تعويذة لدخول قصيدة أمجد ناصر

حاتم الصكَر
حجم الخط
0

مناسبتان أسعدني فيهما أمجد ناصر، وأوكل لي تقديم عملين له. يهمني كثيراً منها تقديم مختاراته الشعرية «تعويذة لدخول البيت» الصادرة في مصر، والتي اختار فيها عنوان إحدى قصائده التي شملها الاختيار، ليكون عنواناً للمختارات كلها.
يقوم الشاعر عادة في المختارات التي يصنعها لنفسه، بما يشبه نقد أعماله ذاتياً، وتمييز بعضها على الآخر. ويكون في هذه الحالة ألصق بنصوصه، وما يمكن أن تشكل في وعي متلقيه وتعقد الصلة به، من خلال ما يراه معبّراً عما يمكن تسميته نصوصه الأثيرة إليه، والتي خصّها لأسباب مختلفة بالانضواء تحت مسمى المختارات التي تكون عائديتها القيمية عليه، لأنه منشئ كيانها، أو ناظم سلكِها وواهبها ذلك الامتياز.
لم يعبأ أمجد كثيراً بتسلسلٍ ما لمتوالية النصوص المختارة. رغم أنه بدأ بقصائد من شعره الموزون وفق التفعيلة، أو الشعر الحر بالمصطلح النقدي الشائع، رغم تحفظنا عليه. وهي قصائد ضمّها ديوانه الأول «مديح لمقهى آخر»، بيروت 1979. لينتقل بعد قصيدة الديوان الرئيسة التي أخذ الديوان عنوانها وقصيدتين أخريين، إلى فضاء قصيدة النثر الذي دخله بجرأة وكثير من المغامرة والمجازفة منذ ديوانه الثاني «منذ جلعاد كان يصعد الجبل»، بيروت 1981. ولعل وصف (المجازفة) قد تسلل إلى قراءتي بأثر مطالعتي لملخص ورقة الناقد صبحي حديدي في الندوة الدراسية والشعرية التي انعقدت في عمّان مؤخراً، احتفاءً بمنجز أمجد ناصر. وكانت ورقة صبحي حديدي بعنوان «ثلاث مجازفات في الشكل والمحتوى». أما وصف «المغامرة» فهو مستلٌّ من قصيدة نثره الأولى في المختارات «أي الأناشيد تلك» والمؤرخة في عام 1980، حيث يقول في مستهل مقطعها الثاني: «اتسع نطاق المغامرة، فدلفنا إلى القصيدة والأرض. اختلط كل شيء».
في القصيدة ضمير نحوي يشير باطراد إلى رحلة جماعية نحو حياة جديدة، يختلط فيها كل شيء بكل شيء كما يقول. وهي محنة العبور إلى الغد التي يخشى فيها الكثير مما تقوله القصيدة في مكنونها أو تلافيف صورها، ولغتها المراوغة للإفصاح.
توقفتُ في التقديم عند ميزة السرد التي تميزت بها قصيدة أمجد، فهو من أوائل جيل الحداثة الثالث في قصيدة النثر الذين غامروا باستضافة عناصر سردية في نصوصهم، تتعدى التسميات والحوار، إلى النهل من مجرى النثر، لاستبطان الرموز التراثية، ولصنع قصيدة حكائية لا تترفع عن اليومي والهامشي، والشعبي أحياناً، وتنحو باتجاه خلق إيقاعات داخلية مبتكرة، تعلو بالحس الصوفي مزجاً بالحسّي، وتعلي في حالة أمجد ناصر من الغزل بمعناه المبتذل والعادي، إلى استحضار الجسد وجمالياته وطقوس الصلة به كياناً لا حاجة عابرة.
استشهدت لهذا بنصوص من ديوانه «سرّ من رآكِ» الذي يهب الباحث والقارئ فرصةً أخرى للتعرف على ملفوظ الشاعر، ودلالات نصوصه، ومرجعيات خطابه. فقد هيمنت على رؤية أمجد نداءات ماض ليس زمنياً بقدر دلالته على التجاوز والعبور الزمني إلى الحاضر. وتمثّل ذلك أفضلَ تمثيل قصائدُه الأندلسية، إن صحَّ وصفنا، بدليل الأمكنة الكثيرة والمكررة في نثره وشعره، وحضور شخصية أبي عبدالله الصغير في عدة مناسبات شعرية في نتاجه. لكن الانزياح في «سُرّ من رآكِ» يتناص مع اسم رنّان وعذْب لمدينة سامراء التي يتباهى المؤرخون بمجدها الذهبي.
لكن التحويل يحصل في اعتبار المسرة قادمة من رؤية امرأة يسمو جمالها لمرتبة مرائي (سُرّ من رأى) العباسية أو سامراء. وقد حضر من نصوص الجسد في المختارات عدد لافت. في مقدمته لقصيدته الأشهر «الرائحة تذكّر»، حيث الحواس تعمل متضافرة لإنجاز طقس إيروتيكي، لا يقع في المبتذل والمباشر، بل يقوم بإعلاء الرغبة وتجسيد الحب في صور رائقة، وتداعيات رمزية كثيفة اللغة ومتوترة العبارة بقصَرها وكثافتها، وحدّة دلالاتها، وتعاقب أفعالها. إنه يتعقب الرائحة التي وصفها بأنها «ذاتها في المهمل/ في المتروك/ والمأهول/ بالطيف والهالة».
الحواس كلها في حالة، وصفتُها في التقديم بأنها هياج تعبدي طقسي يتكئ على اللغة فتتوهج. ويكون ثمة تعزيم (عنوان إحدى القصائد) وما يحف بذلك من طقس سحري. وثمة تعويذة لدخول البيت، حيث تنقسم القصيدة إلى ثلاثة مقاطع، يبدأ كل منها بعبارة مأخوذة من المتداول واليومي. مرتبطة بالبيت سكناً للروح والجسد: «خطّي العتبة/ وادخلي البيت»، ثم في المقطع الثاني: «خَطّي العتبة /وادخلي بقدم السّعد». وفي استهلال المقطع الثالث «خَطّي العتبة / وبسملي». لقد منح هذا التدرجُ في الدخول المرأةَ المخاطَبةَ سمةً أليفة واقتراباً فرِحاً، كما يفعل الطفل في لقاء حبيب له. فيدعوها لتدخل بهذا الطقس الشعبي المتمثل في تخطّي عتبة البيت، محصنة بهذه التعويذة البسيطة المتخففة من الإيقاع المتشابك، والمتناغم مع شعبية دلالة التعويذة وأثرها الذي يقرنه الحس الإنساني الأول بالسحر، أو بمفعوله في الآخر تحديداً، عبر المكتوب أو الملفوظ.
وقد حفظ لنا الأدب الرافديني القديم نصوصاً لتعويذات منها ما يقوم بعمل الطبيب في إخراج القشة من العين مثلاً. وقد حللتُ بعضها في كتابي «البئر والعسل»، فوجدت أن ما تتم به ترقية المريض من الشرور أو الحسد أو الإصابات الجارحة وغيرها، هو تعاويذ تدل على الإيمان بنفوذ الكلمة، ووقعها كالحدث الملموس في المخيلة البدئية وفجر الإنسانية، حيث تتوحد فيها اللغة مع موضوعها وتوسعه عن العلاقة بين المكتوب أو الملفوظ، وما يتصل بالجسد من عوارض، وصولاً إلى أنواع من الرقى السحرية، للتأثير في المحبوب وكسبِ محبته، كما في بعض المدونات المتأخرة المستخدمة لهذا الغرض.
لقد صنع أمجد تعويذته داعياً لدخول البيت. تعويذة تستعير من الشعبي ثقة الإنسان بما يعتقد، وتنغيمه الموقّع لكلماته. وتلك كانت من مغامرات أمجد ومجازفاته البنائية والمتكررة في بعض نصوصه.
وقد تؤول أحياناً كما في قصائد الجسدية، بأنها عشق روحي يتعالى ويتصاعد لفناءٍ مخصوص بجسد المحبوب. وفي نص «وردة الدانتيلا البيضاء» في المختارات يعم البياض الساطع بقوة، ويعشي البصر عن أي فهم مقصود لإشهار الرغبة، بل يقوم بتعقب البياض وانعكاسه المتنافر مع لون الليل:
«الليل
القطار الذي تجره ثيران كهلة
المرأة تنشر أبيضها على الغريب
أبيضٌ هو الحليب
أبيضٌ هذا الليل بقلب أسود
أبيضٌ مخاتل..
أبيضُ النوم والندم
أبيضُ الغيم الممطر في المخادع
الأبيض المكين
الذي أخرجَنا سافرين من كل إرث».
هذا اللون الشفيف المحيل للنقاء والولادة والطهر يحضر هنا ويتكرر نورانياً كما في قصائد أخرى، وهو دليل على إمكانية نصوص أمجد ناصر على القيام بفعل إعلاء نفسي تتوحد فيه اللغة والموضوع، والمضمون المقتطَع منه.. وتُشيع هذا الحس النوراني المنشغل بتجسيم البياض، علامةً على نقاء مفقود، نعثر عليه في صور وهياكل ومشاهد يلتقطها الشاعر ويؤثث بها نصوصه.
وفي المناسبة التقديمية الثانية تعاملت مع الحس المكاني لدى أمجد ناصر في عمله «البحث عن أبي عبدالله الصغير ونصوص أخرى» الذي صدر ضمن منشورات (كتاب في جريدة) في أكتوبر 2009. وقد جاء في عنوانه الجانبي أنه (سرد). كانت مقدمتي بعنوان دالّ على محتويات النصوص وهو «مدن أبعد من حلم…وأقرب من قصيدة». حيث وجدت أمجد ناثراً وسارداً حريصاً على تقصي التفاصيل، وكأنها تتمدد من شعره إلى نثره، أو سرده كما أحب أن يسميه. وقفات متفاوتة الطول عند مدن زارها وقرأ فيها شعره، فترسخت معالمها في وجدانه، محفوفة بالذكرى.
وقد ذكرتني بما قرأته لأمجد في كتابه النثري «خبط الأجنحة» 1995 الذي وصفه بأنه «أدبُ رحلة». ثم بإصدار آخر غير بعيد الدلالة عن سابقه هو «تحت أكثر من سماء» عام 2002. يضم المطبوع الورقي الملحق بالصحف ثلاثة نصوص رحلية تحتفي بالمكان والناس فيه. ويقوم أمجد بإسقاط رؤيته ومشاعره وإدراكه على الأمكنة. ويستل أبرز صورها ودلالتها محفوفة بمعايشته لتفاصيلها. وإن كانت رحلته الشعرية طويلة لكندا «أرض القيقب» كما أسماها، إحالة لما اشتهرت به من كثرة أعداد تلك الشجرة التي اتخذ الكنديون ورقتها الملونة شعاراً لهم. تفاصيل مطولة واستطرادات تنم عن شهية السرد لدى أمجد الذي جرّب الكتابة الروائية.
وكانت روايته «هنا الوردة» 2017 تجسيداً لهاجسه السردي. ورغم طول تلك الرحلة مدونة على الورق اختار الرحلة الثانية عنوانا للمطبوع وهي «البحث عن أبي عبدالله الصغير» وهي  زيارة للأندلس وغرناطة وبرشلونة وقرطبة، لم تخل أي منها من الحنين، لا بمعنى الرجوع إلى بكائيات الماضي، أو تمجيد المكان لتلك الذكرى وحسب.
كانت تلك تعويذة لدخول قصيدة أمجد ناصر. وهي بيته الذي سيقيم فيه حياً غير مبالٍ بغيابه، فهي نومة وحسب، كما قال في نص له بلسان أبي عبدالله: «أريد أن أنام خفيفاً إلى الأبد../ أريد أن أبلى هناك / في فجر الهباء الكبير»….

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية