المشي وصناعة الأفكار

حجم الخط
4

في البلدان الباردة، وأعني تلك التي يغمرها البرد والثلج والمطر، حين يكون الشتاء طويلاً، أو سميناً، كونه قد أكل حصّة غيره من الفصول الأخرى، الربيع والخريف وطرَفاً من الصيف، لتنحصر السنة غالباً في عالمه الأبيض المستكن، الهادئ، والمنطوي على البقاء في البيت، في حالات كثيرة، والمداومة على تدفئة الروح بشتى الطرق، مما يتوفر من تدفئة حديثة، وأغطية ثقيلة، ثم تقنين ساعات الخروج إلى العمل مثلاً، ثم العودة إلى البيت سريعاً، إلى حيث ينتظرك الدفء بطبيعته الدمثة.
من عادة الإنكليزي بعد انتهاء عمله لساعات طويلة، ارتياد الحانات لتزجية الوقت، حتى إغلاقها في الحادية عشرة، ثم الذهاب فور ذلك إلى السرير مباشرة ليعيد الكَرّة نفسها، وهكذا دواليك إلى أن تقترب نهاية العام. في أمور وحالات مثل هذه، يحتاج المرء إلى الطواف والمشي والتريّض، ففي الشتاء تزداد الأوزان وهي ترتقي أجسامنا، لتخلّف وهي تمشي فيه بعض الكيلوغرامات، مما صنعته في أوقات الشتاء، فضلاً عن شقيقيه الخريف والربيع، فالربيع والخريف البريطانيان مندغمان ومتماهيان مع الشتاء ذي القامة العالية، وصاحب المكانة الرفيعة في الأرض البريطانية.
الصيف البريطاني رغم قصره، يساعد على التنزّه والمشي، أو الهرولة، أو ركوب الدراجات الهوائية، ثمة من يجازف ويسير على آلات ميكانيكية جديدة، وهي تقطع بك المسافات كقطار شخصي، تقف على الآلة التي لها مقود، لتسير بك حسب السرعة التي تريدها، وهي مشحونة كهربائياً، أو تحمل بطاريات للاحتياط، لذا في الصيف ترتاد المتنزّهات العوائل مع الأطفال وألعابهم، بعضهم يأتي بالطعام في سلّة من قش خصوصية، مصنوعة لمثل نزهات كهذه، مع شرشف وشراب، ليتفيأ المتنزّهون هنا وهناك، متمددين على العشب الوفير، حيث الشجر الكريم، يغدق عليك ظلاله الطويلة المبللة بالهواء الرطيب. وكما تعرفون، كلما تقدم الإنسان في العمر، صارت زياراته للطبيب تزداد، والدواء أيضاً يتعدد ويزداد، فكلما زرت الطبيب يسوّق النصيحة، اعمل كذا، لا تعمل كذا، مارس الرياضة، قلل الجلوس إلى المكتب. مرة نصحني الطبيب بالمشي الدائم، حفاظاً على سلامة القلب، ولذلك تراني أمشي في كل مكان، حتى وأنا نائم، أحلم أني أسير في مكان مجهول، ولا أعرف الطريق، تائهاً والبيت جد بعيد، ووسائط النقل معدومة، أو متوفّرة، لكن السائق لا يعرف المدينة التي جئت منها وأود الرجوع إليها. أمشي وأمشي لكي أمشي، مشيت على رصيف نيقوسيا الوحيد، وهو في شارع «مكاريوس». مشيت على الأرصفة الأوروبية والعربية، على الرصيف الدمشقي، والرصيف البحري في بيروت، والرباط وطنجة. مشيت طويلاً في» شارع بورقيبة» والشوارع الباريسية، وكنت أقطع «الشانزليزيه» مراراً وتكراراً، وأحفظ أماكنه ومقاهيه ومحلاته المنيفة عن ظهر قلب، مشيت في شوارع لندن في «أكسفورد ستريت» وأزقة «البيكادلي» وغيرها من الشوارع الشهيرة. مشيت في شوارع القاهرة الشهيرة «شارع قصر النيل» و»شارع عدلي» و»شارع شريف» و»الزيتونة» والشوارع الأخرى المتفرّعة من «ميدان التحرير» ومشيت كذلك في «شارع الرشيد» و»أبي نواس» طولاً وعرضاً، ولم تتعب قدماي، بل ظلتا تواصلان السير في كل مكان.

في المشي تراودني الأفكار، وتهبط عليّ بسلة، فأختار منها ما أستطيع فعله، كبيت شعر يفتح عليّ باب قصيدة جديدة، أسجلها في ذهني، وحين أصل إلى البيت، أنقلها حرفياً من ذهني إلى الورق، دون نقصان، إلا في ما ندر، مرّات كثيرة تراودني فكرة موضوع، فأخزّن فكرته ومطالع سطوره في عقلي، وحين أعود لأكتبه أنسى بعض السطور، لكن هذا لا يهم ما دامت هناك الفكرة، فهي نواة الكتابة وأسّها، أحياناً تطرق خيالي فكرة للسفر، أو فكرة لإنشاء كتاب جديد.

في القسم الذي أسكن فيه من لندن، وهي منطقة «غرين فورد» ثمة مساران لمشيي اليومي، الأول يقع على اليسار، والثاني على اليمين، مرة أذهب هنا وأخرى هناك، وفي كلتا الحالتين ثمة متنزه في كل طريق أقطعه، أعرف نوع الأشجار التي أصادفها، وهي أشجار معمّرة وأكبر مني، كونها تشرب المطر والشمس والنسيم، وأنا أشرب الحياة وسوائلها، لندن مدينة متنزّهات وحدائق واسعة، وكلها كانت تعود في السابق لنبلاء وأمراء وملوك وأغنياء، البعض منها آل إلى الدولة، والبعض الآخر يتبرّع به الأمراء، والملوك، والأغنياء ذوو الثروات الكبيرة، مثل غانزبري بارك الذي تبرّع به الثري الشهير روتشفيلد، وهو قريب من محيط سكني، مرات نذهب إليه، أو نذهب لمتنزّه «ريتشموند» الوثير وعالي المقام، الراقي الذي يتخلله النهر وملحقاته من غابات ووديان وأنهار متفرّعة من نهر «التيمز» الكبير.
الكاتب محمد شكري، سقاني حكمة من أحد كتبه مفادها: لا تكرر الطريق الذي تقطعه يومياً، اختر غيره، لكيلا تتكرر المَشاهد. لهذا أحياناً أغيّر دائماً مساراتي، لأعرف أكثر. في الطريق تصادفني السناجب، وهي تقشّر ثمرات الخرّوب والكستناء البرية وما شابه، الكل هنا يحب السناجب السريعة، والنشيطة والجميلة بأذيالها الفرائية، المكسوة بعناية إلهية فائقة، أقف لأرمي لها شيئاً، تنزلق من الشجرة وتتلقف الأعطيات، أسنانها الفأرية جاهزة للتقطيع، وهي تملك خبرة لا تضاهى في سرعة التقشير والقضم المتواصل، يتجمّع الأطفال ليطعموها، وهم في نشوة وسعادة، مبتسمين لفعلها المتواصل الحركة، ما بين الثمرة وجذع الشجرة.

في المشي تراودني الأفكار، وتهبط عليّ بسلة، فأختار منها ما أستطيع فعله، كبيت شعر يفتح عليّ باب قصيدة جديدة، أسجلها في ذهني، وحين أصل إلى البيت، أنقلها حرفياً من ذهني إلى الورق، دون نقصان، إلا في ما ندر، مرّات كثيرة تراودني فكرة موضوع، فأخزّن فكرته ومطالع سطوره في عقلي، وحين أعود لأكتبه أنسى بعض السطور، لكن هذا لا يهم ما دامت هناك الفكرة، فهي نواة الكتابة وأسّها، أحياناً تطرق خيالي فكرة للسفر، أو فكرة لإنشاء كتاب جديد.
طبعاً أنا لا أستطيع المشي في الأيام الماطرة، وكذلك في الريح القوية، وأوقات سقوط وانهمار الثلوج، حتى لو كانت معي مظلة، فهي ستعرقل متعة المشي، لأنك ستكون مشغولاً بها، فهي قد تفيد في الذهاب إلى موعد ما، أو شغل معيّن، لكنها قطعاً لا تفيد إلا النساء في القيظ اللاهب، وهو في لندن إطلالته قليلة، ولا يمكث في الأرض طويلاً، وإن طل الصيف كصيف حقيقي، غير مغشوش، أو مخلوط بفصول أخرى، فهو سيكون مستعداً للرحيل في أي لحظة، ساعياً إلى السفر في اتجاه مكان آخر، ومدينة أخرى، مثل مدن الشرق الأوسط، والبلاد العربية، والافريقية، فمنزله الدائمي هو هناك.
في الشتاء أكاد أسجن نفسي، لكنني أظل في حالة ترقّب ليوم يشع فيه الصحو، منتهزاً الفرصة من أجل الخروج، وتنشيط أوردتي، وتحفيز نبضي على التململ، لكي يجدد هواءه، ويحثّ الدورة الدموية على النشاط والحركة. وفق هذا المفهوم الصحي، أخرج إلى الشارع، أتحسس رئتي قبل الخروج، وأتأكد من وضع قدمي، وماهية الحذاء، هل هو مريح؟ هل هو قابل للتمدد واستقبال الرصيف، ومؤاخاة الشارع؟ حتى أخرج وألاقي الناس وهم في هيئات وسُحن مختلفة، ساعين إلى شؤونهم، التي لا تنتهي إلا بالرحيل عن هذه الدنيا، يركضون ويلهثون دارجين في بطنها، متدحرجين في داخلها. أمرّ بجنسيات وهُويات متعددة، بعرب وهنود وأتراك وصوماليين، وأكراد وإيرانيين وبولنديين، وصرب ورومانيين وأفغان وباكستانيين وإنكليز قليلين، فلندن مدينة ملوّنة، ترفل بوجوه وافدة من كل بقاع العالم.

كاتب وشاعر عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية