هادي الحسيني عن «الحياة في الحامية الرومانية»:  سيرة أخرى للمثقف العراقي في المنفى

حجم الخط
0

 

مديدة هي سنوات المنفى للكاتب والأديب والشاعر والفنان العراقي، هذا المنفى الذي خلق يوتوبيا متخلقة وفاعلة ومبدعة في أمكنة منفاها. قبل المنفى العراقي، ليس ثمة منفى عربي، باستثناء الشتات الفلسطيني، وقد تم صنع هذا المنفى العراقي منذ مطالع الستينيات من القرن المنصرم، حين تعرَّض صُنَّاع الكلمة ومبتكروها ومبدعوها الكبار إلى الهجرة والرحيل والهروب من الأنظمة الفاشستية التي بدأت تُضيِّق على حرية الرأي والتفكير والمعتقد، لتلاحق الناشط والمثقف والمبدع العراقي وتطارده، متوعِّدة أفكاره بالاعتقال، وحريته بالسجن، ومعتقده بالملاحقة والتتبع، لكي لا يهدأ له بال، ويزيح بأفكاره الجديدة المُتحرِّرة، فكرَ الآخر الفاشي والمُهيمن على النأمة، والحركة، والأنفاس لدى العامة .
لقد جسّد البعث العراقي، كل تلك الصفات النازية، في ملاحقته للأفكار الحديثة والمستنيرة والعاملة بين طبقات المجتمع العراقي، البسيط والمعدم والغارق في الفاقة والعوز اليومي، منذ مجيئهم إلى السلطة، عبر انقلاب دموي في الثامن من شباط/فبراير عام 1963 ومن ثمّ المجيء الثاني لهم بعد انقضاضهم على حكم عبد الرحمن عارف، أفضل رئيس عراقي حديث، حيث كان نزيها ونظيفا ومسالما، اتسمت فترة حكمه بهامش ديمقراطي، وهدوء اجتماعي نسبي، ونزاهة في الحكم، حيث الجميع سواسية أمام القانون والدستور والقضاء. بعد مجيئهم الثاني، بدأوا يصولون ويجولون، سجون، ومعتقلات، وحروب داخلية مع الأكراد، وخارجية مع إيران، واحتلال لبلد عربي، جار، ومن ثم إدخال البلاد في حصار طويل، أدمى قلوب العراقيين، وهدّ من جمال بلدهم، وتاريخهم، وأنزل اقتصادهم إلى الحضيض، وجعل من الشعب الذي كان يصدر الغذاء والدواء إلى العالم، يتسوَّله، فتشرد إبان تلك الفترة القاتمة من تاريخ العراق، خيرة أبنائه من المثقفين، مُسطّرين بذلك ملحمة المنفى المتناسل الذي بدأه قبلهم، الجيلان الستيني والسبعيني وحتى الثمانيني، ليشكلوا مع الآخرين تلك التجربة الكبرى، في عالم المنفى العراقي .
ولو عدنا قليلاً إلى الوراء، لرأينا المنفى قد بدأه الجيل الخمسيني، ممثلاً ببدر شاكر السياب عبر قصيدته المعروفة «غريب على الخليج «، ثم عبد الوهاب البياتي الذي كتب حينها ديوانه الشهير «أشعار في المنفى»، وغائب طعمة فرمان عبر روايته «النخلة والجيران»، وسعدي يوسف وديوانه «نهايات الشمال الأفريقي»، وبلند الحيدري، وديوانه «خطوات في الغربة» وذو النون أيوب ورواياته العديدة، ومظفر النواب ممثلاً بديوانه «وتريات ليلية»، إلى آخر الأسماء المهمة والمعروفة، عراقياً وعربياً ومن كل الأجيال، روائيين، وقصّاصين، وشعراء، وفنانين، الخمسيني والستيني والسبعيني والثمانيني والتسعيني، إن صح هذا التحقيب الزمني .
تداعيات هذا الكلام جاءت مدخلا للحديث عن كتاب الشاعر العراقي الشاب هادي الحسيني، وهو ينتمي لحقبة التسعينيّات، حسب مفهوم الرؤية النقدية لموضوعة التجييل الأدبي.
فرّ الحسيني من العراق إبان الحصار الاقتصادي إلى عَمّان، مسجلاً بذلك وموثقاً لفترة مهمة من التاريخ الثقافي، للمنفي العراقي، في العاصمة الأردنية التي أصبحت الملجأ والمأوى، والملاذ الجديد والأخير والمتوفِّر للمبدع العراقي، بحكم القرب والجيرة، وبحكم كونه بلداً عربياً، وحاضنة ثقافية، للذي لا يمتلك الجاه والمال والسلطة، وليس لديه سوى القلم والريشة والكلمات والإزميل، تلك التي رافقت مسيرتهم إلى المنفى القريب، وكون هذا الكتاب، قد سجَّل اللحظات التفصيلية الدقيقة لسيرة شريحة مهمة من المثقفين والفنانين العراقيين، فإننا نرى من الضروري والمهم والواجب أيضاً، تسجيل وتوثيق سيرة العراقيين الذين عاشوا، في كل من دمشق وبيروت، لكي تكتمل السيرة، وتُوثَّق عبر كاتب وأديب أو شاعر وفنان، قد عاش حياة هاتين التجربتين المختلفتين، في كل من بيروت ودمشق منذ بداية الثمانينيات حتى مطالع الألفية الثانية .
يرسم هادي الحسيني بورتريهات شاعرية، أنيسة وجذابة لطائفة واسعة من شعراء العراق، ممن ابتلوا بالحكام الديكتاتوريين والأنظمة القمعية والطغاة المتواترين على مرّ تاريخه. يتوغل في توضيح صورة المنفي العراقي، وكشف ملامحها وتنسيق ظلالها، ملقياً بذلك المزيد من الأنوار على تفاصيل الشعراء الكبار الذين استوطنوا عمان، من أمثال عبد الوهاب البياتي وحسب الشيخ جعفر وغيرهما، متناولاً على طول صفحات الكتاب، وعلى نحو مُنمَّق ومبهج وتفصيلي، حياة وسيرة البياتي في عمان، ذلك الشاعر المؤثر والمثير للجدل والرائد بحق، متتبعاً خطواته وسهراته وكتاباته وأحلامه وهو في السبعين من عمره، طبائعه وآراءه ويومياته، مع طيف واسع من الكتاب والفنانين والصحافيين والأدباء والشعراء العرب، ولكأن الكتاب قد كُتب من أجله، وهو يخطو، ويجول، ويتنقل، بين هذا المقهى وتلك الحانة، وبين هذا المطعم وذلك المنزل، بين المنتدى وذلك المرسم، وبين هذا المهرجان وتلك الدعوة، وبين دار النشر هذه وتلك الجائزة، أو بين هذا الصديق أو تلك الصديقة. فالأصدقاء كثيرون، والوافدون كانوا أكثر، فثمة من يأتي من بيروت ودمشق والقاهرة، والخليج العربي، وثمة المزيد من شعراء، وروائيين وقصّاصين ورسّامين ونقاد أكاديميين فارِّين من العراق، وثمة من يطل من العواصم الأوروبية، مثل باريس ولندن، من العراقيين والعرب، لمتابعة هذا الشأن أو ذاك، أما لرؤية أحد القادمين من الأهل والأصدقاء، أو للذهاب في دعوة ومهرجان أدبي وفني معيّنين. ولذا رأينا البياتي، وكما كان، وفي كل الأوقات هو هو، الشاعر الجوّال، والمنفي الأول، فضلا عن حس الدعابة الذي يتمتع به، إضافة إلى اللطف والدماثة والتعامل الراقي والرئيف مع الآخرين، لا سيما الشباب منهم. فهو كان خير صديق لجمع هائل من الشعراء ومن مختلف الأجيال، يرعى ويحنو ويتوسط ويُثني على من يمتلك الموهبة الحقَّة، لا يخاف مثل الآخرين، من المواهب الساطعة واللامعة والجديدة، بل العكس هو ما كان يفعله، الدعم الدائم، إنْ كان على صعيد الحس، أو المؤازرة الكتابية والكلامية، أو الدعم المادي لمن هو يحتاج إلى ذلك. ومن هنا يشير الكتاب دون مواربة، لمساعدة البياتي للأدباء الشباب، وكان ذلك يتم بشكل ملموس ومؤكد ومُثبَّت بشواهد ممن ساعدهم البياتي، كالشعراء الشباب الذين طبع لهم مجاميع شعرية على حسابه الشخصي، فهم يشهدون على هذا الفعل، بعد نيله لجائزة العويس الثقافية، هذا ناهيك عن الدعم المادي والمعنوي، للشعراء الباقين، ومن بينهم مؤلف هذا الكتاب، كما اعترف هو بذلك دائماً وفي كل الأوقات والظروف الصعبة، تلك التي واجهها المؤلف وغيره من الشعراء والرسامين والكتاب والصحافيين في العاصمة عمان .
أما الشخص الثاني الذي نال القسط الأكبر من الحديث، في هذا الكتاب، فهو الشاعر الصعلوك جان دمّو فهو صديق جميع الشعراء والفنانين، وقد عاش في عمان، حياة درامية، لا تخلو من المأساة، مليئة بالتشرد والضياع والمعاناة اليومية، شاعر مدمن على الشراب، والتيه، والإيغال في الوجودية، والحياة السريالية، والفنتازية، شاعر بوهيمي، عدمي، لا يملك مالاً، ولا أهلاً، ولا مأوىً، ولا ملبساً، ولا طعاماً، وأيضاً ولا كتاباً، شاعر همُّه الدوران حول معنى الوجود، حول معنى البقاء، ولكنه رغم ذلك، كان شاعراً مُقلاً، يترك قصائده للمكان الذي كان فيه ويمضي، لكنّ أصدقاءه وهم كثر، كانوا يحتفظون بما يتركه، من كتابات وترجمات وسطور موحية، ودقيقة، وذات أبعاد رمزية وأليغورية، تحمل معانيها في تضاعيفها، حتى سطوره قليلة، وزاهدة، مثل حياته الدراماتيكية، تلك الحياة الثملة على طول الخط، شراب مفتوح مثل حنفية، كان يتدبَّره، رغم صعوبة عيشه، وصعوبة حياته اليومية، لكن الأصدقاء وكما قلت وهم كثر، كانوا لا يبخلون على جان دمّو بما يملكون، وهم الفقراء! من مال وطعام وإكساء وشراب واهتمام، وهو أيضاً وبالمقابل، كان رجلاً كريماً ومتلافاً، حتى إذا توفر لديه المال بطريقة أو بأخرى، فإنه سرعان ما سيحرقه في الحال، على أصدقائه الأوفياء .
أهم ما ورد في سيرة جان دمّو وهي مكتوبة كتدوينة طريفة، مترعة بالمُلح والطرائف والأمازيح، كونها تَنْصَب على شاعر مختلف، في أسلوب ونمط ومسار حياته الشخصية، ذلك أن الاسم الذي يحمله، هو ليس له، بل هو اسم لمستشرق
كنَدِيّ، جاء إلى العراق في نهاية الستينيات. آنئذ الجو الثقافي والصحافي والأدبي كان يعرف بوجود هذا الزائر المستشرق جان دمو، ولما كان صديقنا جان يتردد على مجلة «ألف باء» بحكم الترجمة والكتابة لها، أطلق عليه الصحافي المخضرم جليل العطية هذا الاسم «جان دمّو» لغرض الكتابة به، كبديل عن اسمه «يوخنّا ممّو» غير الإبداعي، على حد تعبير العطية، ولقد اكتشف المؤلف هادي الحسيني ذلك، عبر الجواز العراقي الذي كان يحمله جان بالمصادفة، أثناء مراجعة سفارة استراليا في عمّان، من أجل اللجوء اليها، ومن ثم التخلص من وضعه المأساوي والميلو درامي والتراجيدي هناك .
أما الشخص الثالث في الكتاب الذي نال قسطاً وافراً من المديح والإشارات الرهيفة، بحق شخصه ودماثة صورته اليومية، الهادئة والرصينة، فهو الشاعر حسب الشيخ جعفر، هذا الشاعر المجدِّد والمُؤثِّر والمُتميِّز، نجد أن الكاتب هادي الحسيني يعرّج عليه كثيراً، مُتتبعاً سيرته اليومية في عَمان، والأماكن التي عاش فيها، وتردَّد عليها، ولا سيّما نمط حياته، وسكنه في كوخ من الصفيح، لكنه ولحسن حظه وهو الشاعر والمترجم عن الروسية والناثر الجميل، سيلتفت اليه الحظ ، بعد أن كُتِبَتْ حول طريقة عيشه، في هذا المكان، كتابات كثيرة، من قبل الشعراء والنقاد والصحافيين المُحبيِّن للشاعر، وعلى رأسهم الشاعر الفلسطيني، يوسف أبو لوز الذي أثار هذا الموضوع، في الصحافة الأردنية، ولما تناهى خبره، ووصل إلى أمين عاصمة عَمان، أسرع على الفور لزيارته، وتأمين سكن لائق به، وتخصيص مبلغ شهري له، ومن حسن المصادفات، أن هذا الرجل كان صديقاً لحسب الشيخ جعفر، منذ أيام دراستهما في موسكو، مطلع الستينيات من الألفية الفائتة.
هادي الحسيني: «الحياة في الحامية الرومانية»
دار نينوى، دمشق 2015
302 صفحة

هادي الحسيني عن «الحياة في الحامية الرومانية»:  سيرة أخرى للمثقف العراقي في المنفى

هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية