في اكتساب ورقات الضغط

■ بنيت العلاقات الدولية بالأساس على المنافسة والصراع على مناطق النفوذ، والسعي إلى الهيمنة على القرار وتحجيم الخصوم، ولا يتعلق الأمر بمدينة فاضلة يسعى أطرافها إلى السمو الروحي إلى عالم المثل والتعاون من أجل المصلحة المشتركة. وهو ما يؤكده الواقع المعيش الذي تخفت فيه الأصوات المحبة للخير والسلام وتطفو على سطحه أرواح شريرة باحثة عن سحق الإنسان لأخيه الإنسان، على حد تعبير الفيلسوف البريطاني توماس هوبز.
ولا يتعلق الأمر بصراع حضارات بين أمم متضادة ثقافيا وعرقيا بالضرورة، بل أن أطرافا تنتمي إلى الفضاء الجغرافي ذاته وتتشابه تركيبتها العرقية، تتنافس فيما بينها عوض أن تتعاون، ويسحق الشقيق فيها شقيقه من أجل لقمة العيش، وباستعمال أساليب فيها من القذارة الشيء الكثير. ولعل ما يدور في منطقتينا العربية والمغاربية هو أصدق مثال على هذا الطرح، إذ يستغل الشقيق مآسي شقيقه ليلهف مستثمريه وزبائنه في المواد المنجمية وزواره القادمين من مختلف الأصقاع، ويستهدف قدرته على الجذب، من خلال تشويهه في مختلف المنابر المتاحة محليا وخارجيا، من خلال لوبيات كد واجتهد لسنوات من أجل تسخيرها لخدمته. وتتخذ المنافسة وعملية التحجيم أشكالا متعددة قد تصل أحيانا إلى التدخل العسكري المباشر، واحتلال الشقيق لشقيقه والجار لجاره وذي القربى لقريبه، ويصبح الصراع مكشوفا وخاليا من القفازات ولغة الدبلوماسية الناعمتين. كما قد تتخذ المنافسة شكل عقوبات اقتصادية أو مؤامرات ودسائس تهدف إلى زعزعة الاستقرار في هذه الدولة أو تلك، وتنشط الأجهزة السرية والمخابراتية في هذا الإطار وتلعب دورا بارزا.
وعلى الدول المستهدفة، ومنها تونس، أن تسعى لدرء المخاطر عن نفسها بشتى السبل الممكنة، وأن تجتهد لإيجاد الحلول التي لن تكون بالضرورة عسكرية. فهناك أساليب سلمية تدخل في إطار «الدهاء في العلاقات الدولية» وتجنب الدول الإنفاق العسكري وإمكانية توريط الجيوش في معارك طاحنة، من أجل درء هذه المخاطر، وهي أساليب متعارف عليها وكتبت فيها دراسات وبحوث في العلوم السياسية وفي العلاقات الدولية. ومن بين الأساليب المعتمدة ما يمكن تسميته بـ»ورقات الضغط» وهي جملة من العمليات والإجراءات والأفعال التي تقوم بها دولة ما، مباشرة أو من خلال وسطاء، الهدف منها هو اكتساب ما من شأنه أن يزعج دولة أخرى لدفعها مكرهة إلى القيام بعمل ما يدخل في باب التنازل، أو كف الأذى في ملف ما، أو من أجل غايات أخرى تعود بالنفع على الدولة الضاغطة. وتعتبر ورقة ضغط، استضافة معارضين لنظام بلد ما ودفعهم إلى المنابر الإعلامية لانتقاد نظام بلدهم الأصلي بصورة مستمرة، أو التقرب من دولة في خلاف مع دولة أخرى أو الدخول في أحلاف مضرة بمصالح الدولة «الباغية»، كما تعتبر مسألة عدم ضبط الحدود وتشجيع الهجرة السرية من ورقات الضغط على الدول الغنية من البلدان المصدرة للمهاجرين. فالعديد من البلدان الغربية استغلت معارضين لأنظمة عربية استضافتهم على أرضها وصنعت منهم ورقات ضغط، ونالت الكثير من التنازلات من حكام عرب والأمثلة عديدة في هذا الإطار، وإيران تقاربت مع أرمينيا وروسيا للضغط على محور الولايات المتحدة تركيا وأذربيجان، في ملف نفط بحر قزوين وملفات إقليمية أخرى. كما أن بعض بلدان جنوب المتوسط ضغطت على بلدان شماله بملف الهجرة السرية من أجل نيل الهبات والقروض وشتى أنواع المساعدات ونالت الكثير في هذا الإطار.
واستعملت روسيا في وقت ما ورقة الغاز للضغط على بلدان أوروبا الغربية في الملف الأوكراني، ووصل بها الأمر إلى حد الامتناع عن تزويد هذه البلدان بهذه المادة الحيوية في موسم صقيع القارة العجوز، من أجل انتزاع مواقف سياسية وتنازلات في هذا الملف. كما يرى البعض أن عدم حسم الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية هدفه الأساسي هو استعمال التهديدات المستمرة لنظام بيونغ يانغ كورقة ضغط على كوريا الجنوبية واليابان لمزيد الاحتماء بالمظلة الأمريكية والسير في ركاب العم سام.
وورقات الضغط صنفان، منها ما وجد طبيعيا بحكم الجغرافيا، كأن تطل الدولة على واحد من المضائق المهمة، أو أن تقع على طريق تجاري رئيسي تهدد بغلقه في حال لم تتم الاستجابة لمطالبها، أو تمتلك ثروات طبيعية ضخمة توقف إنتاجها.. ومنها ما يمكن اكتسابه لاحقا بفضل ساسة دهاة أو مختصين في الدراسات الإستراتيجية، يضعون الخطط لاكتساب هذه الورقات والمقايضة بها لدرء المفاسد وجلب المنافع. ففي وقت ما حرك الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة جيشا تونسيا فتيا وهاجم به جيشا فرنسيا مجهزا بأحدث الأسلحة الفتاكة، كان مرابطا في قاعدة بنزرت في أقصى شمال البلاد، وسالت دماء تونسية استغلها بورقيبة للضغط على فرنسا في مجلس الأمن لإجبارها على الجلاء عن آخر القواعد المحتلة، بعد استقلال تونس ونجح في مسعاه. كما استغل بورقيبة قصف فرنسا لقرية ساقية سيدي يوسف الحدودية التونسية، التي كانت تحتضن عددا من ثوار الجزائر لاستصدار قرار أممي يجمع الجيوش الفرنسية في مدينة بنزرت شمال البلاد، تمهيدا لجلائها، وتسبب القرار في سقوط الجمهورية الثالثة في باريس.
ويؤكد التاريخ على أن ورقات الضغط هي احد الحلول الناجعة للبلدان المستضعفة لصد عدوان الدول «المستكبرة». فورقة النفط التي استعملها العرب للضغط على الدول الداعمة للكيان الصهيوني في حرب 1973 زمن الراحل الملك فيصل كانت من أسباب النصر الذي تحقق في تلك الحرب التي تمكنت مصر على إثرها من استعادة أراضيها المحتلة في سيناء.
وتبدو تونس، التي تتعرض اليوم إلى هجمة شرسة من بعض البلدان التي تشجع الظاهرة الإرهابية في أرض الخضراء، وأخرى تلهف المستثمرين والزبائن في المواد المنجمية بأساليب تغيب عنها المنافسة الشريفة، بحاجة أكثر من غيرها لاكتساب ورقات ضغط لصد هذه البلدان التي وضعت موطئ قدم في البلاد وجندت الأتباع والعملاء وباتت ترتع بلا رقيب أو حسيب. فالسعي لاكتساب هذه الورقات واستثمار ما هو متوفر سيجنب حماة الديار من الأمنيين والعسكريين التونسيين كثيرا من الدماء، التي كانت ستراق وسيمكن البلاد من إيقاف نزيف البطالة من خلال المحافظة على المستثمرين الأجانب والمحليين وتنمية الموارد بعد عودة نسق التصدير للمواد المنجمية إلى وضعه الطبيعي مع عودة الإقبال على المنتوج التونسي في الأسواق العالمية.
وللخضراء عديد الورقات التي يمكن استغلالها، والتي إن أحسن الساسة توظيفها التوظيف الأمثل، ستجني البلاد مكتسبات بالجـــملة وستنعم بالهدوء والسكينة، بعد أن يمتنع القريب قبل البعيد عن إيذائها. كما بإمكانها استغلال علاقاتها الخارجية الجيدة مع عديد البلدان في مختلف أصقاع الأرض لاكتساب ورقات جديدة يمكن أن تناور بها من يستهدفونها وتقايضهم في أهم ملفين يؤرقان المضاجع في الوقت الراهن وهما الأمن والاقتصاد.
فالفاتورة التي يدفعها التونسيون من سلامتهم واستقرارهم ومن قوتهم وقوت أطفالهم وأجيالهم القادمة باتت باهظة جدا، ولا بد من التفكير جديا في حلول جذرية لتجاوز هذه المعضلة، بأن لا يتم الاكتفاء بتسليح المؤسسة العسكرية والسعي لنيل الهبات والقروض بشروط مجحفة لإنقاذ الاقتصاد، بل وجب استغلال ما هو متاح من ورقات ضغط واكتساب أخرى ما سيوفر حلولا بديلة ومتنفسا لأصحاب الشأن.

٭ كاتب سياسي تونسي

ماجد البرهومي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية