حين تستيقظين غداً: سهيل نجم ومرآة ليفربول في شعر براين باتن

حجم الخط
0

الشاعر والمترجم العراقي سهيل نجم أحد مترجمي الشعر العالمي إلى العربية، ترجم العديد من الشعراء العالميين، ووضعنا أمام ترجمات تعد من عيون الشعر العالمي، أبرزها كان ترجمة العمل الأبرز من رائعة الشاعر الإنكليزي تيد هيوز «الغراب وقصائد أُخر»، هذا الشاعر الذي أحدث نقلات بارعة في سياق الشعر الإنكليزي، وفي الوقت عينه ترجم لشاعر بريطاني مهم هو براين باتن، موضوع هذا المقال.
ينتمي الشاعر الإنكليزي براين باتن إلى ما يسمى جيل الستينيات، وهو جيل ثائر على التقاليد الشعرية واللفظية واللغوية المتوارثة، إنه جيل البيتلز وجيل الغضب وجيل التمرّدات على المواضعات الفنية التقليدية، في كل من بريطانيا وأمريكا، وصولاً إلى باريس موطن الصرعات التعبيرية والإستاتيكية بكل فروعها الجمالية، من شعر ورسم وموسيقى، فشاعر مثل براين باتن هو بالضرورة سيكون ضمن هذه الأجيال المتحدية للنسق المستكين والعام والمتمردة على واقعها، من أجل الوصول إلى تحقيق الثورات الفنية، النهضوية للخيال، عبر اكتشاف مناطق بعيدة تحفل بالرؤى والمحفّزات الإبداعية.
فجيل براين باتن إذن هو جيل الرفض وجيل التحوّلات والتطلعات نحو آفاق مختلفة، جيل حافل بالتنوع الفني، إنه جيل ليفربول الشعري، الحالم بالتفوق الشخصي، شعراً وموسيقى، وغناءً، يقابله في الضفة الثانية من مدينة ليفربول أبطال لامعون في كرة القدم والملاكمة والرياضات الأخرى التي تحفل بها المدينة.
سعى الشاعر باتن منذ صغره وهو في الخامسة عشرة إلى أن يكون شاعراً، مع حلمه في أن يكون امتداداً للشعراء الإنكليز الكبار، انطلاقاً من مدينته ليفربول، المدينة الشاعرية والعمّالية أيضاً، منخرطاً ومنطلقاً مع صديقيه الشاعرين أدريان هنري وروجر ماكغو ليكوّن الثلاثة مدرسة شعرية دعيت بـ»صوت ميرسي» نسبة إلى النهر الواقع في مدينة ليفربول، مدرسة تخطت المفهوم النقدي الذي كان سائداً آنذاك، وهو انتماء القصيدة إلى سياق معرفي ملتبس، وغامض ومثقل بالتهويمات الذهنية والتجريدية، وصولاً إلى الشعر الحسّي البسيط، الذي يكون في متناول الجميع كما الموسيقى، ومن هنا اندماج الشعراء بالغناء والعزف، وجعل الشعر كالأغنية وكالخبز، وباستطاعة الكل الوصول إليه، دون عناء وتفاسير وغوص في عالم الغنوصيات، فشعرهم ينهل من الواقع والشارع، والأحياء الفقيرة التي يعيشون فيها، وهو في عمقه يعكس تجاربهم الحياتية، وينهل من عمق مدينتهم وقيعانها السفلية، وبذا أصبح صوتهم مسموعاً، ليطرق المدن الإنكليزية ويصل حتى إلى أمريكا، متماهياً مع شعرائها البارزين، مثل ألن غنسبيرغ وجاك كيرواك وبوب كوفمان ونيل كسيدا، ولهذا بارك ألن غنسنبيرغ مسعاهم الرؤيوي، وعدّهم المُضيفين والمُكمّلين لمسارهم التجديدي في الشعر المكتوب بالإنكليزية.
أثار ظهور شعراء «صوت ميرسي» الكثير من النقد الهجومي ضدّهم، على أن ما يكتبونه ليس شعراً، كونه قريباً من روح العامة، ومن مشاغلهم وحياتهم البسيطة، وشؤونهم اليومية الصغيرة، ولذا مضى الشعراء دون التفات لما يثار حولهم، من أقاويل وحكايات وتجديف، ولكنهم في النهاية حصدوا إعجاب الآلاف من الناس والمتلقين. وتحت ضوء هذا الحصاد من الإقبال على شعرهم، تقدّمت أشهر دار نشر في بريطانيا «بنغوين» إلى طبع عمل مشترك للشعراء الثلاثة، ودعتهم «صوت ميرسي» نسبة للنهر الموجود في مدينة ليفربول العمالية، التي اشتهرت بنبرتها الشعرية الإنسانية، المنحازة إلى العامة من الناس. من هنا لاقت طبعة «بنغوين» إقبالاً لفتاً، وباعت الدار نصف مليون نسخة من عمل هؤلاء الشعراء الثلاثة، أي من «صوت ميرسي» كتابهم الشعري المشترك.
أما كتاب «حين تستيقظين غداً» بترجمة سهيل نجم، الصادر هذا العام عن «دائرة الشؤون الثقافية» في بغداد، فيعد في نظري من أفضل الترجمات التي قرأتها مؤخراً لشعر إنكليزي مترجم. تحفل أشعار براين باتن بالشعر الحار والساخن، الذي يتناول غالباً مواضيع إنسانية، يأتي الحب في المقدمة منها، وكذلك تحفل أشعاره برؤاه الطفلية، لما تمتلكه من خيال جوّال ومستكشف ومستطلع، ولكأننا به ذلك البحّار الذي يجوب البحار والموانئ بحثاً عن عوالم غريبة وفريدة، قابلة على الإدهاش والسحر، بما تكنزه من عوالم غرائبية ومكاشفات مثيرة، كقوله في قصيدة «هوية خاطئة»:
« رأيتكِ تعبرين من جنب النافذة
في ذلك اليوم،
جميلة كما أنتِ،
الشَّعر البنيّ الأحمر
والساقان المثاليتان دائماً،
هرعتُ إلى الشارع
وناديتُ باسمك
ونظرت إلى الوراء،
ما أغباني
لم تكوني أنتِ، لقد نسيتُ،
كيف مرت ما يقرب من أربعين سنة، فاعتذرتُ،
قلت إنني أخطأت بينكِ وبين شخص آخر».
ينهج براين باتن اللهجة الشعرية الأنيسة الخالية من التعقيد، والجملة البسيطة، ولكنها المشحونة بشعرية عالية، وفيض من الدلالات الواضحة والمشرقة، تلك التي تصل قلب المتلقي مباشرة، وهي سمة فنية يمكن القول إنه قد اشترك بها مع جيل «البيت» الشعري، في كل من أمريكا وبريطانيا، ووصلت شواظها إلى البلدان الأوروبية، ولاسيّما المجتمع الباريسي، الذي كان يعد نفسه مكتفياً ذاتياً بتجارب شعرائه الدادائيين والسرياليين، وبعض شعراء اللحظة الشعرية ذات البعد اليومي. فهؤلاء الشعراء، شعراء «صوت ميرسي» هم أقرب إلى جوّ العامة، الجوّ العمالي في مدينة «ليفربول»، وغالبية هذا الجو كانت تميل باتجاه اليسار، لما يمثله هذا الاتجاه من تطلع إنساني نحو الطبقات المسحوقة، والعاملة ليل نهار، تحت ربقة استغلال اليد والجهد، وسرقة الحياة كذلك، وبذلك نلحظ أن شعراء «صوت ميرسي» هم صوت الناس، أي أنهم صوت الإنسانية والمعبّرين عن الحياة الدنيا والبسيطة.
ففي قصيدة معبّرة عوانها «أن تكون في السادسة عشرة» يوضح باتن تطلعاته الشعرية إلى الشعراء الذين أحبهم:
«في السادسة عشرة
أبطالي رامبو وويتمان، في المقاهي الصاخبة يُعرض فيلم «ملاحظة .. أحبك» في قبو شارع كانينغ، رسم أدريان هنري دخول المسيح إلى ليفربول، أعيش في عليّة ذات كوّة مكسورة، الخريطة التي رسمها غارسيا لوركا مفتوحة أمامي، ليس ثمة شيء غير ممكن، ولا شيء لا يمكن إعادة اختراعه، آه الشعر في السادسة عشرة».
أيضاً براين باتن كاتب قصص وأشعار للأطفال، وهو هنا في هذا الديوان يبتكر شخصياته الشعرية الطفلية، الحالمة والمبهرة والحافلة بالرؤى والأحلام، كابتكاره لشخصية «جوني الصغير»، وهي قصيدة تشبه القصائد المتسلسلة التي تحمل ثيمتها الفنية في داخلها، أي كل قصيدة من هذه لها موضوعها الفني، موضوع له ثيمات مترابطة مع بعضها، في نسق فني واحد كحكاية «جوني الصغير»، وأظن وحسب رأيي الشخصي أن الشاعر براين باتن قد تأثر هنا أو استلهم موضوع شخصيته «جوني الصغير» من الرواية التحفة للفرنسي دو سانت إكزوبري «الأمير الصغير» حين يأخذنا الشاعر البريطاني براين باتن إلى عوالم جوني الحالمة، والفانتازية المليئة بالاجتراحات الخيالية.
كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية