لماذا تغيرت أخلاق السوريين فجأة بعد التحرير؟
لماذا سيطرت الفظاظة في تعاملكم مع بعض، لماذا تغيرت تعليقاتكم و»بوستاتكم» على جميع وسائل التواصل الى الكثير من عدم اللياقة وأحيانا الوقاحة والبغضاء؟
من يتابع تعليقات غالبية السوريين على فيسبوك يجد فيها جبالا من اللؤم والتخوين والعنصرية والطائفية. تذهب الى «التيك توك» و»إكس» فتجد غالبية تعليقاتكم فوقية، وفيها عنصرية وكثير منها وضيع؟
تخلصنا من أسوأ نظام في الشرق الأوسط، وهرب الديكتاتور صاغرا ذليلا، وبدل أن نفرح كثيرا وطويلا استعرنا أحط أساليبه في التعاطي مع بعضنا، هل نحن الوحيدون الذين قمنا بثورة؟
لا، فقد فعلها غيرنا من كل الشعوب، لكنهم لم يتقهقروا هكذا. لماذا تغيرت أخلاقنا التي تظهر جليا في التعليقات على كل ما يخص سوريا والسوريين وتحويلها لمعارك بين بعضنا، فتارة نتهم من يختلف معنا في كونهم غيرانين وحاسدين! اتركوا العالم تعبر بصدق دون تجييش وتطييف وعنصرية وتقسيم، فما هكذا تُبنى الأوطان.
الحكومة السورية الحالية تقوم بجهود، أقل ما يقال فيها إنها خرافية، نظرا للتركة الصفرية التي تسلمتها، لكنها تحقق نجاحا مدهشا في المقابل، دون ضجيج وانفعال وتزييف وتنابز بالألقاب.
كتب الإعلامي الوطني الصديق توفيق الحلاق في الفيسبوك يقول أمس: عندما تتخلى عن أنانيتك واصطفافك الطائفي أو القومي أو المناطقي، وتكون إنساناً مهذباً كريماً وشهماً، فسوف تكسب احترام ومحبة كل الناس في وطنك أياً كان معتقدك».
فيما كتب صديق من أحد أركان الثورة السورية قائلا: «كمية التخوين والحقد التي تشهدها مواقع التواصل، ومن بين المحسوبين على الثورة في ما بينهم تدعونا لإعادة تعريف الثورة ومبادئها». مضيفا «حبوا بعض.. احترموا بعض انتقدوا بعض بأدب يا متعلمين يا بتوع المدارس.. اقسم بالله أصبح الدخول لمواقع التواصل كالدخول لحقل الغام»!
لا أكشف سرا إذا قلت، وحسب معلومات سورية موثقة إن غالبية البوستات العدائية والطائفية والتحريضية تأتي من مصادر خارجية، منها العراق وإسرائيل وروسيا وإيران وبعض الدول الاقليمية، إضافة الى جيوش الكترونية تعمل على تخريب أي جهد وطني، وتذكي نيران الخلافات، خاصة الطائفية منها، وعلينا محاسبة من يقوم بهذا التخريب، إذا كان في الداخل السوري أو لاجئا في دول الغرب، وهناك الآن «داتا» من الأسماء تُجمع لتقدم للقضاء والمحاكمات، ويتردد أيضا أن الحكومة السورية في صدد تفعيل قانون يحاسب من يحرض ويستخدم وسائل التواصل للتخريب والتمييز وتطييف المجتمع، وغيرها من الأمور التي تعاقب عليها القوانين الدولية.
في كتاب للفيلسوف الفرنسي جوليان بيندا نُشر عام 1927 بعد الحرب العالمية الأولى يطرح نقدًا حادًا لما أسماه «خيانة المثقفين»، حيث انتقد المثقفين الذين ضحوا بالقيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية من أجل دعم الأنظمة السياسية أو الأيديولوجيات، التي تتسم بالقوة والقمع. ورأى الرجل حينها أن كثيرا من المثقفين في العصور الحديثة قد تحولوا من مدافعين عن الحقيقة والعدالة إلى أتباع للسلطة وأدوات لها. ونرجو ونأمل أن لا يكون المثقفون السوريون كذلك الآن، فنعول كثيرا عليهم أن يلعبوا دورا يشبه سوريا التاريخ والحضارة والإبداع.
نحن السوريين ما زلنا في الخطوة الأولى من مسيرة الألف ميل، وما زال وطننا هشا في كل مناحيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويحتاج إعادة بناء الإنسان قبل بناء البيوت والدولة.
أطول كلمة للشرع
من استمع الى أول كلمة للرئيس الشرع، بعد الإنجاز التاريخي له في رفع العقوبات عن سوريا، يدهش لقصر مدة كلمته، التي لم تتجاوز التسع دقائق.
كلمة كانت من دون فواصل وفي نفس واحد، ودون نكت سخيفة، ولا تصفيق من بُلهاء، الرجل لم يشرح لنا الفرق بين أعداء الداخل وأعداء الخارج، ولا بين الأجنبي المتآمر، الذي يقود بفتح الياء والوطني المغفل، الذي يُقاد بضم الياء، ولا كيف نميز بين الدول الصديقة والدول التي تدعي الصداقة!
سمى الأشياء بمسمياتها، دون زيادة أو نقصان، لم يمطرنا بدروس في الصمود والتصدي، وقد هدم علينا كل ما تعودنا عليه، وانصرف الى عمله دون أن تتعطل المدارس والجامعات وتتوقف الطرق والمصالح للإنصات للقائد الملهم؟! لكنه بالتأكيد حرمنا من الضحك، كما كان يفعل بشار.
لكن في مكان آخر من أسواق دمشق نجد أن تاجرا، علق يافطة قبيحة، تماما، كما كان سائدا أيام المقبورين، يتملق فيها للرئيس، لكن سرعان ما وجد موظفين ينزلونها ويمزقونها، في مظهر يظهر فارقا كبيرا بين زمنين، رغم قصر المدة الزمنية.
التطبيل للقيادة والقائد هو داء أصاب السوريين على مدى العقود الماضية، والتزمير عادة سيئة ورثناها من الزمان الأسوأ، ويجب القضاء عليها.
وبدلا من التطبيل، لنتمسك بالعمل والبناء على الأرض لا في الشعارات، وبدلا من التزمير الذي سينقلب تشبيحا صريحا استمسكوا بالوطن، فالمستقبل لنا.
والرئيس ليس td حاجة لمنافقين، وعلى وزارة الداخلية تغريم كل من يصنع لوحة تمجيد أو تطبيل، فهي عادة بغيضة يجب التخلص منها.
وفي المناسبة فإن غالبية المطبلين والمشبحين الآن في سورية هم من مطبلي المرحلة السابقة، ومن شبيحيها، ويجب أن ينقطع هذا الاسترسال، فلا تطبيل بعد اليوم لأحد، ولا قائد للأبد، فقد رحل الديكتاتور وبقيت سوريا العظيمة بأبنائها الوطنيين الشرفاء.
انطلاقة متواضعة للتلفزيون السوري الجديد
بقدر بروز الإعلاميين السوريين في جميع دول العالم، بقدر ما كان إطلاق التلفزيون السوري متواضعا، ولا يعكس التطور الذي يرافق هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد.
هناك أخطاء تُرتكب في مشاركة بعض الضيوف وتقديم البعض على أنهم خبراء، وهم ليسوا كذلك، وهناك أخطاء وتواضع في البرامج ومستوى تقديمها، كما أن هناك تهيبا من تناول مواضيع مهمة يجب تناولها في هذه المرحلة.
ولكي نكون منصفين فهناك حرية جيدة في تناول بعض القضايا السياسية، لم نعهدها في كل التلفزيونات السورية سابقا، وأيضا هناك نفس جديد في شكل الصورة والمذيع وطريقة الالقاء البعيدة عن الخشبية.
وأسوق هنا ما قاله الناشط السوري إياد شربتجي معلقا على مقابلة الإعلامي معاذ محارب مع ناشطة الثورة السورية ريما فليحان والانتقادات القاسية، التي وجهتها السيدة للسلطة والرئيس الشرع على شاشة الإخبارية السورية.
فقال إنها لا تسيء أبدا للبلد ومقام الرئاسة، كما علق بعض شبيحة السلطة، بل بالعكس ترفع أسهم الشرع والسلطة بمجرد أن هذه الانتقادات تم بثها على شاشة تابعة لوزارة الإعلام السورية. وتمنى أن يخلصنا الله من عقلية من يعتقدون ان التشبيح الأعمى ضد المنتقدين هو واجب وطني ودفاع عن البلد!
لا شك كذلك أن التنوع مطلوب في المقدمين والمذيعين ليعكس تنوع البلاد. كما أن التلفزيون يحتاج الى خبراء كي تكون له هوية واضحة ويستطيع البقاء والتميز في بحر من القنوات الأرضية والفضائية الموجودة على الساحة.
في اعتقادي أنه لم تعد هناك حاجة الى تلفزيون يتحدث باسم سوريا يبث من الخارج، وإذا كان ذلك صحيحا ومبررا في وجود النظام السابق، فإن الحاجة الى ذلك تنتفي الآن، وأقترح بتواضع أن ينتقل بعض العاملين في تلفزيون سوريا الخارجي الى التلفزيون الوطني، وبهذا يتعزز التلفزيون الجديد مع تطعيمه بكفاءات سورية خارجية للاستفادة من تجاربهم وإثراء الاعلام السوري بدماء جديدة وتنوع ومهارات وخبرات.
كاتب من أسرة «القدس العربي»