الوعد الحالم

حجم الخط
2

تشكل الحروب دائماً للكتّاب حيثما كانوا مادة غنيّة، مادة تستهدف مصائر البشرية وهي تخوض عالمها اللاهب واللا إنساني والدامي، فيُبرز هنا الكاتب الأعماق الدفينة، والمشاعر الداخلية، والهواجس الآنية، وهي تتصارع في داخله حين يواجه خطر الحرب، تلك التي شهدها وفُرضت عليه، من قبل قوى عليا، فتلجأ وقتذاك أدوات الكاتب والروائي وسارد اليوميات والوقائع الحربية، الى تأبيد الواقع العياني، عبر تحويله من لحظة آنية إلى لحظة أبدية، شهدها معه الواقع والمكان والزمن المعلوم. في هذا السياق، قرأت وعلى نحو متزامن سيرتين حربيتين، عن الحرب العالمية الثانية، السيرة الأولى وهي موضوع هذا المقال، للروائي الفرنسي من أصول ليتوانية رومان غاري، والثانية لكاتبة ألمانية.
في هذا المقال سأتناول السيرة الأولى «وعد الفجر» إصدار دار المدى، وترجمة عدوية الهلالي. أما السيرة الثانية فسأتناولها في حيز خاص بها لاحقاً. كتاب «وعد الفجر» هو سيرة مرويّة بلسان كاتبها، يسرد فيها حكايات طفولته وقصص فتوته وشبابه، بأسلوب جذاب وسلس ولافت، في وقائعه اليومية، وهو في هذا الكتاب كأنما يسرد سيرة والدته معه ومع الحياة والعالم، والدته التي أحبته وأحبها بعمق حياتهما معاً، فهي ناضلت من أجله كثيراً لتراه موهوباً، يسعد حياتها وحياة الناس بما سيملكه من موهبة، فهي ممثلة روسية سابقة، وأصرّت على أن يكون ولدها الوحيد مصدر إلهام للآخرين، بما سيمتلكه من موهبة، فأرادت أن تصنع منه مغنّياً في الأوبرا، أو رساماً مثلما كان يدور في ذهنه هو من هواجس حول الرسم. غير أن الرسم بحد ذاته لم يكن ليتوقف عنده كثيراً، فهو يمتلك روحاً أخرى، روحاً تأملية وعذابات داخلية، فيها نوع من قيود عائلية، ولاسيّما قيود والدته التي كانت تخطط له المصير الفني، والموهبة الكتابية كذلك، فضلاً عن إصرارها وحلمها على أنه سيكون كاتباً عظيماً مثل فيكتور هوغو الذي تعتبره رئيس فرنسا، على حد تعبيرها، لذلك فإنها سترحل إلى فرنسا، وهناك ستصنع منه، فضلاً عن عالم الكتابة، دبلوماسياً فرنسياً، يخاطب العالم ويواجهه بالكتابة وبالسياسة وبالأفكار. هكذا كانت تروّج لابنها في عالمها الصغير، عالم الفن الذي ستتركه لاحقاً، وعالم جيرانها وأصدقائها، وبمن تلتقيهم في مسار يومها المليء بالطموح والتوقعات والآمال المستقبلية.
حقاً الأم حققت ما كانت تصبو إليه، فجعلت من ولدها كاتباً كبيراً، حين هاجرت وانتقلت من بلدة ويلنو اللتوانية إلى بلدة نيس الفرنسية، حيث درس ولدها في كلية الحقوق، بعدها تطوّع في سلك الطيران، ثم دخل الفضاء الدبلوماسي في فرنسا، وأصبح قنصلاً في ما بعد في لوس أنجليس، وأصبح كذلك كاتباً مرموقاً كما كانت تريد، ولكنّه خيّب آمالها في رغبتها في أن يُصبح مغني أوبرا، كونه لم يمتلك موهبة الغناء أولاً، وثانياً لم يمتلك الصوت الجهوري لمغن أوبرالي.
كتب رومان غاري باسمين مختلفين، ونال باسمه الذي يكتب به رومان غاري جائزة «الغونكور»، وهي أرفع جائزة فرنسية، وذات سمعة عالمية واسعة، نالها عن روايته «جذور السماء».
حين صدر عمله الروائي الأول «التربية الأوروبية»، حصد الإعجاب والإشارة بولادة كاتب مثير ومتميز، ثم توالت أعماله اللاحقة مثل «حجرة الثياب الكبيرة» و «الطيور ستموت في بيرو» و «الكوميديا الأمريكية» و»شقيقي المحيط»، إلى جانب كل هذه الأعمال كتب سيناريوهات لأفلام سينمائية وقام بإخراج فيلمين أيضاً.
بُعَيْد موته، ترك وثيقة كشف فيها اسمه المستعار، وهو إيميل آجار الذي كتب فيه رواياته اللافتة مثل «مداعبة كبيرة» و»قلق» و»الملك سليمان» و»الحياة أمامك» التي فاز بها مرة أخرى بجائزة «الغونكور» الفرنسية، وهو الكاتب الفرنسي الوحيد الذي نالها مرتين، مرة باسمه وأخرى باسم مستعار.
أقام الكاتب في كلّ من صوفيا، نيويورك، لوس أنجليس ولاباز، وفي عام 1963 تزوّج من الممثلة الهوليوودية جين سيبيرغ التي ستنتحر في عام 1979.
كانت آخر رواياته «طائرة ورقية»، وهي تتناول حياته وكيف راحت تشيخ وتكبر وقد فقدت وهجها وشعلتها، فجسّد ذلك في مجموعة من أعماله «بعيداً عن النهاية» و»بطاقتك لم تعد مناسبة» و»نور المرأة»، ولا سيّما وهو الدونجوان، وهذا ما تكشفه مذكراته وحياته التي كان يعلنها في كتبه وسيرته التي نتناولها هنا، ولكن حياته المتقلبة في الطيران، حيث قامت الحرب العالمية الثانية، وعمله في السلك الدبلوماسي لم يتركا له الوقت الكافي ليتواصل مع النساء والحب، فكانت ثمة قطيعة تحدث بسبب إحداثيات حياته ومشاغله الجوية.
كانت والدته، التي أفنت حياتها في سبيله لكي يكبر ويصبح على ما هو عليه، لم تهمل أي تفصيل في حياته، ليصبح رجل العالم. كانت تعشق فرنسا وتحبّها بطريقة غير طبيعية، كما علّق هو على ذلك قائلاً: «طوال حياتي لم أسمع إلا كائنين يتحدّثان عن فرنسا باللهجة نفسها والدتي والجنرال ديغول».
كان الكاتب والقنصل والطيار رومان غاري، دائب التفكير بحياة أمّه وتفاصيلها، هي المتقدّمة في السن المصابة بالسكر، والمدخّنة الشرهة لسجائر «الغلواز»، فحين يكون في مأزق معيّن يتذكرها، وحين ينجح ويفشل يتذكرها، وحين يلوذ إلى النوم، يعرف أنها هي أيضاً تتذكره دائماً وفي كل لحظة. كان يجهد في حياته من أجل إرضائها، هي التي لهثت طويلاً من أجل أن يعيشا بكرامة، ودون عوز، سهرت على تربيته وقلقت عليه ليل نهار، بل دقيقة بدقيقة. أمرأة مسنّة إلى حدّ ما، عملت في الخياطة، وبيع القبعات والحاجيات النسائية، والحلي والمصوغات والأشياء التذكارية الثمينة، التي كانت بحوزتها، فقد احتفظت بها ورهنتها وباعتها ليوم الحاجة، ويوم الغربة الفرنسية، لكي تعيل نفسها وولدها الوحيد، عبر العمل في السوق، وتأسيس مأوى صغير للتأجير، يسدد نفقات ما تحتاجه هي وولدها أثناء الدراسة، وهما في المهجر الفرنسي.
يسعى البطل، وهو كاتب السيرة نفسه، إلى تحدي واقعه عبر النفاذ إلى المستحيل، بتجسيده لمفهوم البطولة والمقاومة، وتخطي الصعاب والمغامرة بكيانه الكلي، من أجل صنع البطولة واحتيازها حربيّاً، وصولاً الى إنتاج النصر مع الآخرين، لتحرير الواقع والأمة، ثم تطهير المكان والزمن والروح من ميكروب الاحتلال ومقاومة انتشاره في جسد البلاد، ولهذا وجدناه قد جازف وحارب بكل ما يمتلك من تفان وطاقة وقوّة، هو ورفاقه من ضباط وجنود وقادة، وقد سقط منهم الكثير في سلك الطيران، وهم يتقدّمون نحو النصر ضد النازية.

‭ ‬كاتب‭ ‬وشاعر‭ ‬عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية