ديوان عبد المنعم رمضان: كشف الأستار في الحب والغواية

حجم الخط
0

 

يبدأ عبد المنعم رمضان في مجموعته الشعرية الأولى، من المجلد الشعري الأول، بنقد الماضي، ونبذ التاريخ الملطخ بالدم، والاحتراب الدامي حول المال والسلطة والثوابت في احتكار الحياة ومعطياتها، وتسخير الزمن وتحولاته لجهة معينة، وفئة طبقية بعينها. ولعل هذه المجموعة وهي تكشف مسالك الماضي الجريح، لم تملْ للقول بأن قائل هذه القصائد هو شاب في المطالع، وفي بداية اليفاع، بل أنبأتنا بأننا أمام شاعر ممتلك لناصية التعبير الشعري وحائز على الأداة الفنية والتعبيرية بجدارة. فليس في هذه الفواتح الشعرية من نوافل وطرائد لغوية هائمة بين السطور، وشتات بياني وتهاويم لفظية ووعورة كتابية، تنبئ عن شاعر بديء، بل إننا نقف إزاء قصائد مكتملة وناضجة، تكشف عن مقدرة غير عادية، وموهبة مميزة. وهذا ما وضحته السنوات اللاحقة والمجاميع الشعرية الكثيرة التي أصدرها عبد المنعم رمضان، لترفد مسيرة شعرية لافتة، تميزتْ منذ نشر باكورته المتسائلة هذه «لماذا ايها الماضي»؟ وهو تساؤل زمني ممضّ، طارد الشعراء طويلاً، تساؤل عن معاني الزمن والوجود، وتلك المجاهل التي ستترك آثارها وأمشاجها وحوادثها المروِّعة، على حاضر الشاعر، وحتى على مستقبله، ومستقبل وعي الأمة التي ظلت تنظر للماضي بعين العائد إلى الخلف وليس بعين المتقدم إلى الآتي .
يهمس الشاعر المصري عبد المنعم رمضان، من موقعه الشعري، المنعزل عن الصخب السياسي والتكتلات الثقافية، والبعيد أشد البعد عن الانغماس بعالم التيارات والجماعات، يهمس لينبئنا على أن الشعر يأتي من العزلة الإرادية والوحدة المستبطنة ذاتها الرؤيوية، وكأنه بذلك يقول، كان زمناً ذاك الذي أسَّسنا فيه تياراً اسمه «أصوات» مع كل من رفاق دربه الذين أصبحوا شعراء فاعلين، مثل أحمد طه ومحمد سليمان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد فريد أبو سعدة ومحمد عيد إبراهيم. وهو تيار شعري نشأ بموازاة تيار شعري آخر، دعم على نحو فني وجمالي وتعبيري مسيرة الشعر المصري، وعزز من قوَّته، وتنوع أشكاله وأساليبه، داخل سياق الشعر العربي. وكان هذا التيار والذي عرف بـ «إضاءة» يضم تحت جناحه شعراء فاعلين أيضاً كحلمي سالم ورفعت سلام وحسن طلب وجمال القصاص وأمجد ريان، وربما هناك أسماء أخرى انتمت وساهمت في كلا التيارين، وعززت من منشورات وحساسية كلا الاتجاهين، والهدف هنا ليس تعداد الأسماء، بل تبيان مسيرة ورؤى وتصوّرات ومفاهيم كلا النسقين الشعريين، لغرض إضاءة المسار الشعري العام لذلك الجيل الذي أسس لطريقة مختلفة، وجديدة ومغايرة ومفارقة للسائد في ساحة الشعري العربي بشكل عام .
تنقسم المجموعة الشعرية الأولى، إلى خمسة أقسام، كل قسم هنا قائم بذاته، ويبلور على نحو واضح بِنية القسم وطواياه ورؤياه وسياقاته الفنية. فعن الحاكم بأمر الله فإنه يخصه بكتاب «الخطط والوصايا وصحراء الخوف»، يليه كتاب «دمي صوب كل الجهات»، وكتاب «الفقد والحكمة»، وكتاب «أنا راحل في انتظارك»، وكتاب «عن ملامح وجهي وقلبي». والكتاب الأخير وأعني القسم الخامس، يمثل في ظني، خير تمثيل ماهية التجربة لمجموعة أولى، لشاعر شاب، لديه معرفة بفن الشعر ودروبه، وهو لم يزل في البدايات، وقلما تلحظ التأثيرات الواردة إلى شعره من شعراء آخرين، أكبر تجربة وسناً وضلوعاً، وإن حاولت تلك التأثيرات أن تطل برأسها، وهذا شيء طبيعي لشاعر لم يزل في خطواته الأولى، فإنها تأتي من ناحية الشكل والبِنْية ومعمار هندسة القصيدة، وليس عبر التوغّل في عمقها، لمسخها ومن ثم تحويلها إلى نسخة من الشاعر المتأثَر به. وفي السياق ذاته، ثمة ميل إلى تأكيد الصوت وفرادته وحيازته للقول الخاص. فالقسم الأخير من المجموعة الأولى، وهو يمثل قرابة نصف المجموعة، يجعلنا نلتفت إلى مناخه الثري، فمثل قصائد إلى ليليان ومحمد عفيفي مطر وأنور كامل، لا تشي إلا بذلك، ولا تهجس بغير هذا الذي قلناه فيما أنف أعلاه. إنها قصائد تزدحم بالصور والرموز والأسماء والذكريات المرسومة للشخوص الذين يعبرون في هذا الحيز، وهو حيز «ملامح وجهي وقلبي» وهو يتقرى عبره ملامح الآخرين وسيرتهم، عبر حدوس القلب وما يرمي إليه من مظانّ وتوابع، فعن ليليان يقول:
«كانت الريح تملأ راحتها بالأعاصير،
ثمّ تجيء فتطردُ كل اليمام
وكان المقيمون في غرف القلب يستدفئون بأنفسهم
حين يقبل كلّ اليمام
وكان الرجال الجديرون ينتشرونَ على الأرضِ
حتى يموت اليمام».
يبدو أن لفتاته هذه حياة صعبة، فهناك في قصيدة طفولة، ثمة إحالات لماض فيه رسم لحياة وأيام دراسة وطاولة وكتب عربية. وفي قصيدة «اغتصاب» هناك معاناة واضحة لأمر ما حدث، ولكنها في «النشيد» يبدو أنها ترتب أوضاعها «أستعين على حاجتي في رثاء المواسم». بينما نراه في القصائد الثلاث التي خص بها أنور كامل، يحاول درس شخصية الرجل وسبر غورها، لتقديم ملامحه كاملة، لتكون وافية وتعطي الدلالة البنيوية لمغزى القصائد الثلاث:
“كيف تربط نفسك بالنارِ
ثم تنام على شجرةْ
الوجد الذي كنت تعنيهِ
ليس الوجود الذي كان يعنيه خصمك
والمقبرةْ
في أدقّ التفاصيل
ليس سوى المقبرةْ».
هذا ما تشي به بعض رؤى المجموعة الأولى، وتدفع به كقصائد مبكرة، تخفي موهبة جلية، ومميزة لشاعر سوف يوظف فيها عبد المنعم رمضان الزمن كله الذي سيعيشه للشعر، مكرِّساً جل وقته وطاقته ومعرفته وتطلعاته الفنية والجمالية للشعر وحده، في وقت أمسى يتنكر للشعر من قبل الفنون الجميلة التي صعدتْ كلها على كتفه الرهيفة، في زمن مختلف وسريع، تتناوشه الإلكترونيات ووسائل التواصل الاجتماعي، واللهاث وراء السلعة والسوق والربح المريع، وترك المنتوجات الجمالية والعقلية والإبداعية لرياح التغيير الهابة في كل اتجاه، زمن التخلي عن الرؤى والخيال والسنتيمونتاليتالية، أي العاطفة والشغف وعالم الرومانسيات، ولكَم وجدنا من تآلف بين هذه العوالم، وعالم الشعر والموسيقى في شعر رمضان. ثمة تطويع بيِّن للبحور، والإفادة من تقنيات العروض، والعمل على كشف ميِّزاته، وسحره ونبرته النغمية التي لطالما تواءمت وتماهت، على نحو هارموني مع الموسيقى، فالسلم الموسيقي هو ذاته العروض والوزن المتناغم مع التفاعيل والبحور الشعرية، وهنا واصل عبد المنعم تنغيمه على العروض، كفن موسيقي وإضافي، ينضاف كسند فني لبهاء القصيدة، ولكنه وهو المهجوس بعالم التحول والخروج من نسق الثبات، كان ينبغي عليه أن يخضع للتحديث الوافد، ويكتب قصيدة النثر، مثل بقية أبناء جيله، فالتنويع في الأنساق والأشكال والأساليب يخدم في النهاية الشاعر المتطلع والمتشوِّف إلى نهج جديد، يخرج به عن طابع السدور والركون والملاذ الآمن، إلى طابع مفارق، فيه نوع من المغامرة والانعطاف والتجريب، إلى حيث السباحة في مياه أخرى، ربما تكون محيطاً وأوسع من عالم البحور، ولكن هذه السباحة في مياه مختلفة تجعله يتحسَّب من الشط والابتعاد
عن محاولة الانزلاق في المياه الخطرة التي قد تعرِّض خائضها إلى الغرق. وهذا ما أدى فعلاً ببعض الأصوات الشعرية التي اعتمدت قصيدة النثر سياقاً واحداً لها، إلى الغرق، وهي لم تزل في بداية الطريق، لأنها لم تكن محتاطة وعليمة ولديها خبرة بفن العوم، في كل البحور والضفاف، والدراية التامة بعالم الجوانيِّات والأعماق ومياه المحيط من ضمنها، أقصد الفن الشعري عامةً. ومن هنا سر تنوُّع تجربة عبد المنعم رمضان، التجربة المغامرة ولكن المتحسِّبة والعارفة أين تضع خطوتها، وهي تخطو في طرق التخييل. في ظل هذا السياق، تأتي المجموعة الثانية وهي صدى للأولى، لكنها الأكثر غنى وتبحُّراً وتألقاً، كونها أضافت إلى الأولى نزق الاختلاف وطيف التحوّل وحرارة التجربة التي ترسَّختْ وأصبحت أكثر سعة وانفتاحاً على الدلالة بمعناها التداولي. في هذه الثانية التي وِسِمتْ بـ «قبل الماء فوق الحافة» وضمّتْ في متونها فصولاً وتسميات إشارية، أليغورية، مثل «تحت سماء واطئة» و«أيضاً في الليل» و«بوابات أخرى على الوقت» و«فوق الحافة»، وهو متن يحمل نصف المجموعة تقريباً، وهو يضم عناوين عديدة تنضوي في سياقها الشعري قصائد كثيرة. وثمة أسماء تبرز كعناوين، تشكل مفاتيح لمعاني القصائد، مثل قصائد «مهى» و«درية» و«ناريمان» وغيرها من الكنايات كـ «ثلاثية العاشق»، و فصل كبير تحت عنوان «نشيد الإنشاد» يتفرع منه عنوانان «الرسولة 1» و«الرسولة 2» وكأنه بذلك يحاول تذكيرنا بعوالم أنسي الحاج الشعرية. في مفتتح المجموعة يستعين عبد المنعم بالقصيدة المدوَّرة، مائلاً إلى بحر «الأخفش» المتمثل بوحدته الإيقاعية «فَعَلُن» المستساغ كبحر واسع ومتقبِّل للسرديات. في المآل تشكل هذه المجموعة وهي الثانية إضافة بارزة للمجموعة الأولى، في المجلد الكبير من عالم شعري شديد الثراء والتنوع، سيواصله عبد المنعم رمضان في الأجزاء اللاحقة .

ديوان عبد المنعم رمضان ـ الجزء الأول
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2015
583 صفحة

ديوان عبد المنعم رمضان: كشف الأستار في الحب والغواية

هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية