قبل أن يُقام حفل افتتاح المتحف المصري الكبير في اليوم الأول من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2025 ظلت وسائل التواصل الاجتماعي تنشر أخباراً ترويجية وتتكهن بحضور شخصيات وترسم من الخيال شكلاً خاصاً للاحتفال الفرعوني، وفي سياق الكتابات التي أغرقت جميع الصفحات الرسمية وغير الرسمية، احتدم الخلاف بين فريقين على التسمية الصحيحة لحضارة السبعة آلاف سنة.. هل هي حضارة مصر القديمة أم حضارة فرعونية وفق التسمية الشائعة؟
وبلغ الخلاف والاختلاف على هذه الجزئية مداه إلى أن تغيرت لغة الحوار بتكهنات جديدة حول اختيار شريهان لتقديم حفل الافتتاح كونها تتمتع بشعبية كبيرة ولها حضور قوي أمام الكاميرات، وبناء عليه تعالت الصيحات ما بين الرفض والقبول، حيث رأى البعض أن هناك من هو أولى من شريهان بتقديم الحفل، فليست الشهرة وحدها مقياساً للاختيار والاختبار الصعب في مواجهة حشود عالمية من كل الأطياف، الثقافية والسياسية والدبلوماسية والآثارية، فالتصدي لهذه المهمة لا يُشبه وصلة استعراضية برعت شريهان في تقديمها إبان شبابها وتألقها، ومن ثم فتعرضها لتجربة من هذا النوع ليس في صالحها بالطبع وفق الرأي العام لمجموعة الرافضين والمُتحفظين.
وبفضل الحديث عن الأفضل والأنسب لتقديم حفل افتتاح المتحف المصري الكبير، قفزت إلى الأذهان صورة وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني وبدأ اسمه يتردد بقوة كشخصية مُرحب بها من أغلبية المُثقفين وعنواناً لائقاً لافتتاح المشروع الذي خطط له وكان أول المُتحمسين لتنفيذه، وتصاعدت نبرة المُطالبة بدعوته لحضور الحفل البهيج ليكون بين المدعوين الكبار من رجالات مصر البارزين وضيوف العالم المُهمين.
وفي اليوم المُحدد توافد الحضور من كل الأنحاء، وجاءت المراسم الاحتفالية الكرنفالية مُغايرة شكلاً وموضوعاً لما تم التنبؤ به من جمهور الفيسبوك والمنصات الإلكترونية، فقد حضر وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني بالفعل ولكنه لم يُقدم الحفل، وإنما اكتفى بتسجيل كلمة مُوجزة أذيعت قبل بداية الحفل كمقدمة إستشرافية للمُناسبة والأجواء، أعرب خلالها عن سعادته بالحدث العظيم الذي طالما تمنى تحقيقه لما له من أهمية قصوى في دعم السياحة المصرية وتعزيز مكانة مصرية الأثرية والتاريخية. وبرغم قصر الكلمة إلا أنها كانت بليغة ومُتميزة، ومثله جاء دور الدكتور العلامة مجدي يعقوب الذي أدلى بشهادة مُعتبرة في كلمة مُسجلة أيضاً أذيعت في مُعظم القنوات والفضائيات والنوافذ الإعلامية العربية والإقليمية والدولية، حيا خلالها الحضور وأبدى تأييده للفكرة وفخره العظيم بالحدث الحضاري الكبير.
وبعد طول انتظار ظهرت الفنانة شريهان ظهوراً خاطفاً كنجمة كبيرة تُمثل إطلالتها العابرة لفته مؤثرة، كأنها تكتفي بالحضور الشخصي وإلقاء التحية على الضيوف بتلويحة من يدها للدلالة على سعادتها بالعودة مُجدداً للأضواء عبر فرصة تاريخية هي الأجدر بالاقتناص والمُشاركة ولو لدقائق معدودة، حيث الظهور في حد ذاته هو محض تأييد وتضامن ويُمثل فرحة غامرة بالإعداد الهائل للحفل وشكل الاستعراضات بالأزياء المصرية القديمة الدالة على عمق الحضارة ورسوخها عبر الأزمنة والقرون. وفيما يخص التشكُل والإبهار على المسرح، فقد طغت الصورة الفنية الإبداعية للإنسان المصري القديم بزيه الشهير ومُقتنياته الفريدة على المشــهد الاحتفـــالي كله، في دلالة واضحة على اعتناء المُبدع المصري باني الحضارة القديمة بالموسيقى والغناء وآلات العزف الوترية وآلات النفخ ذات الأصوات القوية.
وبالطبع كانت المُحاكاة في هذا المقام ضرورية وحتمية، حيث اصطفت الفرقة الموسيقية والمُغنون الأوبراليون اصطفافاً مُعيناً وهم يرتدون ملابس القُدماء المصريين ويؤدون أدائهم المُبهر عزفاً وغناءً بتمكن واقتدار وإحساس مُفعم بالحماس والصدق ودقة اللحظة التاريخية التي يجسدونها بفنهم وإبداعهم أمام جمهور الحاضرين من خاصة الخاصة ذوي المكانة والشأن من كل بلدان العالم.
وبفضل الإتقان وحُسن الأداء تراجعت بين عشية وضحاها عبارات النقد اللاذع من صفحات التواصل الاجتماعي، ليحل محلها صور الاحتفال ومقاطع موسيقية ومعزوفات ذات طابع مهيب ولغة فارقة للتعبير تتجاوز حدود الثقافات الجغرافية ومضامينها المُختلفة.
فالموسيقى هي اللغة الروحية الموحدة بين شعوب العالم، لا فرق فيها بين عربي وأعجمي فهي تُخاطب الوجدان أكثر ما تُخاطب العقول ولها تأثير سحري يفوق تأثير الكُتب والدوريات والخطابات والمُهاتفات وكل أشكال التواصل، لذا فهي كما يُقال لغة عالمية بامتياز.
لقد نجح الحفل في تقديم الصورة الحقيقية للمصري القديم، وحسب اللغة الدارجة صورة الفراعنة بُناة الأهرامات وأبو الهول، وقد كشفت مُقتنيات المتحف الكبير عن الكنز الثمين المُتمثل في مومياء أصغر ملوك مصر «توت عنخ أمون» والذي لا تزال سيرته وحياته ووفاته، برغم الدراسات المُستفيضة لغزاً مُحيراً.
ولاشك في أن المسلة الفرعونية التي وضعت في بهو المتحف كعلامة للحضارة المصرية وتمثال رمسيس الثاني بشموخه وارتفاعه المُعجز الهائل، قد مثلا معاً نقطة ارتكاز قوية في برنامج الدعاية السياحية التي من المتوقع أن تؤتي ثمارها في القريب العاجل.