البحث عن اللغة العربية في الجزائر

حجم الخط
13

خطاب نسمعه في الجزائر، ولا يزال يتكرر، كل مرة، بصيغة جديدة، مع أن الفحوى واحدة: وهو الطعن في اللغة العربية. والقول إنها لغة لا تُناسب روح العصر، وإنها قد أفرغت من قيمها الإنسانية. هكذا ببساطة يجري هجاء هذه اللغة، في بلد تعتبر فيه لغة رسمية. والإساء لهذه اللغة لا تأتي من جهة بعينها، ليست من أسفل الهرم، في أوساط شعبية، بل تحصل أيضاً على رأس الهرم، بين أوساط السلطة.
يحصل أن نسمع هذا الكلام من نخب فرنكفونية، ونتفهم موقفها الذي يتأتى من باب الدفاع عن نفسها، رفضاً للحملات المنظمة ضد اللغة الفرنسية، لكنه يأتي مراراً أيضاً من طرف السلطة، في ممارساتها اللغوية، التي تحط من قيمة هذه اللغة، التي يفترض أنها لغة دستورية. بين من يوجه اتهامات للعربية، كونها لا تصلح سوى للوعاظ وللأئمة في المساجد، وتطبيقات تلك التهم على ألسنة أصحاب السلطة، تضيع هذه اللغة في الجزائر. والضحية كما هو معروف: الكتاب بالعربية. لأن هذه الخصومات اللغوية تثير شكوكاً في نفوس الأجيال الجديدة، تجعلهم يفرون إلى الفرنسية، رغبة منهم في تفادي أن يصيروا هم أنفسهم محل شبهة ـ في المستقبل ـ إن كتبوا أو قرأوا بالعربية. إن ما تتعرض له اللغة العربية من صدمات، في الجزائر، يحتاج أن ننظر فيه، أن نعرف بواطن الخلل، ولماذا فشلت هذه اللغة من أن تتقدم، مع أنها اللغة الوحيدة في المدارس، لكن في الفضاء العام تفقد مكانتها.

النفخ في القوانين

قبل عام من مغادرته كرسي الرئاسة، أصدر الشاذلي بن جديد عام 1991 مرسوماً سماه «قانون تعميم استعمال اللغة العربية» سوف تكون له تبعات عكسية على هذه اللغة. قانون صيغ باستعجال فأساء للغة العربية بدل أن يخدمها. جاء فيه مثلاً: «تلزم جميع الإدارات العمومية والهيئات والمؤسسات والجمعيات على اختلاف أنواعها باستعمال اللغة العربية وحدها في كل أعمالها». صدر هذا القانون في وقت لا تزال فيه الإدارة مفرنسة. لا تزال فيه النخب التي تخرجت في المدرسة الفرنسية، بسبب الاستعمار، هي الممسكة بشؤون الإدارة، فرأت في المرسوم مساساً بمستقبلها، وبادرت إلى ردة فعل مُعاكسة. والسبب ليس عداءً منهم إزاء اللغة العربية، بل لأنهم ـ ببساطة ـ لم يكونوا يتكلمونها. ذلك القرار كان بمثابة دعوة إلى اقتلاعهم من مناصبهم وبالتالي قطع أرزاقهم. ويذهب ذلك المرسوم إلى أبعد من ذلك حين يطلب ضرورة تحرير كل الوثائق والعقود باللغة العربية فقط. ويعلم الناس في الجزائر أن وثائق إدارية لا تزال ـ إلى غاية الساعة ـ تستصدر بالفرنسية. ومن أغرب ما جاء به مرسوم الشاذلي بن جديد هو وجوب تعامل الإدارات والهيئات والمؤسسات مع الخارج باللغة العربية. وهو أمر لم يكن قابلاً للتحقيق. ولا نعلم ـ لحد الآن ـ لماذا بادر الرئيس بن جديد إلى هذا القانون وهو يعلم أن البلاد كانت لا تزال تسير بفضل كفاءات تعلمت وتخرجت في مدارس فرنسية؟ هذا القانون سوف تكون له نتائج مخالفة، سوف تشعر النخب المفرنسة بأن مكانها في خطر، ولن تتقدم العربية خطوة للأمام. ألم يكن من الواجب التفكير في تعليم الإداريين العربية أولاً؟ في التفكير في تنشئة جيل جديد من الإداريين بالعربية؟ مع العلم أن المدارس الكبرى آنذاك وبعض الجامعات كانت لا تزال تدرس بالفرنسية. كان ذلك المرسوم منطلق الخصومة مع اللغة العربية، وسوف يجد خصوم هذه اللغة في العشرية السوداء سبباً في مضاعفة ضغطهم، في الربط ـ التعسفي ـ بين العربية والجماعات الإرهابية. لا ننكر إن كانت هناك نية حسنة في خدمة العربية في مرسوم 1991، لكنها جاءت في غير سياقها، فتلتها نتائج مضادة، وزاد ذلك القانون من خصوم اللغة العربية بدل أن يزيد من مُحبيها.

العربية خلف مكاتب مغلقة

عقب فشل قانون تعميم استعمال اللغة العربية، صدر مرسوم آخر أكثر عقلانية، عام 1996، يتضمن إنشاء المجلس الأعلى للغة العربية. وهي مؤسسة تتبع رئاسة الجمهورية مباشرة. بالتالي هيئة استشارية يُراد منها المساهمة في تعميم اللغة العربية، لكن على أرض الواقع يبدو أن هذا المجلس شبه غائب. لسنا نعرف ما هي مخرجاته في الحياة العامة للناس. هل ساهم، فعلاً، في تعميم العربية في الفضاء العام؟ الإجابة ستكون بالنفي. نسمع عنه عندما يتعلق الأمر بملتقيات ومؤتمرات ـ لا يحضرها في الغالب سوى أهل الاختصاص ـ نسمع عنه عندما يتعلق الأمر بترجمات لا نعثر عليها في المكتبات، فهل مهمته خلف المكاتب أم في الميدان؟ حيث لا تزال العربية متعثرة على لسان الجزائريين. كان بوسع الجزائر أن تستفيد من تعددها اللساني، أن يحصل اندماج بين عربية وفرنسية وأمازيغية، لا أن تظل العربية في دكة وحدها، تنظر بعين الريبة إلى اللغات الأخرى، وتنتظر قوانين من الأعلى، بدل أن يحصل التغيير من الأسفل. فعلاقة مسؤولي البلاد مع العربية أيضاً مضطربة تثير الشك في نفوس الناس. يستخدم المسؤول العربية في حملات انتخابية، فإن وصل إلى الكرسي انتقل إلى الفرنسية. العربية لغة إقناع الناس بملء صناديق الانتخاب، بينما الفرنسية لغة مخاطبة الأجانب. ويقضي المسؤولون وقتا طويلا في مخاطبة الأجانب بدل مخاطبة مواطنيهم. يبدو أن السلطة مستأنسة بمستقبل العربية بحكم أنها لغة الصلاة ولغة الأذان، من غير أن تبادر إلى مشاريع حقيقية، من شأنها أن تطور هذه اللغة، وأن تدافع عن مكانتها على الألسن. لا يزال تعلم العربية الفصحى، في الجزائر، يقتضي جهداً ذاتيا، لا اتكالاً على المدرسة، حيث التعليم يعيش وضعاً سيئاً. في المحصلة لا يمكن أن نراهن على سوق كتاب بالعربية. لأن القراء غير موجودين. وما يتوافر منهم يجد إغراءات في الفرنسية، التي يبذل القائمون عليها جهداً في الحفاظ على مكانتها. فلماذا لا يتعلم منهم أولئك المسؤولون الذين أسندت لهم مهمة الدفاع عن اللغة العربية؟

روائي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية