ثمة ضوء آخر في حياة الشاعر

حجم الخط
1

توجد في مكتبي بالطابق الأول من بيتي مكتبة صغيرة، وهي امتداد لمكتبتي الكبيرة في الطابق الأرضي.
في هذه المكتبة الصغيرة، بعض المجموعات الشعرية لشعراء عرب متنوّعين، والمجموعات متنوّعة كذلك بأغلفتها البراقة والجميلة والمتميّزة، تلك التي أصدرتها قبل أعوام قليلة « دار النهضة العربية « في بيروت.
من بين بعض هذه المجاميع الشعرية التي لم أقرأها وأطلع عليها، مجموعة شعرية، أحسّها كلما مررت بها كانت تضيء جانباً من المكان، فالتقطتها راضخاً لشرط النور الكامن في صفحاتها وغلافها البرتقالي المومض والمضيء، عنوان المجموعة هو « ثمة ضوء آخر «، وهي للشاعر التونسي الراحل محمد الغزّي.
كنت قد قرأت لمحمد الغزي بالطبع بعضاً من شعره، الذي كان ينشره هنا وهناك، في هذه المجلة العربية وتلك، فرسخ اسمه في ذهني كشاعر له مكانة خاصة بين أسماء الشعراء العرب، الذين ظهروا في مطلع السبعينيات من القرن المنصرم .
لكنني والحق يقال لم أطلع على مجاميعه الشعرية المنشورة، بسبب عدم الانتشار المنظم للشعر في البلاد العربية، وربما بسبب الدور البعيدة التي نشرت للشاعر، وأغلبها تونسية على حد علمي، وربما أيضاً بسبب الشاعر ذاته، في اعتكافه وانعزاله وعزوفه عن عدم الترويج لنفسه، وهي حالة تصاحب الشعراء الكبار المتعففين وغير المتشاوفين، والزاهدين بالابتعاد عن منابع الضوء والشهرة، تلك التي قد تصيب بالعمى من يسعى الى طلب المزيد من ضوئها الكاذب المصحوب بالأمد القصير.
بيد أن ضوء الشاعر محمد الغزي هنا، هو ضوء مختلف «ضوء آخر» ربما هو ضوء الحياة الأخرى، التي اختطفته وهو في قمّة النور المنبعث من الكلمات التي كتبها مؤخراً.
في مستهل المجموعة أو الديوان تطالعنا قصيدة عنوانها «الموت»، وكأنما الشاعر هنا يحدس أو يتنبأ بقدوم الموت إليه، ليفاجئه في منزله، فيجري بينه وبين السيّد الموت الحوار التالي :»
إنْ يجيءْ قبل صياح الديك موتي
ويُفتِّحْ باب بيتي
سأناديه تمهّلْ سيّدي
فعلى الأرض خمورٌ لم أذقْ أطيبها
وذنوبٌ جمّةٌ لم أقترف أجملها
فاذهب اليومَ ودعني لغدي».
هذه القصيدة كتبت قبل أكثر من عقدين من الزمن في أقل تقدير، فديوانه مطبوع قبل ثماني عشرة سنة من غيابه عن دنيانا، أي وهو شاب الى حد ما، أعني وهو في الثامنة والخمسين من عمره، أما تاريخ كتابة القصيدة فلم يُذيّل بتاريخ معلوم.
أن نظرة أولى على القصيدة ستجعلك تراها مترعة بالرؤى الدلالية، والرمز الإيحائي، الذي يحيل الى معنى الحياة وملذاتها وطعمها البكر، وبخاصة في أفواه وأرواح الشعراء، المتعطشة الى المزيد من اللذاذات الدنيوية، والروحية الخبيئة، تلك التي لم يستوفِ أو يستكفِ الشاعر النهل منها، فهي كثيرة وماتعة، وتتراءى في عين الشاعر طيّبة، وذات مذاق وطعم ولون مختلف، فعلى الأرض خمور لم يختلف الشاعر اليها بعد، وثمة ذنوب بريئة لم يقم الشاعر بارتكابها الجمالي والفني، وعليه أن يقتحمها في يوم ما، ليكمل مسيرته الرؤيوية، ولهذا نراه يترجّى الموت أن يمنحه هذه الفرصة الذهبية، ليعيش الحياة ومواصلتها، ومن هنا يدعوه، أي للموت، لأن ينساه، ويذهب عنه، ويدعه لشأنه الحياتي اللذيذ منغمساً بطبيعته الحسيّة.
يميل الغزي الى وضوح العبارة، وجمال التعبير والى النسق المرهف في السياق التعبيري، اللفظي واللغوي. أحياناً تستهويه مفردات بعينها، فيحفل بها ويرددها في أكثر من مكان، ولكنه يميل الى استخدامها في المكان الصحيح، والدال والمُعبّر. كذلك تميل قصيدته الى المحو والتشذيب والبتر، حتى يصل الى الخلاصة، والخلاصة تكون في قصيدة لا تتعدى الستة أبيات، وإن تجاوزت القصيدة ذلك فإننا سنكون أمام قصيدة مدروسة يُثقل سطورها تاريخ بلد وتراث معمورة ومسيرة بشر، كما يتجلى ذلك في قصيدته « قبل أن تبلغ القيروان»، وهي من القصائد العيون ضمن مسيرته الشعرية. والقيروان هي مدينته ومسقط رأسه، وفيها ضوء وأنساغ طفولته، وحياته الفتية في مطالع التكوين الأوّلي فوق تربتها، فهي مدينة تاريخية أيضاً، والتاريخ قد ترك فوق حجارتها وجامعها وأرضها وسمه الروحي.
يتمتع الغزي بلغة فيّاضة، حميمية وذات قوام رشيق، وكل كلمة في القصيدة لها معنى وهدف وغاية. ليس ثمة استطراد حتى في البعد العرفاني المحمول على رؤية صوفية، فهناك دائما دال ومدلول، رمز ومرموز إليه، وإيحاء موحى من تجربة معيّنة كان قد مرّ بها الشاعر. والغزي شاعر ماهر في جملته الموسيقية وضوابط ترانيمه الإيقاعية، وكل ذلك يأتي عبر تمكّنه الواضح من الوزن والعروض والتمرّس الطويل البائن عليه في هذا الديوان.
هذا التمرّس العروضي، بالتأكيد يكون قد شمل دواوينه السابقة وهي أربعة، ولكنها رغم قلتها وضعته في قلب المشهد الشعري التونسي والعربي كذلك، قلّة ولكنها كثيرة على حد تعبير عنوان أحد دواوينه السابقة المشار إليها « كثير هذا القليل الذي أخذت».
يطيب للغزي الحديث عن أخته وطفولته ومنزل قريته، وعن ناسها وأشجارها وطيورها وحقولها وأوراقها وريحها، حتى يتماهى ويتداخل ليتسامى البعد العرفاني بالبعد المكاني، ويشكلا عالم القصيدة المُرتّبة والدقيقة والمحسوبة كلماتها، حساباً تقنياً وفنياً عسيراً، وهنا قصيدة «فُرقة» نموذج لذلك:
« أبداً لن أجتبي من ناره جمراً لقدّاسي الحفيلْ
أبداً لن أصطفيه شاهدي
فأنا السالكُ وحدي
وأنا وحدي الدليلْ
فاتركوه سادراً في رشده
فأنا ثُبْتُ الى غيّي الجميلْ «.
لا زوائد هناك في أيّة قصيدة من قصائد هذا الديوان الذي بين أيدينا، لا رتوش وزخارف ومحسّنات وأوصاف مجانيّة، بل نجد فيها البناء اللغوي المرصوص، والقياس الدقيق للتعابير وحتى للجمل الميلودية، وما أكثرها في الديوان.
وفي السياق فأن هذه الموجة الموسيقية التي تتخلل مجمل بنية القصائد، هي ميّزة أخرى تنضاف لمهارات الشاعر التونسي الفقيد محمد الغزّي، الذي أعطى الكثير من الإبداع والاجتراح الرؤيوي في أعمال قليلة ومحدودة، ولكنها في الحساب الفني والجمالي والميزان الإبداعي الذي سيزنها، سيجدها متعددة وكثيرة وذات تحاميل فنية لا تحصى.

 كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية