تغمرني الطمأنينة أحياناً، عندما أطالع مبدعاً عربياً ما زال قابضاً على جمر هويته، مدافعاً ومنافحاً عن قضايا وطنه، غير مبالٍ بأولئك الذين يبتعدون عن مقاربة الأحداث الكبرى التي تدور على مرأى ومسمع من العالم أجمع، أو عن التوقف قليلاً عند الأزمات التاريخية التي نعانيها، والهزائم الفادحة التي نتجرعها يومياً.
بالطبع، لا أعني المناضلين الذين يجهزون على نصوصهم بالركاكة والمباشرة والكتابة الرديئة المفتقرة إلى أصول الفن وجماليات الأدب، وإنما أعني أولئك الموهوبين الذين يحفظون للكتابة قيمتها وتساميها، وجوهرها النقي بوصفها أداة خطيرة الشأن للتعبير، يجب التعامل معها بحساسية فائقة عند الاقتراب من هذه القضايا. فالإبداع الجيد يحاور التاريخ، عاكساً تغييراته المفصلية، ولا يتوقف عن النقد مهما كانت القيود، كاشفاً الأخطاء، ومتخذاً من الإبداع وسيلة للكشف والتنوير.
أتحدث هنا عن كتابةٍ تُحتضر، يستنكفها الكثيرون ساخرين، مفضلين البحث عن طيور الوهم المختفية وراء الغيوم والضباب، عن نوعٍ من الكتابة يتناقص على نحوٍ لافتٍ في زمنٍ يُحرَّم فيه الصمت، الذي يُعدُّ من خطايا الثقافة العربية المعاصرة المبتعدة عن الهموم القومية والحقيقية.
لا وصاية هنا، غير أن الأدب العربي في المقابل لم ينتج لنا جيمس جويس أو خورخي لويس بورخيس أو مارسيل بروست، أولئك المبدعين الذين شقوا طرقاً بعيدة عن السياسي والواقعي، وتمردوا على الكتابة الكلاسيكية الرتيبة، فكانت ثوريتهم الحقيقية في تغيير شكل الكتابة نفسها، وفتح مسارات أخرى بدت كأنها انقلابات هزَّت بشدة التقاليد الجامدة والموروثة.
في النهاية، لا يجب التعويل على ماذا يقول الكاتب، بقدر ما يجب الالتفات إلى كيف يقول.
ربما كانت هذه الاهتمامات هي ما جذبني إلى عمل أحد المبدعين الموهوبين، من بلدٍ أضاءه الشعراء الكبار على مرِّ العصور، وهو الشاعر العراقي عامر الطيب وديوانه الموسوم «قصائد الثلاثاء الفائت من كل عام»، الذي يمثل انعطافة جديدة في مسيرته، ونضوجاً شعرياً تحوَّل من خلاله عن الذاتي المحض، شديد الفردانية والانعزال، إلى التماهي مع الجماعة، جاعلاً من تاريخه الشخصي محوراً درامياً تلتقي على أرضيته سيرة العراق الحديث كما يتقصاها فتى من مواليد تسعينيات القرن المنصرم، تفتحت عيناه على الحرب التي جعلت وطنه ميدان رماية مستباحاً للجميع، وعلى الدمار والاحتلال والطائفية البغيضة.
يبدأ الشاعر بالعنوان، الذي ينمُّ عن نوايا جمالية واضحة، تحدد منذ اللحظة الأولى موقفه من الزمن، باعتباره عنصراً أساسياً في تجربته، لا تفصيلاً شكلياً يبرر عناصر غامضة أو غير موجودة.
إنه يقسم القصائد إلى وحدات صغيرة تتداعى زمنياً بواسطة التكرار والإلحاح على ثيمةٍ محورية. ولا بدَّ لنا هنا من العودة إلى إشارة الشاعر التفسيرية التي وضعها في المقدمة، كي يرفع الالتباس عن هذا العنوان المراوغ:
«ولدتُ يوم الثلاثاء، هذا ما قالته لي والدتي على الأقل. وبعد التثبّت من صحة قولها تبيّن أن ولادتي كانت يوم الأربعاء لكني سأستخدم تاريخ أمي عند الإشارة، التاريخ الرسمي مقيد دون تلاعب مقصود أما تاريخنا الحقيقي فهو ما تكتبه لنا أمهاتنا».
بيانٌ شعري يقوم على مفارقةٍ بين تاريخين مختلفين: تاريخٍ رسميٍّ مدوَّن في الوثائق بيوم الأربعاء، وتاريخٍ أموميٍّ مرويٍّ من قِبَل الأم بيوم الثلاثاء. يؤكد الشاعر أنه يفضِّل رواية الأم، والذاكرة الشخصية التي تُعلن انتماءه إلى الزمن الإنساني، في انحيازٍ واضحٍ إلى الحكاية لا إلى الحقيقة، كأننا إزاء ولادة وعيٍ شعريٍّ في المقام الأول.
يخرج الشاعر بعد ذلك من الشخصي، ليتأمل العالم بصلابةٍ ووضوح، في محاولةٍ للعثور على زمنه الضائع وانتشاله من عدم الرضا؛ فلا شيء حوله تكتنفه الأسرار، فهو لا يوثِّق ما حدث، بل يعيد كتابته من جديد عبر التخييل.
يقول في الفقرة الثانية من قصيدة «أقرأ لك الممحو من قصائدي أيضاً».
«أنبش جسد العراف وهو نائم
لأعرف أين يخبئ الحيلة
التي يخبرنا عبرها عمّا سيحدث لنا..
أريد أن أزوّد الجميع
بما سيلاقونه دون منّة
أريد أن أريح نفسي من التفكير بشؤون
بلادي وبشؤونك أنت
يخيل لي أن حياتك كانت ستستمر سعيدة
لو لم يفزّ العراف
من النوم».
ينسحب الفردي أمام الجماعي، من خلال ربط مصير الوطن بمصير الآخر، عبر سلسلةٍ من الثنائيات التي تُنتِج المعنى، وتتصارع على امتلاك الحقيقة، فتفضح المعرفة الزائفة للعراف، وتصوّره كواجهةٍ سلطويةٍ تمنح الناس وهماً بمعرفة الغيب، بينما هو المتحكم في مستقبلهم، المسيطر على ذواتهم المنهكة بواسطة الخرافة.
وفي المقطع الأول من قصيدة «عزاء إنساني لأي أحد» يستدعي الشاعر الحرب وذكرياتها المؤلمة، كشيءٍ معتادٍ ومألوف في حياته:
«المدافع تدوي خارج
البلدة لكن أصواتها تشغلنا
عن موتنا الطبيعي، عن فراخنا التي لم نطعمها،
عن شجارنا صباح هذا اليوم..
ضربات قوية دون أي لطف
وموت خفي
يبقيني منحنياً أنبش التراب
منحنياً حتى من دون
العثور على الذهب».
يتجلّى هنا تضادٌّ ما بين الحياة اليومية والحرب، إذ تتجاوز الحياة عناصر الفناء، حتى وإن كانت الخلفية مغمورة بدوي المدافع، فالعنف الخارجي يفرض نفسه على الداخل، لا بوصفه حدثاً استثنائياً، بل حالة وجودية تلقي بظلالها الكئيبة على المشهد. إنها أصوات الموت التي لا تشغلنا عن موتنا الطبيعي، ولا عن تفاصيل حياتنا الصغيرة كإطعام فراخنا، بما يؤكد حضور العادي وسط الفواجع، في محاولةٍ للنجاة من العبث ومواصلة الحياة بنوعٍ من الاعتياد، يصل أحياناً حدّ التبلّد.
إرهاصاتُ الخوف والتردد تمتثل لتلك المشاعر الإنسانية الطبيعية، كما في قصيدة «من أجل التغلب على المجاز»:
«البارحة بدت الأرضُ
كخوذةٍ تهتزُّ بذراعٍ خائبةٍ ومجهولة، جسورٌ تملأ الأفق
حدّ أن المرء
يتغلّب بيأسه من وجود أنهارٍ
على خوفه من أن يقع».
ربما هي محاولة لتجاوز المجاز بالمجاز نفسه، فلا عبور للحقيقة إلا من خلال الوعي بالواقع، بوصفه الطريق المثالي إلى المعنى، فالأرضُ علامةٌ على الثبات، لكنها عند اهتزازها تفقد استقرارها، وتتحول من رمزٍ للأمان إلى رمزٍ للقلق، بينما مفردات، مثل: خوذة تهتز، وذراع خائبة، وجسور تملأ الأفق، كلها تعمِّق الشعور بالتيه واللاجدوى.
على هذا النحو يحاول عامر الطيب في هذا العمل الشعري صناعة تقويمٍ شخصي للذاكرة، لا يُقاس بالأيام والشهور، بل باللحظات التي تنبعث من الألم، فكل قصيدة هي استعادةٌ للحظةِ ذاتها، وكأن الزمن يتحرك حول نفسه.
فهو لا يكتب عن الحرب، بل من داخلها، لا يصف الدمار بقدر ما يصف أثره في الذاكرة. الحرب في قصائده ليست مشاهد بصرية، لكنها تصل إلينا من خلال صوت الإيقاع الداخلي لانكسار الزمن.
«الأنا» في القصيدة ليست ذاتاً فردية تماماً، بل هي أقرب إلى الصوت الجماعي، صوت جيلٍ يعيش تكرار الفقد والانتظار وتكرار الثلاثاء ذاته. إنه انتقالٌ من الانفعال إلى التأمل، يعيد ترتيب العاطفة لتصبح تفكيراً في الألم، بدلاً من الصراخ به.
ويبدو ذلك بجلاءٍ وهو يحاور الموت بهدوء، معتبراً القبور قصوراً تليق بالموتى، في قصيدة «دجلة تترصّد النجوم بحذر مياه الينابيع»:
«في المقبرة إذ يبدو من الصعب
إدخال زجاجة خمر
أو تشغيل موسيقى الجاز.
الموتى لا يُصغون
لكن أهلهم يودّون الحفاظ على دماثة موتهم.
هناك أذكر أن كانت الشمس
تصفع الأزهار على قبر ميتٍ بقوة
لألمحَ أزهاركِ التي تتفتح فوق قبور الغرباء».
النص يقوم على جدلية الحياة داخل الموت، فنحن لسنا بصدد مرثية، بقدر ما هي محاولة لتأمل الجمال الممكن داخل الفقد؛ نأيٌ عن الشعور الجنائزي، واعتبار المقبرة فضاءً جمالياً تتصالح فيه الشمس والأزهار، ويصبح الحب هو العنصر الأخير لمقاومة الفناء.
فهو يعمل على كسر النمط السائد في التعبير عن الفقد، لا يخاطب الموتى، بل يخاطب الوعي الجماعي الذي يفرض شكلاً محدداً للحزن.
في تكتيكٍ يعتمد على اللعب وحرية التجريب، بدأ الشاعر بتنويهٍ يوضح فيه أن الكتاب يبدأ من اليوم الأخير إلى اليوم الأول لأسبابٍ غامضة، ليصيب القارئ بالبلبلة والتوتر الفعّال، معلناً أن هذا الديوان جاء في غير أوانه، لأنه غالباً ما يؤلف القصائد في الأوقات التي يبدو فيها محتاجاً لتأليف مسرحيات فحسب.
لاعباً على التنظيم الهندسي وسيمترية النصوص، حيث يندرج تحت كل عنوان عشرة نصوص تامة لا تزيد ولا تنقص، في لعبةٍ شكليةٍ بارعة أضافت إلى المظهر الجمالي للنصوص.
ويغلق المجموعة بقصيدةٍ من فقرة واحدة في هذه المرة، «قبل أن تعيد الكتاب إلى موطنه الأصلي»، يقول فيها:
«في يوم الثلاثاء، الثالث والعشرين من شهر مايو يغلق المحقق الملف متوصلاً إلى نتائج غير مرضية، إذ لم يتأكد من تاريخ الولادة لأن شهادة الميلاد لا تفي بالغرض.
الجريمة بكاملها لم تكن سوى أحجية،
الولادة أيضاً هي الأخرى كانت لعبة اختباء،
يوم الثلاثاء يشارف على النهاية لكن ما جدوى ذلك إذ سيعود مجدداً بكثافةٍ مريرةٍ في شهرٍ آخر..
ما الجدوى إذا كانت ولادتي هي ما ينبغي إخفاؤها عبر الصراخ؟»
كأنه يعيد تفكيك مفهوم البداية والنهاية، وإعادة كتابة الحياة أو الذاكرة بطريقةٍ عكسية، وكأن الكتابة لا تبدأ من لحظة الولادة، بل من لحظة الوعي بالموت.
فهذا شاعر لا يسعى إلى معنى محدد، لكنه في النهاية، وفي عمق قصائده، يسعى إلى كشف هشاشة المعنى.
انظر إلى كلماته الأخيرة:
«ما الجدوى إذا كانت الحكمة نادرة والمجد الشخصي متاحاً للجميع؟
الألم يختفي عند الإشارة له والحكايات المريرة لا تساعد إنساناً خائباً على المضي قدماً؟
ما الجدوى أخيراً إذا كان شعري يتحسن وصحتي تسوء؟»
عامر الطيب:
«قصائد الثلاثاء الفائت من كل عام»
مرفأ للثقافة والنشر، بيروت 2024
91 صفحة.