في إشكالية المعنى وتساؤلات القراءة

حاتم الصكَر
حجم الخط
0

لا تزال تدور حول المعنى جلّ الخلافات بين الاتجاهات في الكتابة، والكتابة الشعرية بوجه خاص. وكانت مشكلة المعنى من المشتركات الجمالية في تلقي الفنون البصرية أيضاً، حيث يشكو الفنانون من تساؤلات مشاهدي أعمالهم عن معنى محدد في تفاصيل العمل أو دلالته الكلية. وهو من هموم التلقي في الفنون الأخرى والكتابة الأدبية في السرد وسواه، لكنها تبدو بحدة في النصوص الشعرية بسبب نظمها الخاص والمستويات المتعددة في تحليها وقراءتها وتأويلها.
لكن ما المعنى؟ وأين يكمن بالتحديد: في النص، أم في قراءته؟
وهل ثمة معنى نهائي واحد للنص أو العبارة؟ أم أن ثمة تعدداً وإمكانات متاحة تستخلصها مقدرة القارئ، وفهمه وتأويله للملفوظ؟
إن اللغة ذاتها لا تقدم بطاقات معنى جاهزة. حتى القواميس ما هي إلا مدونات للّغة تم سبكها لبيان اسم للشيء، وحفظاً لجذره التداولي. أما الكلام فهو الذي يهيئ عملية كشف الدلالات المتكونة من سلسلة المعاني، ما ظهر منها أو تناثر في ثنايا النص وطياّته غير المرئية، والتي تتولد عبر السياق، والتعرف على تلك الإمكانات المعنوية وترابطها المؤدي للدلالة الكلية.
لقد اختصر رامبو في رسالة الرائي تصوره حول عدم اكتمال اللغة، أو انغلاق مفرداتها ومعانيها بالضرورة فقال: «ليس باستطاعة أحد، عدا أكاديمي ـ أكثر موتاً من حيوان متحجر ـ أن ينجز قاموساً مكتملاً لأي لغة كانت». لم يكن نقاشه ذاك مع الأكاديميين، بل مع من يرى أن المعنى واحد ونهائي، ومن ينكر تعددية المعاني أو انفتاحها على الدلالات، وتنوع القراء، وأزمنة القراءة. فالاكتمال في اللغة يعني موتها في الحقيقة. من هنا يكون دفاعنا عن تلك التعددية في المعنى وفي التأويل، وذلك يقود إلى تنشيط القراءة. فالكلمات لا تحتفظ بمعانيها عبر الزمن. ولدى اللغويين والمختصين والكتاب والقراء أيضاً، أدلة كثيرة في لغتنا العربية ذاتها. فثمة باب مهم فيها للتبدلات الدلالية وتوسيع المعاني وتعددها، وانتقالها من مستوى إلى آخر. ويورد اللغويون كلمات مثل الكرم والشرف وما حصل لهما من تطور دلالي من المعنى الأول الذي صيغت له كل كلمة.
ولعل الأرجح في موضوع المعنى، هو الرأي القائل إن مشكلة البحث عن المعاني وتعددها هو مشكلة قراءة أو موضوع تلق للنص، وليس متعلقاً بالنص الذي يضع المفردات والتراكيب في سياق خاص، لا سيما في الكلام الشعري والأدبي عامة. فهو يتوخى استخدام المفردة سياقياً. ويكون التغير الدلالي مقروناً بما تسمح به تلك المعاني من خلال تشكل أبنيتها. فليس المعنى كامناً بالضرورة في الجملة النحوية، التي اشترط النحاة واللغويون أن تفيد معنى، وهم يرومون بالضرورة أن يكون المعنى واحداً. فاللغة مكتملة في ظنهم، ولا تحتمل تلك التوسيعات المقترنة بالصور والأخيلة والعواطف.
ومن هنا نشأت قضية المعنى في أغلب اللغات والآداب. في الهوة بين القراءة التي تعطي المعاني وتعيد تشكيل الدلالات، وبين الصياغة التي يتوخى فيها الكاتب والشاعر أن تنطوي على معنى يقصده.
ولهذا اشترط النقاد القدامى في حد الشعر أن يفيد معنى ما. وجرى تهميش نظريات الألفاظ المترابطة كمحور للنص الشعري، وتم تصويرها بأنها بحث عن رنين صوتي وأشكال خارجية، وأنها لا تتوخى تقديم النص كبنية معنوية في المقام الأول.
وسيفيدنا في هذه المرحلة أن نستذكر ما ردده النقاد التقليديون مثل ابن قتيبة وقدامة والباقلاني حول ما أسموه الشعر الذي تحسن ألفاظه دون فائدة في المعنى. أو بعبارة موجزة: إنه شعر تحلو ألفاظه وتقلّ فوائده؛ لأنهم لم يضعوا أيديهم على معنى محدد واحد مكتمل يبتغونه من الشعر في جزئيات أبياته. لكن ناقداً واحداً متقدماً في تحليلاته وتشخيصاته هو عبد القاهر الجرجاني ردَّ تلك التوصيفات، ودافع عن النظم الذي يجعل النص موضوع قراءة لا مستودع معانٍ، وصفها الجاحظ بأنها أي المعاني، مطروحة في الطريق، ويسند للجميع مقدرة التعرف عليها وإدراكها: أعجميهم وعربيهم، بدويهم وحضريهم. وإنما العبرة عنده بإقامة الوزن وتخير اللفظ وجودة السبك، من بين أمور جمالية أخرى تتصل بالنظم. يذهب الجرجاني في تحليل أبيات كثير عزة الثلاثة: ولما بلغنا من منى كل حاجة….إلى توخي ما فيها من دقة اختيار الشاعر لألفاظه، وارتباطها ببعضها وتلاحم  أجزاء النظم. ويورد الأبيات في كتابيه «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»، ويبين ما في نظمها من جماليات لا تبين لقارئ يبحث عن معنى جاهز وقر في مخيلته ووعيه. ويتوقف عند تراكيب بعينها ليؤكد إمكان التميز والتجويد في الصياغة الشعرية حتى مع ابتعاد المعنى عن متناول القارئ. فيستحسن قول الشاعر «أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا» و«سالت بأعناق المطي الأباطح». فهي عنده أكثر جمالاً ووقْعاً من القول «أخذنا بالأحاديث» و«سالت بالمطي الأباطح».
والجرجاني لا يهتم باللفظ بطريقة النقاد اللفظيين التقليديين، واهتمامهم بالكلمة المفردة لذاتها، وما تهب للقراءة من معنى يتحد مع سواه لإنتاج معنى كلي يخدم غرض الشاعر من النظم ومقصده الذي يريد، لكنه يؤكد ترابط الألفاظ والتراكيب لتقديم ما يعوض عن المعنى المنكشف المباشر ويسميه المعنى الأول. ويدع للقارئ مهمة التوغل في النص لاستكشاف ما غمض من مقاصده. لا سيما وهو يدافع عن الغموض الذي يشرك المتلقي في تعقّب الدلالات. ويحثه على البحث عن المعاني الثواني التي تكون عادة غير منظورة وتوجد في طيات الألفاظ لا ظاهرها. ويشرح المراد من رؤيته للمعنى بالقول: «نعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة. وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر».
لقد تدرج التعرف لدى القارئ من المعنى الأول القريب الذي تحفظه المعاجم، ويتداوله الناس في تعاملهم، إلى المعنى المشروط بالقراءة. وإذ يقوم الجرجاني بنقل المهمة المعنوية العميقة للقراءة، فإنه يقترح ضمناً أن تكون المعاني متفاوتة ومتعددة. ولا بد في تلك العملية من توفر غموض شفيف يسمح للقارئ بالمشاركة في بناء الدلالة، وذلك يضيف للقراءة متعة ذاتية ولذة خاصة. ويلمس في هذه النقطة ملمحاً جمالياً ستكشفه الدراسات الجمالية لاحقاً، حين يشبه عناء القارئ في استكشاف المعاني بالغوّاص الذي تزداد بهجته حين يبذل جهداً في اكتشاف الدرر في أصدافها. ويكافئ الشعراء بالتنويه بجهدهم الذي يتوجب على القارئ أن يبذل ما يعادله، كي يصل إلى المراد من العبارة.
والوصول إلى المعاني الثواني أمر مرهون بالقراءة، كما هو واضح. وذلك يعني خلو النص بكيفيته المعروضة للقراءة من معنى جاهز ومستقر. ما يوجب البحث عن المعنى في مكان آخر، تجد القراءة وحدها الطريق إليه.
وهذا ما جعل النقاد المحدثين يتكلمون عن المعنى بكونه حزمة دلالية. فتقترح جوليا كريستيفا عند قراءة نص مالارميه «ضربة نرد» ما تسميه التحليل الدلائلي. وهو نشاط سيميائي يتعدى أبنية النصوص الأدبية، ليشمل النصوص الدينية والسياسية والأسطورية. والغرض من هذا التحليل هو الإحاطة بإشكالية تكوّن المعنى وتوليده.
وهي إشكالية تغفلها القراءات المتعجلة والمحتكمة إلى تعريفات تقليدية للشعر، وكونه نظماً يتعزز بالمعنى، ولا يوجد بدونه، متقدماً بذلك على النظم أو الشعرية الخاصة بالنوع. وكذلك إمكانات الشاعر الخاصة بتوليد الدلالات، وجعلها كلية تتصل بالنص ذاته.
وتدلل نصوص الحداثة الشعرية على ذلك. فأحياناً لا نستطيع أن نستدل على وجهة دلالية تحفز عليها القراءة إلا بهدي العنوان مثلاً. وهذا ما يجعل للدلالة الموضعية والسياق بأنواعه داخلياً وخارجياً، أهمية في عملية القراءة وتوليد الدلالات المتنوعة.
وفي تحليل النصوص عملياً وبيداغوجياً نعثر على أمثلة تعزز تلك القناعة. حيث كنت أحلل نصاً لا يسمي شاعره الموت ولا يضعه عنواناً، بل يذهب للتمثيل لمساءلة حركة القطار الذي لا نعرف من ينزل منه أو يصعد إليه، وأين أو متى تنهي الرحلة. لكن القطار لم يخلق دلالة كافية لدى أغلب المتلقين، لخلو البيئة من ملموس صوري مساوٍ له، لعدم معرفته واستخدامه. فظلت الإحالة المرجعية ناقصة، وخذلت الوصول بالقراءة من لدن أغلب الطلبة  إلى الدلالة المرادة.
ولهذا أحسست أن المترجم محمد العرابي قد أحسن صنعاً حين وضع للكتاب الذي ترجم فيه عدة دراسات حول تلك الإشكالية عنوانا دالاً هو «هل يكون الغموض في المعنى؟». ومنه تلك الدراسة التي كتبتها كريستيفا واستشهدتُ بها هنا. واستوقفني تساؤله في تقديم الكتاب عن العناصر التي تؤدي إلى الالتباس في قراءة النص. أتكون بسبب المعنى أم في آلية إنتاجه؟
نستخلص من هذه الوقفة أن المعنى ظل سؤالاً فنياً وجمالياً في حُقب متفاوتة الزمن، وكتّاب متباعدي المكان. ولا شك أنه يسكن في وعي القراء، ويتسيد عملية القراءة في أزمنتها المتفاوتة وأمكنتها المتباعدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية