في ترشيد الديمقراطية التونسية

أصبت بحالة من الإحباط، كما الكثيرين من أبناء شعبي وأنا أستمع إلى نواب الخضراء الميامين يسلطون سهام نقدهم على رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد، لإجباره على الاستقالة.
وخرجت بقناعة راسخة كما الكثيرين مفادها أن أعضاء مجلس نواب الشعب التونسي في عمومهم، وإذا استثنينا البعض، لا يختلفون عمن سبقوهم إلى قبة باردو في إطار المجلس الوطني التأسيسي، والذين أثار أغلبهم حنق التونسيين وغضبهم على الأموال المهدورة التي تم إنفاقها على كتابة دستور للبلاد لثلاث سنوات بالتمام والكمال.
ولعل هذا المستوى «الهزيل» الذي ظهر به أغلب نواب الشعب من خلال مداخلاتهم، وكذا غالبية الطبقة السياسية في تونس، يفسر الإخفاء المتعمد لبعض أعضاء المجلس لمستواهم التعليمي الحقيقي. فنسبة مهمة من هؤلاء تنتمي إلى ذوي المستوى العلمي المحدود ناهيك عن الزاد المعرفي المنعدم، في بلد شعبه لا يقبل على القراءة ويلاقي فيه ناشرو الكتاب ومروجوه صعوبات جمة. كما أن غالبية نواب الشعب الميامين كانوا يصنفون قبل التحاقهم بالمجلس في عداد النكرات، فلم يقرأ لهم التونسيون مقالا أو تحليلا سياسيا لمجريات الأحداث الوطنية والعالمية ولا استمعوا منهم لتصريح. كما لم يعرف عنهم أنهم أنجزوا عملا ما نفضوا به الغبار عن أنفسهم وعرف من خلاله شعب الخضراء قدراتهم ورؤاهم لمستقبل هذه البلاد وساكنتها من العباد، ناهيك عن عزوف أغلبهم عن أنشطة المجتمع المدني التي تساهم في صقل مواهب ممتهن سياسة أمور البلاد.
ولا يبدو أن الأمر يقتصر على تونس وحدها، فقد أخبرني صديق من بلد مغاربي شقيق من ناشطي حقوق الإنسان البارزين في بلاده أنه مع اقتراب موعد الانتخابات في موطنه يتم ملء القوائم الانتخابية بمن هب ودب. فيجلب العازفون والعازفات والمزينون والمزينات والراقصون والراقصات ومن لا علاقة له بالسياسة من هنا وهناك، المهم أن يملأ الحزب قوائمه ليكون جاهزا للانتخابات ويخوض غمار هذا الاستحقاق ويفوز بأكبر قدر من المقاعد، أو تمنح له هذه المقاعد وفق نظام المحاصصة (الكوتا) الذي تحدده أجهزة الدولة العميقة وترضى به الأحزاب طوعا أو كرها.
كما أخبرني صديق تونسي من وزراء حكومة الحبيب الصيد المستقيلة عاد لتوه من زيارة لبلد مغاربي بأنه تفاجأ من انحدار مستوى الخطاب السياسي في ذلك البلد الشقيق الذي تجاوز ساسته ما نعتبره في تونس خطوطا حمرا في حواراتهم وفي ردودهم على بعضهم بعضا. وقد أعادت له هذه الزيارة الأمل في مستقبل أفضل وفي حياة سياسية متطورة قد تشهدها تونس في مقبل السنوات، شريطة الترشيد وتحسين الأداء والعمل الدؤوب على الإصلاح. ومن المؤكد أن هناك أسبابا عديدة جعلت المشهد البرلماني التونسي والسياسي عموما بهذه القتامة، وجعلت نواب الشعب بذلك المستوى الرديء المشار إليه. كما جعلت عموم المواطنين ينفرون من الحياة السياسية وفقا لاستطلاعات رأي، وجعلت أيضا الثقة تنعدم أو تكاد في الطبقة السياسية برمتها، سواء تعلق الأمر بأهل اليمين أو اليسار أو حتى بمن تخندق في الوسط. فالنظام المعتمد في الانتخابات، أي نظام الاقتراع على القوائم المغلقة، هو أحد هذه الأسباب إن لم يكن أهمها، فهو نظام جعل الناخب التونسي، ماضيا وحاضرا، يصوت على قوائم مغلقة لا مجال فيها للاختيار الحر، اعتبرها البعض أحد أشكال المصادرة لحرية الناخب. فإما أن يصوت لكامل القائمة حتى إن تضمنت عناصر لا يراها جديرة بتمثيله، أو يرفض التصويت لها بالكامل حتى إن تواجد في هذه القائمة من يعتقد بأن له من الكفاءة ما يؤهله لينال الثقة.
فلا يخفى على عاقل، وعلى سبيل المثال، أن من صوت لقوائم حركة «نداء تونس» في الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي عرفتها تونس في سنة 2014 إنما منح ثقته للباجي قائد السبسي من أجل نيله لأغلبية تجعله فاعلا في الحياة السياسية. وباستثناء بعض رؤساء القوائم من هنا وهناك، فإن ناخبي النداء والمتعاطفين معها، كانوا لا يعرفون شيئا ذا بال عن الأعضاء الذين تضمنتهم القوائم الانتخابية الندائية، والأمر ذاته حصل مع ناخبي حركة «النهضة» الذين صوتوا للقوائم باعتبار أن مصدرها هو الحركة من دون التدقيق في مكوناتها.
وعلى سبيل المثال فقد خسر القيادي في حركة النهضة ونائب رئيس مجلس النواب الحالي عبد الفتاح مورو، حين كان خارج حركة النهضة، انتخابات المجلس التأسيسي لسنة 2011 بدائرة تونس 2 أمام قائمة نهضوية بالكاد يعرف الناس رئيستها، فقط لأنه ترشح في قائمة مستقلة وهو الشخصية الوطنية التي لا يمكن مقارنة سجله وتاريخه السياسي بمن تضمنتهم القائمة الحزبية. وعندما أعاد الكرة في 2014 وترشح على رأس قائمة حزبه تمكن من ولوج مجلس النواب من أوسع أبوابه وأصبح نائبا لرئيسه.
فنظام الاقتراع على القوائم المغلقة نظام سيئ، يمكن الأقارب والأصدقاء و«الموصى بهم خيرا» والقادرين على شراء الأماكن بأموالهم الوفيرة، حتى من ارتبطت بعلاقة روحية أو عاطفية مع قيادي فاعل في حزب سياسي، من التواجد في المجالس المنتخبة على حساب معيار الكفاءة، الذي يبقى آخر اهتمامات الطبقة السياسية التونسية. وهو ما يفسر هذا الكم الهائل من عديمي وعديمات الكفاءة الذين حالفهم الحظ في الوصول إلى هذه المجالس النيابية والتأسيسية التي عانى منها التونسيون الويلات في السنوات الأخيرة، بمجرد التخفي في قائمة انتخابية تابعة لحزب كبير.
وتتحمل الأحزاب السياسية التونسية ما آلت إليه الأوضاع من انحدار في مستوى الطبقة السياسية، باعتبارها لم تحسن اختيار مرشحيها في نظام انتخابي حملها المسؤولية في عملية الاختيار واعتمد كثير على نضج قيادييها، فطغت المحسوبية على الكفاءة وضربت السير الذاتية بعرض الحائط في عملية الاختيار وتم اعتماد معايير، بعضها يندى الجبين لذكرها، لم يراع فيها المستوى التعليمي ولا التكوين الأكاديمي ولا الخبرة أو التجربة أو غيرها. فهناك من دفع المال لقيادي حزبي وطني أو جهوي ليكون متواجدا في إحدى القوائم كمرشح، وهناك من كان عامل القرابة أو الصداقة أو المصاهرة حاسما لترشيحه لخوض غمار الاستحقاق الانتخابي. وهناك من تزلف وتقرب من أصحاب النفوذ والسطوة داخل هذه الأحزاب والمؤثرين فيها من خارجها ليفوز بترشيح أو أسدى خدمات مقابل هذا الترشيح، من دون الخوض في تفاصيل هذه الخدمات وطبيعتها، فكل شيء يهون لدى هؤلاء في سبيل المقعد النيابي أو التسمية ضمن فريق حكومي.
ويحمل البعض المسؤولية أيضا إلى الناخبين الذين لم يكتمل وعي أغلبهم بعد، بحسب أصحاب هذا الرأي، حتى يحسنوا الاختيار ويميزون الخبيث من الطيب. ويدعو هؤلاء، إلى اعتماد الاقتراع المقيد لتجاوز هذه المعضلة، بدلا من الاقتراع العام المعتمد حاليا في تونس باعتباره يتناسب مع الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الاستثنائية التي تمر بها البلاد، ومع حالة عدم اكتمال النضج الديمقراطي والسياسي التي تميز نسبة مهمة من ساكنة الخضراء. ولعل القيد الذي يمكن اعتماده في هذا الإطار هو ذلك المتعلق بالإلمام ببعض المفاهيم السياسية وبمدى اكتمال النضج الديمقراطي والوعي السياسي. فلا يعقل مثلا أن يذهب لاختيار نواب مجلس تأسيسي من لا يعرف مفهوم المجلس التأسيسي والفرق بينه وبين البرلمان أو المجلس النيابي، وقد حصل في تونس أن خرج بعض المأجورين بعد زلزال 14 يناير 2011 يطالبون بمجلس تأسيسي وحينما سئلوا عن القصد من المجلس التأسيسي عجزوا عن الجواب.
ويمكن في هذا الإطار، وترشيدا للحياة الديمقراطية، إجراء اختبارات في الثقافة السياسية وفي معرفة مقدار ما وصل إليه وعي المواطن، ويتقدم إلى هذه الاختبارات الراغبون في الحصول على صفة ناخب، وليس هذا بدعة فقد تم اعتماده في بعض الولايات الأمريكية في مرحلة ما من تطور الوعي لدى مواطني هذه الولايات ولم تكن النتائج سيئة في عمومها. كما أن ديمقراطية قرطاج، التي أشاد بها الفيلسوف الإغريقي أرسطو، (وقرطاج هي المرجع والحضارة التي بدأت معها الهوية التونسية في التشكل)، كان الاقتراع فيها مقيدا على غرار أثينا ويشمل فقط طبقة النبلاء والمحيطين بها من العلماء والمفكرين «الإنتلجنسيا» باعتبارها الفئة المتعلمة التي اكتسبت ملكة التمييز وتشكل لديها الوعي وباتت لديها القدرة على الاختيار الجيد للممثلين في مختلف الهيئات. كما يرى البعض أن ما حصل في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبي، عليه الصلاة والسلام، من تفويض لأمور المسلمين لفئة من كبار الصحابة يمكن اعتباره اقتراعا مقيدا لاختيار ولي الأمر. و«أهل الحل والعقد» بالنهاية هم ناخبون تتوفر فيهم جملة من الشروط لا تتوفر في عموم المسلمين الذين ارتضوا بأن يختار هؤلاء خليفة المسلمين نيابة عنهم.
وفي النهاية، ورغم بعض النجاحات التي تحققت في المشهد السياسي التونسي فإن عملية ترشيد الحياة الديمقراطية و السياسية تبدو ضرورية، باعتبار أن شعب الخضراء لم يمارس هذا الشكل من أشكال الحكم منذ العصر القرطاجي. كما أنه لم يراكم التقاليد الديمقراطية باعتبار أن من تداولوا على هذه البلاد بعد قرطاج سواء الرومان أو العرب من «الفاتحين» الحاملين لراية الإسلام، أو أولئك الذين أرسلهم الفاطميون لإهلاك الحرث والنسل من بني هلال وبني سليم أو العثمانيون، قطعوا مع هذا الموروث الحضاري الديمقراطي القرطاجي.
٭كاتب تونسي

في ترشيد الديمقراطية التونسية

ماجد البرهومي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية