«تحلى بروح رياضية»، من أشهر المصطلحات في العالم الذي بات يستخدم في كل التجاذبات والنقاشات، خصوصاً الحادة منها، وقبل أن تدب الخصومة بين المتجادلين.
كنت أعتقد، بل أفترض، ان هذا المصطلح جاء ليقنع الخاسرين في المباريات الرياضية، بتقبل الهزيمة، والأهم مباركة الخصم على انتصاره، بـ»روح رياضية»، ليتحقق المفهوم أن يوماً لك وآخر عليك، أي توقع أن تنتصر في يوم وتخسر في آخر، وعليك أن تتقبل كلا المصيرين بروح طيبة. لكن في الواقع مفهوم هذا المصطلح لا يتعلق بالأخلاق الرياضية عقب المنافسة وانتهاء المباراة، بل تتعلق حيثياته بتهيئة النفس على المواجهة بروح النزاهة، أي أن تكون مستعداً للتنافس بعدالة ومن دون أن تعطي لنفسك الافضلية على منافسك بصورة غير قانونية أو أخلاقية، وألا تمل أو تكل أو تغضب كي لا تفسد المنافسة وتقودها الى الانحطاط، وألا تنهي المباراة، ان كنت خاسرا، بغضب ورفض وتقليل من شأن الفائز، وألا تظهر عجرفة وتكبر على خصمك في حال انتصارك… هذا هو هو ما يسمى بـ»الروح الرياضية».
طبعاً، كم من هذه والكلمات والتعريفات والشرح تنطبق على رياضيينا اليوم في كل الألعاب؟ في عالم كرة القدم، بات التنافس على أشده بين الفرق، خصوصاً عندما يلعب غريمان كبيران، أو عندما يصطدم فريقان في دربي المدينة أو في نهائي كأس أو بطولة، فان اللاعبين يكونون في ذروة الشحن والتهيؤ للقتال والاستشراس، والتفكير في الفوز بقرارات الحكم بأي وسيلة ممكنة، ان كان عن طريق الخداع أو التمثيل أو زج الخصم في مواقف مهينة، ولولا كاميرات التلفزيون المنتشرة في كل زاوية من الملعب، لزادت هذه الألاعيب، ومحاولات «الضحك» او بالاحرى، الكذب على الحكم، لمعاقبة الفريق الخصم. والمشكلة الأكبر أن هذه الافعال تأتي بمباركة مدرب الفريق، الذي يحث عليها بشدة، كونه يريد الانتصار بأي طريقة ممكنة، وربما يدرب لاعبيه على الوسائل والمكائد التي يمكن ان تقود الخصوم الى الوقوع في ورطة. طبعاً الأغرب ان هذه الأفعال تلقى أيضاً تأييد الجماهير، والتي لا تتوانى ولا تكل عن ايجاد الاعذار لنجومها وتبريرات لأفعالهم وتصرفاتهم المريبة والمشينة. لكن الأنكى أن تنتقل هذه الآفة الى الاعلاميين أيضاً، فينقسمون مساندة لأنديتهم، ويبررون الأخطاء والافعال، وفي النهاية يتفقون على أن الحكم هو الفاسد والمخطئ والغشاش.
هذه «الروح الرياضية»، انتقلت أيضاً الى الألعاب الاخرى، فباتت دول تقود بمنهجية عمليات الغش والتشيط لنجومها، كي تعكس قدرات نجومها وأنهم من النوع البشري الخارق، فروسيا دفعت الثمن، وما زالت، بعدما بدأت الحقائق تتكشف عن تنشيط نجومها، ليس فقط في ألعاب القوى، فحسب، بل امتدت لتشكل رياضات مثل التنس والألعاب الجماعية مثل الكرة الطائرة واليد وحتى كرة القدم. وأنا على قناعة بأن روسيا ليست الدولة المذنبة الوحيدة، وكي أكون أدق، فان الرياضيين الروس ليسوا وحدهم المذنبين في استخدام المنشطات لرفع ادائهم ومستوياتهم، وهناك الآلاف غيرهم، ولم يلقى الضوء عليهم بعد. وهذه طبعاً من أبرز الأفعال التي تنافي مصطلح «الروح الرياضية». وطبعاً هذا يقودنا أيضاً الى الذي كان يبيعنا الشعارات على مدى سنوات وعقود طويلة، وهو الاتحاد الدولي لكرة القدم، حيث ظل الفيفا ورئيسه جوزيف بلاتر يشدد على «المساواة» و»العدالة» و»مناهضة العنصرية» و»اللعب النظيف» من بين شعارات اتحاده، الى أن دمر هذه الفكرة تماما بسقوطه وأعضائه وموظفيه واحداً تلو الآخر، مثل أوراق الشجر، بتهم الفساد والتحايل، وكأن الروح الحقيقية للرياضة هي فكرة موبوءة، لنكتشف ان المعنى الحقيقي لها لا يخرج من الأفواه وتكتب على المواقع والاستادات، بل تخرج من العقول الى الصدور لتكون سلوكا ينعكس ممارسة بين الجميع… انها الروح الراقية التي تبدو بعيدة كل البعد عن الرياضة.
twitter: @khaldounElcheik
خلدون الشيخ