان المبنى الأنيق لجريدة «طريق الشعب» القائم آنذاك في «شارع السعدون» الأمر الذي أدّى إلى تفاعل الحضور الأدبي العربي مع تلك الأمسية الرفيعة والتاريخية.

أقمت في دمشق إقامة هانئة، وخلال تلك الأيام تعرّفت إلى الروائي السوري محمد كامل الخطيب، والناقد المسرحي نديم محمد، اللذين سيجمعاني بشاعر لافت وجميل ومؤنس، هو الشاعر رياض الصالح الحسين، وإذا به شاعر مرح، بوجه ضاحك مع ارتباك قليل. جلس رياض إلى جانبي فوق فراش ممدود على الأرض، شربنا الشاي، وشرعنا ندخّن ونتحدّث عن الشعر وفنّه، وعن الأدب والنقد والترجمات الشعرية في مجلة «الآداب الأجنبية» وعن بعض الشعراء الأحياء، الذين كنّا نحبّهم مثل أدونيس والماغوط وسعدي يوسف ومحمود درويش، نجوم تلك المرحلة الفائرة والمرتغية بالشعر والثورة والتمرّد، حتى ضد الأشكال والأنماط والأساليب الفنية، الأدبية والشعرية الثابتة ذات البعد الواحد.
لن أنسى تلك الأيام الرومانسية، شعر وسهرات في «الربوة» وريف دمشق، ثم في «باب توما» و»العفيف» وما يحيط بمقرّات تجمّعنا، حيث كنا نتردد يومياً على مقاهي دمشق الجميلة والبسيطة، ذات النكهة الشامية، كمقاهي «القنديل، الروضة، الهافانا، المختار، الحجاز» وهذا الأخير كان يقوم قرب سوق «الحميدية» وثمة مقهى كان يقوم في نهاية «شارع الصالحية» من جهة» سينما السفراء» كنا نرتاده رياض الصالح الحسين وأنا على نحو مستمر، فرياض كان لا يحب الجلسات الكبيرة، وكان يحب الاختلاء بصديقين، وفي حالات نادرة ثلاثة أو أربعة أصدقاء، لكيلا تتوه كلماته الصامتة بين الجمع، وتضيع فرادته المتسائلة بينهم.
هناك رتّب لي الشاعر أحمد دحبور، أمر سفري، عن ممر «الطريق العسكري» وهو طريق خاص بالثوار الفلسطينيين، ورفاقهم، ومن يدور في فلكهم، بغية العبور إلى بيروت، دون أوراق قانونية. كنت أحمل معي، حين عبرت بسلام من دمشق إلى بيروت، وبترتيب من «الجبهة الديمقراطية» لتحرير فلسطين، جواز سفر عراقياً، وكان الجواز صالحاً وقيد الاستعمال، لكنه كان يحتاج إلى فيزا لبنانية، كان يتعذّر الحصول عليها حينذاك، بسبب قطيعتي مع النظام العراقي. تعرّفت على الشاعر أحمد دحبور صاحب «طائر الوحدات» في بغداد، أثناء أمسية شعرية أقامتها جريدة «طريق الشعب» اليسارية لشعراء عراقيين، وهم من الجبهة المعارضة للسلطة الحاكمة في بغداد حينذاك، فدعت الصحيفة بعض الأدباء العرب الضيوف، أولئك الذين جاءوا إلى بغداد لغرض المشاركة في مؤتمر الكتاب العرب، فجاء ممن كان لا يخشى حضور هذه الأمسية، المقامة في مقر الصحيفة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، وقد حضر الكتّاب والشعراء والأدباء: مريد البرغوثي، غالب هلسا، حنّا مقبل، رشاد أبو شاور، أحمد دحبور، علي الجندي، محمد دكروب، محمد العبد الله، إلياس شاكر، وصحافيون من أمثال سهام وهبة، زهير ماجد، ومحمد العبد الله، وجلّهم يكتب في مجلات وصحف مثل مجلة «الهدف» التابعة إلى «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» ومجلة «الحرية» وهي تصدر عن «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» وصحيفة «السفير». ومن العراقيين حضر وقرأ كل من: الفريد سمعان، سعدي يوسف، يوسف الصائغ، فاضل العزاوي، عبد الرحمن طهمازي، صادق الصائغ، فوزي كريم، جليل حيدر، حميد الخاقاني، نبيل ياسين، مخلص خليل، فائز الزبيدي، فاضل السلطاني، حسين الحسيني، وكاتب هذه الكلمات.
في تلك الأمسية المثالية، كان الشعر يفور في القاعة ويطفو، ويكاد يمس ضفاف دجلة والفرات، من شدّة تدفق العاطفة الفنية الحارة، الممزوجة باللوعة الشعرية، ذات البوح التعبيري المتوهّج، والمتموّج بالأبعاد الموسيقية، ولكأنّ الشعر بإهابه العالي في تلك اللحظة من الزمن، كان يهز أركان المبنى الأنيق لجريدة «طريق الشعب» القائم آنذاك في «شارع السعدون» الأمر الذي أدّى إلى تفاعل الحضور الأدبي العربي مع تلك الأمسية الرفيعة والتاريخية.

شاعر وكاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية