خلال وجودي في الصباحات البغدادية كنت أتحيّن الفرص لاقتناص بعض الوقت مكرّساً إياه لرؤية بغداد القديمة وهل مسّها ماكياج الحداثة، ولحق ببنيتها نوع من الترميم والتجديد والتلوين العمراني، حتى لو كانت الترميمات برّانية تمس الشكل الخارجي للبنيان القديم والتراثي.
حقّاً لقد لمست بعضاً من هذه الرتوش والتزويقات، وبعضها الآخر مسّه التغيير الكامل للمعْلم، لكنه تغيير جاء ليحافظ الشكل الجديد على قديمه في الموقع إياه.
هذه النزهات الصباحية تمّت على دفعتين، وبمساعدة من الناقد والأكاديمي سعد التميمي، الذي اقتطع من وقته الكثير ليرينا خططاً وأعمالاً ومشاريع ومنجزات محافظة بغداد، فضلاً عن نشاط «دار الحكمة» التي يديرها أدباء معروفون في الوسط الثقافي، فهناك رأينا الاهتمام الواضح بالمواقع الأثرية والتراثية، كونها معالم بغداد العباسيّة بعصرها القريب من الأزمنة العثمانية، فاطلعنا في منطقة بغداد القديمة، في جزء من منطقة باب المعظم، حيث تقع وزارة الدفاع على معالم مهمّة من تاريخ بغداد القديم، كـ»القصر العبّاسي» وعمره أكثر من سبعة عقود. فالقصر لم يزل يحتفظ برونقه التراثي، بغرفه الكثيرة وإيواناته وطرزه، من أقواس ومنحنيات وتخاريم ونقوش حروفية، ونوافذ هوائية، وبؤر علوية للإضاءة عملها تهريب النور الخفيف إلى داخل البناء العبّاسي، المنطوي والحادب على جماله الشيّق والرشيق، ما يجعل الساكن والقابع فيه وقت الظهيرات الحارة، قريباً من نبع الفيء الطريّ، المتّسم بالبرودة والألفة المكانية.
شاهدنا ونحن نجول في «القصر العبّاسي» العديد من السيّاح الأجانب، وهم منضمّون في مجموعات مع مرشدين سياحيين، يوضّحون للسائح الأجنبي معالم المكان وتاريخه الطاعن في القِدم. خارج هذا المكان سنرى مشاهد من بغداد الملكيّة، قصور الأغنياء والشخصيات والحكّام القدامى، وعليها شاهد هو بمثابة الدليل للمكان يوضّح مَن كان يعيش في هذا القصر المرمم، من قبل البلدية الراعية للمكان، والمسؤولة عن كل شبر فيه. فعلى مقربة من هذه القصور، وعلى شاطئ نهر دجلة رأينا قصر الملك فيصل الأول، بشرفته الظليلة وشجرة «البمبر» الكبيرة والظليلة، التي تمس بغصونها شرفة الملك. ربما هذه الشرفة كانت محلاً للتأمل الملكيّ ومكاناً لشرب الشاي، وقضاء بعض الأوقات المائلة إلى الراحة، والاسترخاء المسائي للملك. في خلفية هذا القصر وعلى مرمى خطوتين، سنرى القبّة الكبيرة لحمّام الملك، بعد ذلك سندخل القصر ذا الغرف الواسعة، غرفة نوم الملك ومكتبه. كنا نندهش لطراز البناء الملكي وهندسته الجمالية، ونحن نتمشى وسط هذه الأروقة، كلّ من الناقد سعد التميمي والشاعر عدنان الصايغ والعالم في السومريّات نائل حنون، في تلك الظهيرة التي بدأت تعلو حرارتها والوقت بات يضيق، لنعود أدراجنا صوب الفندق، الذي ننزل فيه ضيوفاً على «مهرجان بابل» للثقافات العالمية. حين تحررت من التزامات المهرجان بعد انتهائه، وطّنت نفسي على المضي كعهدي بالتسكع الشخصي في شوارع بغداد القديمة، بادئاً بشارع «المتنبي» مع صديقي في المسير والتطواف البغدادي الشاعر حسين علي يونس، فهو خير عارف بشؤون الكتاب الجديد والقديم، وعارف بأسعاره وطرق اقتنائه، فهو مساوم من نوع نادر مع البائعين، الذين يعرفهم كلهم، فزيارة شارع «المتنبي» كذلك لا تكتمل دون زيارة الصديق كريم حنش، الكتبي والخبير المعروف بمعرفة الكتاب بكل أصنافه، حيث يعرف الصغيرة والكبيرة عن نشأة هذا الكِتاب وذاك، ومعرفة كاتبه وناشره أيضاً والبلد الطابع للكتاب. حين تضنينا الكتب بتصفّحها وتقليبها وشراء بعضها، نميل إلى الاستراحة في «مقهى أم كلثوم» مقهاي المفضّل منذ أيام صباي في بغداد مع الشلة السابقة والقديمة من جيل السبعينيّات الشعري.
على ذكر «مقهى أم كلثوم « فهي لم تزل كما هي، بتخوتها وحجمها وصور السيدة، وقد نشأ بالقرب منها مقهيان آخران لأم كلثوم في الحي ذاته المعروف بـ»الحيدر خانة» وهما مقهى « كوكب الشرق « وهو القريب والمحاذي للمقهى الأصلي، وهناك ثالث باسم «السيدة» لكنني لم أره أو أجلس فيه. شاهدت في الحي ذاته مقهى جميلاً اسمه «المدلل» فيه كتب مهداة من أدباء، والمكان واسع وكبير وجميل وذو طابع شرقي نادر وبديع، جدرانه تكسوها الصور الفنية وتخوتها تغطيها البسط الشرقية، وهو أيضاً يضم فرقة موسيقية وغنائية صغيرة، تؤدي في أيام العطل بعض الأغاني التراثية البغدادية القديمة، من ضمنها المقام العراقي، وهو فن موسيقي تراثي معروف ونادر. شارع الرشيد كما أسلفنا يحتاج إلى جهد جبار لترميمه وتقويمه، لعلّ إعادة إحيائه من جديد ستبث دون شك السرور لدى سكان بغداد القدامى، فهم خير عارف بتاريخ وعمر هذا الشارع، الذي يختزن بين حجارته المعمّرة وأعمدته المتفتتة وسقوفه المتهالكة الكثير من الأحداث والذكريات، والشواهد السياسية والاجتماعية والثقافية، كونه كان قلب بغداد المتحرّك والممتدة شرايينه في الأزقة والحارات والنواصي المحاذية، والساحات والأسواق القريبة.
سرت في شارع «الرشيد» متذكراً المحلات والمقاهي الصغيرة والأسواق الظليلة، المتخفّية بين طيّات الأزقة المسقوفة وانعطافاتها الغارقة في الفيء السميك والبارد، وجدت الشارع يُتعب السائر فيه، نتيجة الضجيج العالي والزحام الخانق، وضياع بوصلة السائر في اتجاه الفوضى، حيث افتقاد أنظمة السير بالاتكال على الجهد الشخصي.. ليس ثمة خلاص من هذا المعمعان سوى الارتماء في أحضان عجلة «التكتوك» وهي متوفرة وتملأ المكان بضجيجها غير اللائق، في شارع ذي سمعة تاريخية طويلة، عمرها قرن من الزمان. نصل بالعجلة الصغيرة بسرعة إلى «جسر الجمهورية» معي الشاعر حسين علي يونس رفيق المسيرة. في مطلع شارع «الرشيد» من جهة الباب الشرقي حيث وصلنا، أشير الى حسين إلى مكان حانة «سولاف» ثم إلى حانة «ألف ليلة وليلة» سابقاً التي كانت هنا مطلة على النهر، ثم نسير قليلاً لنكون في مطلع شارع «أبي نواس» فأظل أشير إلى الأمكنة القديمة ذات البعد الأليف أيام زمان، وغير الفاعلة الآن كما كانت في السابق، فأشير الى المعْلم الباقي… هنا موقع «حانة البحرين» هنا محل الخياط البياتي شقيق الشاعر عبد الوهاب البياتي، هنا حانة «غاردينيا» وهناك مطعم «الصحن الفضي» وحانة «بلقيس» على السطح، حيث تطل على الشاطئ، مكانها لم يزل ماثلاً لكنه مهجور، مثل بقية المعالم السابقة، حتى نصل إلى «المعهد الثقافي الفرنسي» الذي لم يزل يعمل ويقدّم برنامجه الثقافي طوال العام.
في الباب الشرقي حيث «ساحة التحرير» المكتبات لم تزل قائمة، ومليئة بالكتب الجديدة والقديمة، حركة الكتب في العراق فاعلة وغير منقطعة دائماً. حين نفرغ من عالم المكتبات ننعطف في أول عطفة للشارع الموالي للمكتبات، حيث سنأنس إلى شرب الشاي اللذيذ في مقهانا المأنوس «مقهى المعقّدين» ثمة لافتة تشير إلى ذلك، ندخله مستمتعين بالقدامة ورائحتها البهيجة، وما تبقى من ذكريات لأصدقاء قدامى، لا تزال تمرح وتستريح بين تخوتها الخشبيّة، حيث البُسُط المزركشة والملوّنة، الضاربة في تلافيف الروح البعيدة، وشغب زمنها المتواري وراء السنوات السالفة، تلك التي لم يتبق منها سوى خيوط من السديم رفيعة وغائمة.
كاتب عراقي