ماذا يحدث في «الجزيرة»؟!
قد لا يهتم كثيرون في عالمنا العربي بتغيير الأمين العام للأمم المتحدة، وقد لا يهمهم أن يعرفوا اسم الأمين العام لجامعة الدول العربية، ولا يشغلهم لو غادر أحمد أبو الغيط، أو مكث غير بعيد، لكنهم يضعون أيديهم على قلوبهم عند أي تغيير داخل الشبكة، ولو لتفاصيل قد لا تهم المشاهد في كثير أو قليل.
فـ«الجزيرة» هي أهم منتج عربي، أهدته قطر للمنطقة، وقد احتفلت قبل أيام بمرور تسعة وعشرين عامًا على إطلاقها في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 1996، فكانت بردًا وسلامًا على المواطن، ولم تكن كذلك بالنسبة لآخرين جعلوا إغلاقها على رأس مطالبهم، وهموا بما لم ينالوا. فليسوا سواء، وهناك من ينتظرون أن يستيقظوا من النوم فيجدوا الأرض وقد ابتلعت «الجزيرة»، حسدًا من عند أنفسهم.
ولأن «الجزيرة» شهدت حركة تغييرات في الآونة الأخيرة، فقد فتحت الباب للقلق من ناحية، وللقيل والقال من ناحية أخرى، فهناك من يخافون من أنها قد تكون غيرت من سياستها، وآخرون من دونهم، لا تعلمونهم الله يعلمهم، يتمنون أن تكون هذه بداية النهاية، كما ودوا أن تفرط المقاومة الفلسطينية في سلاحها، فقد تمنوا أن تسلم قطر سلاحها الفتاك، وكثر المحللون من الجانبين، لدرجة أن مقابلة مطولة أجرتها جريدة «الشرق القطرية» مع المدير العام لـ»الجزيرة» انصبت حول دلالة هذه التغييرات.
وقال الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني، المدير العام الجديد للشبكة، إن التغييرات الإدارية والهيكلية جزء أصيل من تطوير العمل، وعنصر من عناصر الخطط الاستراتيجية لدى أي مؤسسة أو منصة.
فقرات «ضرب الودع»
في الأجواء الطبيعية فإن مثل هذه المقابلات الصحافية هي احتفالية أكثر منها جدية، لكن للضرورة أحكاما، وهناك من اعتبروا هذه التغييرات تحولًا حبًا وكرامة، وآخرون بدت البغضاء من أفواههم. وانطلق المحللون من الجانبين أقرب إلى فقرات ضرب الودع في بعض البرامج التلفزيونية مع بداية العام الجديد، حيث تنشط ليلى عبد اللطيف وأخواتها كبسنت يوسف.
ودائمًا أدعو للتمييز بين صنفين من المحللين، المحلل الذي عمل في الصحافة، حيث المعلومة ضالة الصحافي، والمحلل الأكاديمي الذي يستهلك المعلومة ولا ينتجها.
والصحافي المحلل لا يسلم بصحة المعلومات المتداولة وإن كانت منطقية، والمحلل الباحث يفتقد لأدوات التحقق فيعتمد الظاهر من الأشياء ويذهب لتحليلها بما يتفق مع المنطق، هذا فضلًا عن أن كل من له صفحة على «فيسبوك» يعتبر نفسه صاحب الاختصاص الأصيل في التحليل.
المعلومة هي تعيين مدير عام للشبكة بعد مصطفى سواق المدير العام السابق (الألقاب محفوظة)، فلا بد من أن يكون وراء الأكمة ما وراءها، وإذ تزامن هذا مع التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، وما يتبعه من وجود جديد فرض نفسه على التغطية، فهنا يكون الانطلاق من فرضية صحيحة للقفز في الهواء، فالمعلومة غير مكتملة، وهي أن الشاشة كانت تدار بواسطة غرفة الأخبار، وليس بتوجيه الأستاذ مصطفى سواق، وغرفة الأخبار لم تتعرض لتغيير جوهري، كما بينا في هذه الزاوية من قبل.
وسرعان ما عادت التغطية لمآسي العدوان على غزة، وبرصد الجرائم الإسرائيلية على مدى سنتين من القصف، ودفعت ثمنًا لذلك من لحم الحي، باغتيال عدد من مراسليها واستهداف أسرهم، ورصدت الكاميرا ذلك في عملية الجرد بعد أن سكتت المدافع.
معانا ريال.. معانا ريال
وكل شيخ وله طريقة، وفي السنوات الأخيرة أخذت الجزيرة بسياسة الفقرة الإخبارية، التي تمتد لأربع ساعات، بدأت بالحركة وقوفًا داخل الأستوديو، فإذا كان الواقف محمود مراد، حيث تمدده في الفراغ رأسيًا أضاع هيبة من تقف بجانبه، حتى بدت لي إحدى المذيعات بجواره كفيروز الصغيرة في فيلم «ياسمين»، وهي الطفلة التي كانت تسير مع أنور وجدي وتغني «معانا ريال.. معانا ريال».
وأنا من جيل يقدس موعد نشرة الأخبار، ولست مع هذه الفقرة الممتدة التي تذكرني باليوم المفتوح في التلفزيون المصري في زمن طفولتنا، لكن أمزجة الناس مختلفة، ولولا اختلاف الأذواق لبارت السلع.
وحدث منذ طوفان الأقصى أن تم تثبيت الضيوف فصاروا جزءًا من الشاشة، فيظهر أحدهم مرات عدة في اليوم الواحد، وهذا أمرً ثقيل على المشاهد المحترف، فكنت أهرب إلى «ماسبيرو زمان»، أو إلى التلفزيون «العربي»، وكانت تغطيته لأحداث غزة على المستوى المطلوب، لكن «الجزيرة» ليست مجرد قناة، إنها روح، ولعل كتابًا صدر لكاتب أجنبي حمل عنوان «روح الجزيرة»، ضمن عشرات الكتب التي صدرت عنها في سنوات بثها الأولى، الى جانب عشرات الدراسات الأكاديمية، ومن غربيين انبهروا بالتجربة، ولعل الكتاب الوحيد الذي صدر من داخلها كان لمحمد كريشان «وإليكم التفاصيل»، وقد اشتريته بحر مالي وقرأته.
قيادة الفضائيات وتحديد الأجندة
ومع الأيام تبين أن فكرة تغير السياسة غير صحيحة، وهي تعني في أذهان المشاهدين الموقف من غزة، فلا تزال هي الخبر الأثير الذي يحظى بتغطية واسعة، مع الأحداث المرعبة التي يتعرض لها الشعب السوداني، وحسنًا أن وقف إطلاق النار لا يزال صامدًا إلا من بعض العدوان الإسرائيلي، لتركز «الجزيرة» على الحدث السوداني، وهي التي تحدد «أجندة» القنوات التلفزيونية الإخبارية، فإذا اهتمت بغزة كانت معها، وإذا اهتمت بالسودان سيتبعونها حتمًا، مع الخلاف في التغطية حسب التوجه السياسي للقناة، فـ»العربية» مثلًا هي الاتجاه المعاكس.
وهي أمور تثبت قيمة «الجزيرة»، ولهذا كانت أهم منتج عربي في النصف قرن الأخير، وهذا شغل الناس بها، وكانت الريبة طبيعية في بدايتها، فهل يمكن أن يقدم نظام حكم عربي على مشروع مثلها، إلا ويكون خلفه «إن»، وربما «إن وأخواتها»، ثم استمرت الريبة حد تصور أنها لن تستمر، وفي جانب من هذا هو أننا شعوب مسكونة بالحزن بطبيعتها، ومن الطبيعي أن يكون هذا الاهتمام الواسع بكل شيء يخص القناة القطرية، وقد تحولت من هرم يتمثل في الشاشة العربية، إلى عدة أهرامات، ومن «الجزيرة الإنجليزية» إلى «الجزيرة مباشر»، بجانب هرم عمره الآن ربع قرن هو «الجزيرة نت»، وصل متابعوه إلى أرقام فلكية، ورغم أنه تحت الحجب، إلا أنه نجح في اختراق المشهد المصري وأثبت حضوره هناك بواسطة تطبيقات كسر الحجب.
المؤثرون فتنة هذه الأيام
وهناك من يعيشون على أهمية الجزيرة، فحتى مواقع الأخبار الكاذبة تتفنن في فبركة أخبار من نوعية طرد هذه المذيعة أو تلك، أو إنهاء عمل هذا المذيع أو ذاك، فتحصد قراءات بمئات الآلاف. وبالمناسبة، هل يمكن أن يطلق على هؤلاء «المؤثرون»؛ فتنة هذه الأيام؟! لقد شاهدت فيديو استفدت منه وهو عن الطريقة الصحيحة لوضع الكيس في سلة القمامة، ووجدت أن أعداد من شاهدوه على منصة واحدة تجاوزوا الخمسة ملايين، فهل تدخل صاحبة الفيديو ضمن المؤثرين العظام؟!
ربما منصات «الجزيرة» وحدها التي تجد حرجًا في استثمار نجومها في تحقيق قفزات كبيرة من المشاهدات، والتعامل يكون بحساسية شديدة، وقد رأينا الاهتمام بفيديوهات أحمد منصور في إحدى المنصات الرقمية، وحصلت مقابلة فيصل القاسم في إحدى المنصات على عدة ملايين من المشاهدين.
من قبل كان موقع «الجزيرة نت» يقدم بابًا للتعريف بنجوم القناة، وكنت أعتمده مرجعًا في ما يخص هذا المذيع أو هذه المذيعة منذ أن بدأت الكتابة في هذه الزاوية في عام 2003، وكان بعض القراء يعتقد أننا زملاء دراسة، أو جمعنا معسكر تجنيد واحد، ولم يكونوا يعرفون سر الصنعة، إلى أن حذفت «الجزيرة نت» زاوية التعريف، وقد راعني في بدايتها أن المذيعات كن ينشرن تواريخ ميلادهن، ومع الوقت بدأ حذفها، وهذا مفهوم ومقدر.
وهذا ليس موضوعنا، فما يعنينا أن هذا الاهتمام بأي شاردة أو واردة داخلها ليس من فراغ، والفراغ في أن قنوات كثيرة لو أغلقت فلن يشعر بإغلاقها إنس ولا جان.
لا أحد يتخلى عن سلاحه، لا سيما إذا كان هذا السلاح مدفعية ثقيلة بوزن «الجزيرة».
صحافي من مصر